في لوحات لينا أيدينيان

المرأة تحتضن العالم وتمدّ إليه منها تيار حنان

والألوان صارخة حتى في خفوتها

من اليمين نهاد الحايك ولينا أيدينيان

لست ناقدة فنية بل أتذوق الفن التشكيلي وأتابعه قدر الإمكان. وعندما أكتب عن الفن التشكيلي إنما أعبِّـر عمّا أوحت لي به اللوحات وعمّا أقرأ فيها من رموز وإشارات وما تبوح به تركيبة الألوان والخطوط.

وهذا ما أفعله هنا بشأن لوحات الرسامة لينا أيدينيان.

شاهدتُ لوحاتها الأخيرة في معرض أطلقَت عليه عنوان “ثقوب الأمل” في غاليري هامازكايين لوسي توتونجيان (من 8 إلى 24 تشرين الثاني 2018).

لينا أيدينيان موجودة على الساحة الفنية منذ عام 2003، حيث شاركت حتى الآن في 44 معرضاً جماعياً في بيروت ومناطق مختلفة من لبنان، وفي دبي ودمشق وباريس ولندن وكذلك في يرفان بأرمينيا. كما أقامت حتى الآن ثمانية معارض فردية في لبنان.

جانب من الحضور في المعرض

ألوان زاهية، حادّة، صارخة حتى في خُفوتها. اللون الأحمر نار مشتعلة وفوقه اللون الأزرق جليد وصقيع. حركة الألوان والخطوط طبقات: غيوم فوقها أمواج فوقها زجاج فوقها ألسنة نار فوقها أوراق فوقها أثواب فوقها ستائر فوقها شعاعات فوقها جبال فوقها مثلثات فوقها مربعات وأشكال هندسية، تداخلات ضمن تداخلات. تطلق الخيال إلى رحاب التأمل في دلالات الأشكال والألوان التي تؤلف اللوحة وخيوط الترابط ما بينها.

موضوعها الرئيسي المرأة، بكليَّتها وتفاصيلها، بملامحها الخارجية وأحوالها الداخلية، بجسدها ونفسها، بواقعها وأحلامها، بوَعيها وباطنها. ويوحي جسد المرأة بالتلال والصحاري والجبال والبحر والموج. معظم نساء لوحاتها مغمضة العينين. كأنها لا تريد النظر إلى ما يدور حولها، أو أنها تغمض عينيها لترى ببصيرتها، لترى ما وراء الأشياء، لتحدِّق في أعماق نفسها، لتتأمل بفكرها وأحاسيسها جوهرَ الحياة وكُنهَ الأشياء من دون تشتُّت. المرأة تحتضن العالم وتمدّ إليه منها تيار حنان.

الشجرة، وفي جوارها طيف امرأة، غالباً موجودة في معظم اللوحات. نراها أمام النفق وفي آخره، داخل فتحة الضوء، وسط مساحة مفتوحة، في النور وفي العتمة، فوق جسد المرأة وفي قلب الرمّانة.

احتضان الحياة

والدوائر هي من ملامح أسلوب لينا أيدينيان، دوائر تشبه بؤبؤ العين، عين ساهرة لا يرفُّ لها جفن، بينما المرأة في الصورة، مغمضة العينين، إما مستلقية بكل جسدها أو ملقية برأسها المُثقَل المُتعَب المجروح المُعاني أو المُسالم الحالم. الدائرة الحاضرة دائماً في لوحة أيدينيان قد تكون عيناً، قد تكون فوهة نفق، أو قمراً أو شمساً أو ثدياً أو الكرة الأرضية برُمَّتها. كما يتكرر في اللوحات ثقبٌ تحيط به أمواج ويمتد منه أفق يصل بيننا وبينه زورق وشراع. وكذلك القنطرة البعيدة التي تطل على الأبيض والفضاء المفتوح أو المنزل المشرع بلا أبواب ولا نوافذ.

نرى في لوحاتها تجسيدات للواقع والخيال، وصوراً من الوعي واللاوعي، وتأثراً بالأسلوب السوريالي،ولكن لينا أيدينيان أضفت على السوريالية لمسات الرقة والرومانسية والشاعرية، متخليةً عن السوريالية الصادمة والفجة. فكوَّنت أسلوبَها بمِراس ريشتها، لوحة بعد لوحة طوال سنوات، مزيجاً مركَّباً من روح السوريالية ومن ملامح روحها. تقول أيدينيان إنها تستوحي لوحاتها من التأمل في أعماق روحها ومن توقها الشديد إلى الحفاظ على نضارة هذه الروح. وتأمَل في إطلاق مَن ينظرون إلى لوحتها في رحلة إلى عقلهم الباطني.

أسماء اللوحات هي لُمَع شعرية أو تعبيرات وجدانية بحد ذاتها: دوائر الأفكار، بحثاً عن السلام، السَكينة، الربيع، أحلُم، همسات الدنيا، فقاعات الأمل، عودة الروح، معانقة الحياة، التحليق بعيداً، إلى جذوري، جذوري الأرمنية…

أحلم

ومن أبرز رموز جذورها الأرمنية، الرمّانة، التي تحمل دلالات كثيرة في الثقافة الأرمنية وتضعها لينا أيدينيان في معظم لوحاتها وتحمِّلها شحنة كبيرة من رمزية تلك الجذور. ترمز هذه الثمرة إلى الخصوبة والحظ وتجسِّد الروح الأرمنية التي لا تُهزَم. أهمية الرمانة تشهد عليها مخطوطات تاريخية عديدة وشكلها محفور على الصخور بمثابة زينة. وبعد الإبادة الجماعية للأرمن على أيدي العثمانيين، أصبح الفنانون يستخدمون الرمّانة في قصائدهم لوصف العديد من المشاعر من المعاناة إلى الأمل، إلى بقاء الأمة وولادتها من جديد.

لينا أيدينيان من مواليد 1972، مهنتها الصيدلة وشغفها الرسم. تقول إنها بدأت ترسم وهي على مقاعد الدراسة، ورغم تخصصها في الصيدلة وعملها في هذا المجال منذ عام 1999، لم تتخلَّ يوماً عن حلم الرسم، إلى أن قررت أن تتلقى دروساً خاصة في أصول الرسم خلال عامي 2003 و2004، وبدأت تشارك في معارض جماعية ثم سرعان ما بدأت تقيم معارضها الفردية. وبنظرها أن الفن غير بعيد عن الصيدلة، فالدواء يشفي من الأمراض الجسدية والفن يساعد على الشفاء من الضغوط والآلام النفسية.

تحليق

همسات العالم

عذراء فاطمة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: