هل نعجز عن المحافظة على الدولة والاستقلال؟

   

تسأل “النهار” ويسأل المواطن ايضا: هل لدينا، كشعب او كشعوب ومجموعات، قابلية للاستقلال؟ هل نستحقه؟

مع اننا عرفنا استقلالين، مرة من الانتداب الفرنسي ومرة ثانية من الهيمنة السورية.
الإجابة البديهية، ان الشعوب تختلف بعضها عن بعض، ثقافة وتجربة ولغة وعادات. لكنها تتشابه جميعها في انها تتحول وتمرّ بمراحل وأطوار تضعف فيها او تنهار وتعود إلى النهوض. لكنها بالتأكيد لا تولد بصفات جينية تجعلها قابلة للعبودية. الحرية قيمة كونية والشعوب تسعى الى الاستقلال والسيادة.
المسألة البديهية الأخرى ان الشعوب تتأثر بعضها ببعض وتتلاقح في ما بينها، وان للأفكار قوة هائلة، تنتقل وتعبر أعتى الحواجز. ناهيك عن ان بعضها أصبح كونياً كشعارات الثورة الفرنسية وحقوق الانسان وحرية التعبير والمواطنة

لكن للأوطان نظماً سياسية مختلفة، هي التي تعطيها طابعها، وقد تعرّضها للانهيار في مراحل معينة.
وبما ان النظام السياسي يرسم اتجاهات المجتمع ويقوم بما يلزم لتحقيق رفاهية المواطن وأمنه، وحماية حقوق الملكية، وإتاحة التعليم للجميع، وتقديم الخدمات الصحية، وإنشاء البنية التحتية الضرورية لحصول النشاط الاقتصادي. النظام السياسي هو المسؤول اذاً عن دمج المواطنين وتوافقهم من اجل المصلحة العامة؛ لأنه يفرض سيطرته على العلاقات التي تربط أفراده من خلال مجموعة من القواعد والقوانين الحاكمة.

عدم كفاءة الدولة لتأمين المتطلبات الضرورية، يجعل المجتمع والدولة مهددين بالانهيار. فعندما يعم الفساد، تصبح أكبر الديموقراطيات مهددة. ولبنان أصبح جنة للفساد، ما يجعل البعض يتمنى حكما ديكتاتوريا لانقاذهم. فالأنظمة السياسية إما تُخضع الشعوب وإما تحررها؛ ويكون ضالاً من يعيد سبب الانهيار الى النظام اللبناني بذاته، لأن رجالاً كباراً – وعلى المستوى الدولي- أسسوا لنظام حكم ودستور جعله ليبهارت صاحب نظرية “التوافقية”، التي نزعم تطبيقها زوراً، أحد النماذج الناجحة في الحكم، وان موقعه الجغرا- سياسي هو الذي يعيقه، وشكّل دائما ضغطا مصيريا عليه بحسب ميشال شيحا.

عرف لبنان فترة ذهبية ابان حكم رجل الدولة فؤاد شهاب، باني المؤسسات التي عاش عليها لبنان ويجري تعطيلها اليوم؛ لو استكملت تلك التجربة كان يمكن ان تكون قاعدة للانطلاق نحو دولة قانون ومواطنة تتطور نحو مشاركة عادلة لمعظم المكوّنات المتعددة. المشكلة، إذاً، ليست في الشعب ولا في النظام بذاته، بل في من يريد تطبيقه وتطويره أو يعيقه.

ما سبق، ينطبق أيضا على العراق وسوريا، كما نستنتج من كتابَي حنا بطاطو حولهما. سنشير الى امثلة تظهر تأثير النظام السياسي على الشعوب والتقاط بعض الشروط التي تسمح بإخراج شعوبنا من تبعيتها وصراعاتها الطائفية والمذهبية.

يشير بطاطو إلى ان ثنائية السنّة – الشيعة توافقت إلى درجة غير قليلة مع الانشقاق الاجتماعي الاقتصادي العميق الجذور. لكن اتجاهات علاقة الطوائف او المجموعات الاثنية بالطبقات، تغيرت خلال العقد الاخير من العهد الملكي بشكل ذي مغزى احياناً، بسبب قوانين تسوية الأراضي، وكانت مقاومة الانكليز المنعطف الابرز للتكامل الاجتماعي السياسي للسنّة والشيعة خلال 1914-1918، فقد تنادى الشيعة والسنّة كي يعملوا وينسّقوا معاً، وذلك للمرة الأولى منذ قرون. كان هناك دور الفرد ايضا: زعيم الحزب الوطني في التوحيد.

وهذا ما يبرز أهمية الظروف ودور القائمين على النظام في الدولة الوطنية: فقد لعب النظام الملكي الهاشمي الذي تأسس في العام 1921، دورا مهما على هذا الصعيد، من طريق تلبية الحاجات الادارية وتوسيع المنشآت التعليمية القائمة في المناطق السنّية والشيعية. وعمل بصورة منهجية على اذكاء المشاعر الوطنية والتعاطف مع المثال العروبي عبر مناهج الدراسة. كما حرص الملك فيصل الاول على تعميم الخدمة العسكرية، لتخفيف العبء المالي على الدولة وللاختلاط داخل القوات المسلحة، الشيعي مع السنّي، والقبلي مع الحضري، بما يضعف ارتباطاتهم الطائفية ويضعف سلطة شيوخ العشائر ويزيل الحواجز. وهي شروط الاندماج في الحياة الوطنية.

أما في سوريا فيجد بطاطو ان الغاء القانون القبلي من جانب الدولة عام 1956 وتطبيق قانون الاصلاح الزراعي عام 1958 والمراسيم ذات الصلة عام 1963 -1964، قوضت من سلطة العشائر وأضعفت السلطة الاجتماعية للشيوخ الأغنياء وأضعفت روابطها وقادت بعد عام 1966 الى زوال نفوذهم السياسي على المستوى الوطني على الاقل. إضافة الى ان تقسيم الملكية قلّل تلاحم الاسرة الممتدة، فلم تعد الوحدة الاقتصادية الفاعلة هي القبيلة بل الاسرة الفردية. إضافة الى انكسار تأثير التجار المقرضين في دمشق، وخصوصا بعد موجة الهجرة الى الخليج ومراكمة المال، ما رفع مستوى التعليم وترك اثرا سلبيا في الحياة العشائرية القديمة.

هذا، من دون ان يغيب عن بالنا ان الاعراف القديمة المتحكمة في العلاقات الاجتماعية والتصورات لا تتلاشى مرة واحدة بل تدريجيا. تجدر الاشارة الى ان هذا ما حصل في ظل بعث ما قبل الأسد، اما بعد مجيئه فأمر آخر.

يلفت بطاطو أيضا على مستوى التنظيم والنقابات ودورها، إلى ان الفلاحين البستانيين تمتعوا بإمكانات الاتحاد المهني منذ القرون السابع عشر والثامن والتاسع عشر، وعرفت هذه الطوائف/النقابات جمعيات دعم متبادل ذات حكم ذاتي. يُرجع بطاطو الامر الى شبكة قنوات الري المتطورة جدا والقديمة التي شجعت الفلاحين البستانيين على ان يستشيروا بعضهم تكرارا، ما ساعد في تقدم الممارسات الديموقراطية في ما بينهم.

نعرف ان حكم الأسد قضى على النقابات والاتحادات وألحقها بحزب البعث ففقدت أدوارها التنظيمية والسياسية.

هذه امثلة سريعة عن تأثير العوامل السياسية والاجتماعية والتربوية ودور الافراد في احداث تغيرات على نمط انتماءاتهم وعلاقتهم بالدولة والوطن والوعي المواطني للأفراد.

السؤال الآن لماذا لم يتطور النظام اللبناني نحو دولة المواطنة وإلغاء الطائفية بحسب رغبة الاوائل؟

لا شك في ان لبنان شكّل نموذجا مختلفا عن المحيط لأنه تميز بنظام ديمقراطي وتمتع بحرية التعبير وبناء المؤسسات وقوة الاقتصاد. فكيف وصلنا الى هذا الانحطاط بحيث يتمنى البعض العودة 50 سنة الى الوراء؟

كيف تشرذمنا وحوّلنا نظاما سياسيا فريدا الى وصفة للمحاصصة واقتطاع الجبنة بين حفنة من الزعماء وازلام صادروا إرادة اللبنانيين وكراماتهم وحوّلوهم زبائن ومسخوهم اغناماً في قطعان الطوائف والمذاهب المتناحرة المتصارعة دفاعا عن “زعيمها” وحصته في الجبنة، فيما هم رازحون تحت نيرالفساد المترجم بالعجز الاقتصادي وتراكم النفايات والتلوث البيئي والانهيار في البنى التحتية والخدمات من كهرباء وماء وطرق الخ.

صار الوضع هزلياً، والسرقة باسم الطوائف والمذاهب “على عينك يا تاجر”. اما اذا اردت فضح صفقة او مخالفة ومصادرة حق، فعليك ان تجد ما يعادلها عند الطوائف الأخرى والمذاهب والدكاكين مع “وثائق”، في ظل حجب المعلومات.

هنا يمكن تعيين ثلاثة محاور تشكّل الاطار لآليات عمل النظام اللبناني وتحدد اتجاهاته.

المحور الأول: آليات تنظيم السلطة للنظام السياسي والنمط الاقتصادي المعتمد، المحددة في الدستور والقوانين المنصوصة. ان ما يجري، يعطل النظام السياسي ككل لأنه يُخل بالدستور وبالقوانين المرعية ويديرها بشكل انتقائي بواسطة ضغط قوى الامر الواقع. واستمرار الوضع يهدد وجود الدولة بذاتها.
المحور الثاني: الإطار الجغرا-سياسي الذي يحيط بالبلد وهو كان دائماً الضاغط الأول في تعطيل إمكان تطوير النظام السياسي: من احتلال فلسطين مباشرة بعد الاستقلال وما سببه من انقطاع اجتماعي – سياسي- اقتصادي عن المحيط الحيوي الى جانب الهجرة الداخلية ومشكلة اللجوء. ثم جاء اتفاق القاهرة الذي رمى على لبنان بمفرده ثقل القضية الفلسطينية والعمل الفدائي. وهذا عطّل آليات عمل النظام السياسي ليتطور، وساهم باندلاع الحروب المدمرة للبنى الاقتصادية والاجتماعية.

المحور الثالث: دور المواطن اللبناني في هذه العملية

المواطن هو بالطبع المسؤول الأول عما آلت اليه الأوضاع، فصمته وتبعيته أوصلا الى إفشال السعي لاستعادة السيادة والحفاظ على الاستقلال بفضل الانقسام العمودي المتمحور حول الانتماء الديني – المذهبي والصراع الهوياتي والافتقار الى الأحزاب السياسية غير الطائفية وتشرذم النقابات وتبعيتها للنظام السياسي بفضل الهيمنة السورية.

إضافة الى انغماسه في الفساد المستشري ونشوء طبقة طفيلية واسعة مستفيدة من المغانم؛ فيلتهي المواطن اللبناني في تدبير الحد الادنى لمعيشته والحصول على خدماته عبر الزعماء الذين رضي الارتباط بهم عبر زبائنية تزداد شراسة وقوننة على يد الطبقة السياسية الحاكمة. ما الذي ينتظره المواطن؟ هل يمكن ان يطلب من هذه الطبقة – مع استثناءات بالطبع- ان تقوم بهدم البنيان الذي أتى بها الى السلطة ومكّنها فيها؟

لقد تم اخضاع الشعب اللبناني الذي وجد لنفسه الاعذار والمبررات لكي يعيد انتخاب الممثلين السياسيين أنفسهم، الذين يطالبهم بفكّ أسره وأسر الوطنمنهم.

سأستعير نصاً من كتاب رايش، “الرجل الصغير”، لأنه ينطبق علينا كمواطنين لبنانيين. خاطب رايش المواطن الألماني الذي أوصل هتلر الى السلطة لأنه خضع وسكت طويلا: “لقد أوصلت معلميك الى ما هم عليه تحت راياتك المرفوعة، وغذّيتهم بالرغم منك او بسببك. قالوا لك بألف وسيلة: أنت كائن أدنى وغير مسؤول وستبقى كذلك. ومع ذلك تسميهم مخلصيك وتهتف:”هايل، هايل هتلر”. وتعيش تعيش… لهذا أخاف منك خوفاً مميتاً. لأن مستقبل الانسانية يتعلق بك. أخاف منك لأنك لا تهرب من شيء قدر ما تهرب من نفسك. أنت مريض، رجل صغير، مريض جداً. ولكنها ليست غلطتك، مع ان الأمر منوط بك لكي تتخلص من شرك. ولو أنك لم تتساهل وتدعم من يقمعك، لكنت تخلصت من نير من يستعبدك منذ وقت طويل. ان أعتى قوة بوليسية ما كان ليمكنها أن تغلبك لو وجدت شرارة من احترام النفس لديك، لو أنك صدقت في أعماقك أن الحياة لا يمكنها أن تكمل من دونك”. انتهى.

لهذا، ربما صار صعب التحقق، الخروج من هذا المأزق بالطرق السوية. التغيير المطلوب لم يعد ممكناً إلا بواسطة هزة كبرى كتغيير دراماتيكي إقليمي او حرب إقليمية ما، او نوع من انتفاضات داخلية قد تتحول الى العنف!

سأعود الى مثل المانيا، هل يمكن وصف الشعب الألماني بالتخلف او بحب الاستعباد؟ مع ذلك لم يستطع التخلص من الحكم النازي الا بعد تدخل الحلفاء في الحرب العالمية الثانية.

****

(*) جريدة النهار 22 نوفمبر 2018.

اترك رد