الحب والوطنية في أدب نسرين بلوط وشعرها

الشعر جمال وغموض محبب يبعث النشوة في القلوب.. شلال يتدفق من مشاعر الإنسان حين يحدث ذلك التفاعل بين المبدع واللغة، الشعر إيحاءات وإيماءات وتخيلات وسيلتها الكلمات التي تترافق مع الموسيقى العذبة الداخلية.

وقد يصعب تعريف الشّعر، لكنّنا نقترب منه إذا قلنا إنّ الشّعر حياة و مسوّغ حياة، ومن الطّبيعيّ أن يدافع عن أجمل وأنبل ما في الحياة وهو الإنسان. ومن الطّبيعيّ أيضًا أن يكون الشّعر في جانب كبير منه على أقلّ تقدير، وبصورة غير مباشرة في معظم الأحيان حربًا مقدسة على كلّ ما هو غير إنسانيّ أو يشوّه الإنسان ويبعده عن الحياة، أي يبعده عن الحرية والكرامة والجمال والانسجام في الظّاهر والباطن على السّواء.

هذا هو الشّعر، فكيف إذا كان مع شاعرة تميّزت بدفق في مشاعرها، وغنًى في موضوعاتها، مع حداثة تجربتها الإبداعيّة التي بدأت مع الكلمة شعرًا ونثرًا وسردًا، وكانت علاقتها بالكلمة علاقة محبّة ووئام، جعلتها تنطلق من ذاتها لتعبّر لنا عن مجمل عواطفها ونزواتها، فتبدو مرّة ثائرة غاضبة متمرّدة، ومرّة هادئة رقيقة محبّة، وقد تنطلق معبّرة عن عواطف الآخرين من حبّ وبغض وفرح وحزن، فتنعكس على ذاتها وتدفعنا إلى التّماهي معها والإحساس بتلك العواطف.

نسرين بلوط

نتاج ابداعي

إنّها الشّاعرة نسرين بلوط التي أتحفتنا بنتاجها الإبداعي القصصي، والشّعري بدواوينها: أرجوان الشاطئ/ رؤيا في بحر الشّوق/ مهرّبة كلماتي إليك. والمتبحر في هذه الدّواوين يرى أنّ الشاعرة طفلة تبحث دائمًا عن براءة الطّفولة التي ترتدي رداء الأمل والحلم، وفي الطّفولة براءة وفطرة وعفويّة لا تعرف التّعقيد، فتهدي ديوانها الثالث إلى طفولتها:” كم مرّ من الأعوام لا أدري.. وما زلت طفلة تنثر ضفائرها المبعثرة بالحنين على وجه القمر وتضمّ باقة أعوامها لتهديها للفضاء..” ، تؤكّد الشّاعرة ارتباطها بهذة الطّفولة التي ما زالت في داخلها، لكنّها تريد من هذه الطّفولة أن تنتقل إلى مرحلة جديدة تكبر فيها أحلام الصّغار وتحمل معها مشاعرها لتنطلق في الحياة بكلّ عزم وقوّة: “طفلة سبرت حقول حنطة سمراء../ عبرها الزمن بودائعه الثقيلة./ فتوثّبت في ضفائرها الآمال …/ وخطّت عاما بعد عام../ فكيف تراها تحسب الأعوام؟!!”

ولم تكن طفولتها هذه بعيدة عن إحساسها بطعم الأمومة، ولم تكن بعيدة عن وجدان الأمّ التي ترى الحياة من خلال ابنها، فهو جزء من صفاء نفسها، وفيه ترى الكون : “يبتسم طفلي الصغير…/ فيبتسم معه الكون” ، وقد عبّرت الشّاعرة عن إحساسها الطّبيعيّ، ولم تخرج عن هذا القالب الذي توضع به المرأة، أي الأمومة، فهو شعور صادق وطبيعيّ، وقد قرنت الشّاعرة إبداع الإنجاب بإبداع الأدب: ” فتبتسم معه الأماني/ في ابتسامته صبابة أشجاني/ وعذب ألحاني/ وصمت كتابتي/ في ابتسامته أدوّن حلمي الكبير”.

وإذا عاشت نسرين بلوط طفولتها، فإنّها تكتب تحت تأثير العاطفة المكوّن الأساسيّ في النّفس البشريّة، وهي أكثر تأثيراً عند الفنان المبدع، فهي تجعله يدرك الموجودات من طريق الوجدان، والخلق الفنيّ انفعال وتفاعل مع الوجود الخارجيّ، وللعاطفة دور مؤثّر وفعّال فيه. ومن أهمّ ما يُبرز عاطفة الإنسان هو الحبّ، هذه العاطفة التي ترتبط بالجانب المعنويّ والرّوحيّ أو الجانب الحسيّ الماديّ.

أسيرة الحبّ

ونسرين بلوط تعيش أسيرة هذا الحبّ: ” وأنا أحببتك همسًا..جهرًا.. ووردًا”، إعلان صريح وواضح من الشّاعرة، فهي لا تخشى الحبّ بل تراه يأسرها، ويترك في نفسها أعذب الألحان:”  والحبُّ نبيٌّ يسلبني ليلي.. يعزفُ في وجدي كالقيثارة..”، وآخر ما تصل إليه الشّاعرة أنّها تطلب من الحبيب :” اركعْ للحبًّ سجودا../.في خفقِ ملائكةِ الله نفوسٌ…عشقتْ…”، فالعشق عاطفة خفقت لها الملائكة في السّماء، هكذا تسمو الشّاعرة مع عاطفة الحبّ. إنّه التّناغم مع هذا الحبّ الذي أصبح عند الشّاعرة قادراً على أن يغوص في النّفس البشريّة ، فهو إحساس عميق دافق نابع من أعماق الوجدان.

وانطلاقًا من هذا التّناغم مع الوجدان، نرى في قصائد نسرين بلوط الإحساس بمرارة الحبّ، فتنقل لنا تجربة الخيانة “من خانَ من؟../من لم يخنْ؟!… /قلبينِ كُنّا واندثرنا…/مثلَ نقشٍ قد هوى…/أعليتُ دمعي للسماءِ وحيدةً…” ، ونراها في موضع آخر تشكر هذا الخائن شكرًا يُشير إلى الجرح الغائر في صدرها، “شكرًا لك ..عد إليها/ فالحبّ بات في أعماقي خنجر/ يتخضّل بدمي ويسكب الآهات عليك/ نثرت أشعارنا بين الركام/ أتلفتها بدمعي ودمي/ بوعود سكبتها على مسمعي/ فشيّدتها جنانًا تزيّن بها صدغيك”. إحساسها بالمرارة قد يجعلها تتوجّه لقلبها تعاتبه على استجداء الحبّ ” ولم يا قلبي../ تستجدي الوله من روابي المحال/ وترنو لصبوة الفجر بتوق/ وتتجهّم ضيقًا لرحيل الحبيب/ وتعدو لضجيج الأنفاس بعد الزّوال”، وفي مواقف أخرى يشدّها الحنين الى الحبيب إلى عالم الحبّ المتأجّج الملتهب شوقًا ” ماد بي الحنين إليك/ داهمني كرؤى ساهمة حائرة/  فسرقت مني هنيهة..أعتصر نشوتها”.

إنّه عالم الحبّ، عالم النّفس البشريّة، ومتى كنا قادرين على الغوص في جمالياته، أصبحنا قادرين على البحث عن أسرار هذه النفس واكتشاف دواخلها، فكانت لنا صولات وجولات روحيّة ووجدانيّة تقودنا الى التّعبير عن تجربة إنسانيّة صادقة، وهكذا هو يراع شاعرتنا يرسم تجربة الحبّ بكلّ ملامحها.

ويراود الشّاعرة حبّ آخر هو حبّ الوطن والانتماء إليه، فتناثرت في دواوينها قصائد العشق لوطنها لبنان، ولانتمائها العربيّ، فتعلن صراحة في قصيدة لبنان أنّهامن هذا الوطن، ولا تحيد الشّاعرة عن هذا الشّعور في كلّ نبضاتها للوطن، وكأنّها لن تستطيع الاستغناء عنه فهو جزء منها وهي جزء منه، وهي أسيرة له” لبنانْ…دمي…/ بلدي…أنا…../ أنّى أكون….إلا معك…/أنّى أسير..فلأتبعك…” ، وتعلن في قصيدة أخرى حقيقة الإنسان العربيّ ” أنا العربيّ يوقد مشعل الحقيقة/ أسْهَرَهُ التهّجد فمضى يقتحم السدد”.

وانطلاقًا من هذين المسارين الكبيرين تدخل الشّاعرة في التّفاصيل، فنراها تُخصّص الجنوب المقاوم بتحية تُشير فيها إلى صمود هذه البقعة من الوطن لبنان: ” جنوب هو عشق خالد،/ للأرض معناه الجنون/ جنون يتصبّ عروبة/ وثورة العنفوان من قديم القرون/شمسه تتّقد نارًا فولاذيّة”،  وتؤكد علاقة هذا الجنوب بالقضية الأساسية للوطن العربي، وقدرته على حمل القضية: “من بلدان يدّعون أنّهم ..حاملو القضية/ هل تعلمون من يحمل القضية؟/ إنّهم الشّهداء ..من الأطفال والنساء/ فهل تعلمون/ ما هو الجنوب؟”. وتنقل الشّاعرة جرح مجزرة قانا، هذا الجرح الذي أبكى الجميع، وعرّى االعدالة الدنيويّة، فقانا ستبقى رمزاً للشّهادة، وستبقى معلماً يُزار، وتُمنح الورود والأزهار، لكنّها ستبقى تشير إلى عجز المتخاذلين، وستدلّ على الخديعة والتواطؤ، “قانا الجرح/ ما يزال ينزف/ يسيل من قروح البنفسج فائضًا بعطر الطّفولة المذبوحة/ غاصًا بحشرجة الوداع الأخير”.

نسرين بلوط

أطفال الحجارة

وكان للقضية تأثير على الشّاعرة، فنراها توجّه كلامها إلى أطفال الحجارة ” جبابرة يذودون عنها النّحر فيه/ ويقاومون القهر بحجر دمويّ/ ……/ من غضب طفل لم يزل جنينًا/ يخيفهم بحجر بإيماءة قهر/ تشدّ على يد الشّهيد/ وتشرق عناقيدا من الشّموخ تضجّ فينا”، وهذه الحجارة لأجل فلسطين ولأجل القدس رمز الحضارة والمجد ” أنت يا قدس حضارة/ نحملك على أكف من ورود / نعبر معك الحدود/ نطوي العصور بكلمة حق/ فإذا غافلنا الزّمان نقاوم بالشجر العشب والحجارة”، إنّها صورة تبرز الإعجاب بطفل الحجارة، فهو القادر على تعرية الجميع وإبراز الصورة الحقيقيّة لهم، وطفل الحجارة هو صانع النصر والمجد.

وتتفاعل الشّاعرة مع قضايا الأمّة العربيّة بدءًا من مصر، وتتوجّه إلى جمال عبدالنّاصر مؤكدّة خلوده في نفوس النّاس، فهو رمز النّضال والصّمود : ” ناصر ناصر/ ما زلت فينا / بددوا أملنا/ سرقوا النيل/ مزّقوا رايات بوادينا/ سنعبر معك أسورا/ بالعزّ نذلّلها”، وتعرّج على ثورة تونس فترسل رسالة من محمد البوعزيزي إلى تونس : ” لأجلك تونس/ أحرق نفسي/ من رماديّ تتألقين خضراء على جبيني”، وللجزائر نصيب عند الشّاعر، فهي بلد المليون شهيد، ” للجزائر قصة معها/ فيميد الدجى في أشواقي” . ولا تنسى الشّاعرة سوريا الحزينة، فهي في قلبها” قلبي وسوريا / هيام في هيام”، تُشير الشّاعرة إلى فلسطين الجريحة المغتصبة ، وإلى لبنان المتألّم، وتستمر رحلة الشّاعرة معدّدة آلام الدول العربيّة، معبّرة عن مأساتها.

والجولة تطول وتطول مع إبداع الشّاعرة التي تطرّقت إلى الكثير من الموضوعات، لكن المقام لا يسمح، فهنيئا لها يراعها السّيال النشيط، وسلم إحساسها المرهف، وإلى مزيد من الإبداع والتألق. وشكرا لكم ولحسن اهتمامكم.

اترك رد