المقررات واسعة الانتشار المتاحة عبر الانترنت (الموكس):

تعلَّم ما ترغب وقتما تشاء في المكان الذي يناسبك

khaled salah

د. خالد صلاح حنفي محمود

(مدرس أصول التربية

كلية التربية – جامعة الإسكندرية)

يتطلب الانخراط في اقتصاد المعرفة واللحاق بالدول المتقدمة معرفياً واقتصادياً توسيع العرض التعليمي وتجويده في جميع مستوياته. لكن هذه الغاية النبيلة غالبا ما تصطدم  بعائق الاستثمارات الضخمة التي تتطلبها مشاريع توسعة و تعميم العرض التعليمي، وما يتطلبه ذلك من موارد بشرية ومالية مهمة، خصوصا في الدول النامية والسائرة في طريق النمو.

هذه الحقيقة جعلت الجامعات العالمية والمؤسسات الدولية المهتمة بالتعليم، مثل معهد مساتشوستس وجامعات هارفرد وبيركلي وكيو اليابانية … إضافة إلى كثير من الدول في العالم، تتبنى ما يسمى بالمقررات واسعة الانتشار المتاحة عبرالانترنت MOOCs  اختصاراً لـMassive Open Online Courses، فماذا تعنى؟ وكيف نشأت وتطورت؟ وما فلسفتها وأهدافها؟ وما مزاياها والتحديات التى تواجهها؟

* * *

يعدُّ التعليم الإلكتروني في عصرنا الحاضر صناعةً كبيرة، بعد أن كان حلمًا في العقد الماضي. وفي ظل هذا التسارع التقني العالمي وتوظيفه في المجالات المختلفة وعلى رأسها التعليم بكل أنواعه ومراحله، وتوفير بيئات التعليم والتعلم المفتوح دون قيد بزمان أو مكان، حظيت ظاهرة المقررات واسعة الانتشار المتاحة عبر الانترنت (الموكس) بتقدير ملحوظ من كل فئات المتعلمين أو معظمهم؛ وذلك لأنها سعت إلى تذليل المهام المعقَّدة التي غالباً ما تواجه فئات المتعلمين من مختلف الأقطار، وباعتبارها لوناً جديداً للابتكار والتنافس والإنتاجية، بل إنها مجال رحب للتعليم والإبداع واستغلال الطاقة الشبابية الهائلة في تعزيز نموهم وبنائهم علميًّا وفكريًّا، عن طريق تهيئة معلومات وموارد معرفية واسعة بتكلفة منخفضة، بالقياس إلى المصادر الأخرى التي تعد منافذ ثابتة للتعلم.

MOOC

وتقوم هذه المقررات على الانفتاح العلمي ومشاركة المعلومات من قبل المتعلمين والخبراء، وشعارها: تعلَّم ما ترغب وقتما تشاء في المكان الذي يناسبك، إلا أنها تشترط وجود خبراء معترف بهم في مجال الدراسة، مع توفير مجموعة من الموارد الأخرى على الإنترنت يسهل الوصول إليها بحرية. كما أن هذه العملية تبنى على المشاركة النشطة من أعداد غفيرة من الطلاب الذين ينظمون مشاركتهم ذاتياً، وفقاً لأهداف ومعارف ومهارات محددة ضمن مصالح مشتركة للتعلم، ومن خلال وضع جدول زمني محدد مسبقاً. كما أنها تمتاز بميزات عدة، منها: معالجة البعدين الزماني والمكاني، وتوفير الوقت والجهد في الحصول على المعلومات، بالإضافة إلى قلة التكلفة المالية بعدم وجود شروط دخول رسمية، ولا أي قيود لمشاركة المعلومات والمواد التعليمية والتدريبية، وتوفر فرص التعلم التعاوني، وتبادل المعلومات والخبرات بين المستفيدين، مع إمكانية تقسيم الأدوار بين الطلبة والباحثين وغيرهم، وإمكانية نشر أكثر من طريقة تعليمية عبر الشبكة؛ ما يوفر للطالب مصادر تعليمية متنوعة وبأسلوب شيق للغاية. كما تحرص تلك المقررات على صقل المتعلم بالمهارات والمعارف والخبرات التربوية اللازمة، وتلقيه تعليماً جيداً يتمثل أدنى مستوياته في إجادة استخدام تقنيات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وذلك من منطلق أن المتعلم هو محور أهدافها وركيزتها الرئيسة.

online-education

وقد لاقت هذه المقررات نجاحاً كبيراً في أوروبا والعالم، ومن أهم الشركات المتخصصة في إعداد هذه المقررات: شركة (Coursera)، وشركة (edX)، وشركة (Udacity)، ونمت بشكل كبير من حيث الحجم والخدمات المقدمة. وتقدم شركة (Coursera) حاليًّا أكثر من (500) مقرر لأكثر من (4.4) مليون متعلم، من خلال (97) شريكاً عالميًّا و(10) جامعات حكومية في الولايات المتحدة. كما أن أكثر من نصف مؤسسات التعليم العالي غير الأمريكية والمشتركة مع الشركة هي من أوروبا، حيث تبذل الشركة الجهود في سبيل زيادة حجمها؛ لتكون الشركة الرائدة الأولى في هذا المجال من خلال عقد الاتفاقيات والعقود مع (10) جامعات حكومية أمريكية كبرى، تعمل على دعمها في تقديم مقررات (MOOCs) في التعليم الجامعي. وكان سبب انجذاب الجامعات الأمريكية للشركة، ما قامت به من تطوير منصة تسمح بعملية التقييم الآلي بطرق معقدة أكثر عن المنصات الأخرى، كما عملت الشركة على التوجه إلى التعليم المدرسي وما قبل المدرسة، وهدفت إلى تقديم دورات تدريبية للمعلمين وعملت على تطوير موقعها الإلكتروني على شبكة المعلومات، إذ إن ربع المقررات التي تقدمها الشركة تقدم مع خيار منح هذه المقررات شهادات ويتم تحديد الهوية عن طريق بطاقة تعريف لتسجيل اعتماد الطالب.

shutterstock

أما شركة (edX) فقد ضمت (28) جامعة مثل جامعة هارفارد ومعهد ماساشوسيتس للتقنية (MIT) المؤسسين لهذه الشركة، منها (17) جامعة من خارج الولايات المتحدة، خمس منها في أوروبا و(12) موزعة في العالم، وتقدم الشركة حاليًّا (62) مقرر وتمنح شهادات لمن ينهي هذه المقررات بنجاح بدون أي مقابل لكنها لا تمنح اعتماداً لهذه المقررات. وهناك شركات أخرى رائدة في هذا المجال سواء في أوروبا أو الولايات المتحدة والعالم، مثل شركة (NovoEd)، وشركة (Udacity)، وشركة (Udemy) وغيرها من الشركات، وقد حققت هذه المقررات تأثيراً كبيراً على مستوى القارة الأوروبية ، ونمواً كبيراً، بحيث كان ثلث هذ المقررات في العالم تقريباً ضمن نظام التعليم العالي الأوروبي، وكان ذلك نتيجة مشاركة الجامعات الأوروبية في المنصات الأمريكية. كما تم إطلاق المبادرات الأوروبية من قبل الجامعات نفسها ودعم المشاريع الخاصة في هذا المجال، من قبل بعض الحكومات الأوروبية وشركات الاتصالات والمنظمات الأخرى، حيث بلغ عدد دورات (MOOCs) في الجامعات الأوروبية المفتوحة (61) مقرر. كما بين آخر استطلاع لاتحاد الجامعات الأوروبية أن من بين (249) جامعة أوروبية كان هناك (31) جامعة تقدم هذه المقررات، كما أكد (75%) من الجامعات أنها تبنت سياسات وخطط مستقبلية لتقديم هذه المقررات.

istock_000019623568xsmall

وتتيح العديد من منصات هذه المقررات في الدول الناشئة فرص الوصول إلى المقررات في الولايات المتحدة وأوروبا، ومن هذه الدول الصين واليابان وكوريا وأستراليا وكندا وبعض دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

وفيما يخص آثار دورات (MOOCs) على المتعلمين والمدرسين، فيمكن القول أن هذه المقررات لا تستبدل عملية التعليم التقليدية في مؤسسات التعليم العالي ولكنها تكملها، في حال استخدامها في عملية تعليم مختلطة تجمع بين العملية التقليدية وبين هذه المقررات في أثناء الدراسة الجامعية أو بعدها، كوسيلة للوصول إلى فئات جديدة مستهدفة من هذه المقررات وكنوع من التعليم المهني المستمر.

وتعد عملية اعتماد شهادات إتمام مقررات (MOOCs)هي القضية الأكثر إثارة للجدل في ظل وجود الجامعات التي توفر هذه المقررات ولا تمنح الشهادات والاعتمادات، ففى الولايات المتحدة الأمريكية مثلاً يقوم المركز الأمريكي للتعليم (American Council for Education ACE)، بمهمته المستمرة في منح الاعتمادات للبرامج التي تخدم المتعلمين من كبار السن، وقد اعتمد المركز (11) مقرر مقدمة من شركة (Coursera)، و(5) مقررات من شركة (Udacity)، ومقرر واحد من شركة (edX)، ومستمر في عملية مراجعة وضمان جودة هذه المقررات.

Global blue Computer Network

وفيما يتعلق بكون مقررات (MOOCs) تقدم بالمجان إلا أن ذلك غير مضمون مستقبلاً؛ نتيجة قيام الشركات المقدمة لهذه المقررات بتبنى سياسات استخدام لمواقعها، تحظر على المستخدم نسخ محتوى هذه المواقع أو بيعها أو إعادة إنتاجها أو نشرها أو تعديلها أو نقلها أو توزيعها أو المتاجرة بأي شكل من الأشكال، كما توقع الجامعات اتفاقيات مع هذه الشركات بحيث تمنحها رخصة عالمية غير حصرية؛ لإعادة إنتاج محتوى هذه المقررات وتوزيعها وتطويرها وتعديلها وترجمتها المقدمة من الجامعات، كما يحق للجامعات استخدام أجزاء من هذه المقررات في العملية التعليمية في الجامعات نفسها بدون مقابل، وهو ما يثير بشكل واضح كافة القضايا القانونية، بخصوص الحرية الأكاديمية وحقوق الملكية الفكرية، وتحديد المسؤول عن محتوى هذه المقررات والجهات المانحة للاعتماد والشهادات.

ويجب على نظم التعليم العالى مستقبلاً، وضع نظم لتقييم الموكس، وتحليل تطورها والهدف منها والفرص التي تقدمها لمؤسسات التعليم العالي. والنظر إلى منافع الجامعات المنخرطة في مقررات (MOOCs)، العائدة على الطلبة والمدرسين والجامعات نفسها والمجتمع كليَّا، وكيفية جعلها وسائل إستراتيجية؛ لنشر المعرفة والتعاون المطور الذي يحفز التبادل العالمي للمعرفة، وكيفية إسهام هذه المقررات بالأبحاث والتعاون البحثي وبدعم التنمية المستقبلية في التعليم، وتوفير فرص أكثر في مجال التنمية المهنية والشخصية المستمرة.

PEOPLE

المراجع:

السيد عبد المولى أبو خطوة (2014) ، المقررات الالكترونية المفتوحة واسعة الانتشار MOOC وعولمة التعليم، مجلة التعليم الالكترونى، (14).

هند بنت سليمان الخليفة ، الموارد التعليمية المفتوحة: واقعها ومستقبلها ،  قسم تقنية المعلومات ، كلية علوم الحاسب والمعلومات ، جامعة الملك سعود، lib4arab.net/vb/uploaded/4_12954269.doc

Al-Khalifa, H., and Davis, H. AraCore: An Arabic Learning Object Metadata for Indexing Learning Resources, FNITS2006, Riyadh, Saudi Arabia, February 6-8, 2006. In Arabic

Hylén, J. (2007). Open educational resources: Opportunities and challenges. OECD-CERI. Available online

Johnstone, S. (2005). Open educational resources serve the world. Educause Quarterly, 28(3). Available online http://www.educause.edu/apps/eq/eqm05/eqm0533.asp?bhcp=1. (Last Accessed Jan. 11, 2009)

Li Yuan, Sheila MacNeill and Wilbert Kraan (2008). Open Educational Resources – Opportunities and Challenges for Higher Education. Briefing paper prepared for the UK Joint Information Systems Committee Centre for Educational Technology & Interoperability Standards (JISC CETIS).

Downes, S. (2006). “Models for Sustainable Open Educational Resources”, National Research Council Canada. Available online

http://www.oecd.org/document/32/0,2340,en_2649_33723_36224352_1_1_1_1,00.html. Last Accessed Jan. 11, 2009)

Dan Atkins, John Seely Brown and Allen Hammond (2007). A Review of the Open Educational Resources (OER) Movement: achievement, challenges and new opportunities

OECD (2007), Giving Knowledge for Free: the Emergence of Open Educational Resources, http://www.oecd.org/document/41/0,3343,en_2649_35845581_38659497_1_1_1_1,00.html. (Last Accessed Jan. 11, 2009

Siemens, G. (2005). Connectivism: A learning Theory for the Digital Age. International Journal of Instructional Technology and Distance Learning, (2)1, pp.3-11

UNESCO. OER development and publishing initiatives. Availa

One comment

  1. تمثل المقررات واسعة الانتشار (الموكس) توجها عالميا لنشر العلم والمعرفة وقد ساد فى السنوات الأخيرة فى الدول الأوروبية وبدأ ينتقل للعالم العربى عبر مواقع (إدراك) وغيرها وهى تتيح الفرصة للمعرفة والعلم دون مقابل

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: