رَحَلَت!

maurice najjar

مُورِيس وَدِيع النَجَّار

(أديب وشاعر- لبنان)

(أُعِدَّت لِتُلقَى في الذِّكرَى الأَربَعِين لِوَفاةِ الشَّاعِرَةِ إِكرام قدَيح مَكِّي، في النَّبَطِيَّة، ولكنَّ ظُرُوفًا مُعَيَّنَةً حالَت دون إتمام الاحتفال)

رَحَلَت وَالرَّحِيلُ عُمرٌ ثَانِي                إِن تَمَلَّا الكِيانُ بِالإِيمانِ

هِيَ كانت على سَماحِ بَنِي عامِلِ  ـــــــــــ  في مُنتَهَى الرِّضَى القُرآنِي

وَحَوَت في فُؤادِها الغَضِّ حُبًّا          هُوَ رُوحُ العَلِيِّ في الإِنسانِ

هُوَ مِفتاحُ عَقْدِ كُلِّ بِناءٍ                    قائِمٍ في رَحابَةِ الأَديانِ

وَتَناهَت جُوْدًا فَكِدتُ أَراها،               لِمَدَى بَذْلِها، إِلى ذَوَبانِ

رَحَلَت بَعدَ فَورَةِ الدَّاءِ فِيها،                  وَقُواها تَنُوءُ بِالحَدَثانِ

فَإِذا الدَّربُ خَلفَها أَذْرُعٌ         ـــــــــــ      تُومِئُ شَوقًا بِبالِغِ التَّحْنانِ

وَإِذا إِسمُها بِكُلِّ مَجالٍ                     نَفْحَةٌ مِن تَنَهُّدِ البَلَسانِ

نَحنُ نَزهُو هُنا لِحِينٍ سَرِيعٍ،              زَائِلٍ في مَواكِبِ الأَحيانِ

هذهِ الأَرضُ نِعمَةٌ لَيسَ تَبقَى،     مَا عَمَرنا، “فمَنْ عَلَيْهَا فَاني”(1)!

فَارحَلِي في هَناءَةِ البالِ حَتَّى   ـــــــــــ   الرَّاحَةِ الحَقِّ في حِمَى الدَّيَّانِ

وَإِلى جَنَّةِ السَّماءِ يَقِينًا،             أَفَما أَنتِ مِن أُولاتِ الجِنانِ؟!

peace_dove

 ***

إِيهِ إِكرامُ.. كانَ يَومٌ مُضِيءٌ               وَالتَقَينا بِمَحفِلِ الأَوزانِ

ذَاكِرٌ كَيفَ في زِحامٍ وَهَرْجٍ            قُلتِ ما سَرَّنِي، وَمَا أَغوانِي

قُلتِ قَد هَزَّنِي يَراعُكَ حَتَّى            خِلتُ فِيهِ يَراعَةَ الحَمَدانِي(2)

آهِ مِن كِبْرِكِ الجَلِيلِ أَيا مَن      لَكِ، في الشِّعرِ، هَيبَةُ الصَّولَجانِ

أَتُرانِي كما تَقُولِينَ أَم قَد           غَرَّنِي اللُّطفُ مِن فُؤادٍ حانِي؟!

فَلْنَدَعْ لِلزَّمانِ، إِكرامُ، حُكْمًا            يَضَعُ الكاتِبِينَ في المِيزانِ!

كُنتِ في غَمْرَةِ المَحافِلِ كَالنَّحلَةِ    ـــــــــــ     تَشتارُ مِن زُهُورِ البَيانِ

وَإِذا ماجَ مِهرَجانٌ بِبَدْعٍ،              أنتِ، إِكرامُ، زِينَةُ المِهرَجانِ

وَمَتَى قامَ لِلقَرِيضِ عُكاظٌ،       كُنتِ في السَّمْعِ، أَو لِبَرْءِ الأَغانِcloud-157524_960_720

 ***

مَرَّ عَقْدٌ وَنَيِّفٌ فَلَأَنتِ               أَقرَبُ النَّاسِ، أَصدَقُ الأَخْدانِ

خِيرَةُ الأَهلِ، صَفْوَةُ الأُنْسِ، أَوفَى     الخُلَّصِ الأَصدِقاءِ، وَالخُلَّانِ

وَوَجَدتِ في زَوجَتِي لَكِ أُختًا             كَم غَمَرتِ لِقاءَها بِحَنانِ

فَغَدَوتِ، في دارِنَا، صُورَةَ الحُبِّ،   ـــــــــ   وَمَرَّ الرَّبِيعِ في الأَغصانِ

كُنتِ أُسطُورَةَ الصَّداقَةِ، وَالنُّبْلِ،  ـــــــــ  وَطِيْبِ الوَفا، وَضَوْعِ الأَمانِي

ما تَرَكتِ رُبُوعَنا كَسَرابٍ،              لا وَلَن تَرحَلِي إِلى النِّسيانِ

لَن تَغِيبِي فَالخَمْرُ تَنْفَدُ لكِنْ               عَرْفُها قابِعٌ بِقَعرِ الدِّنانِ

وَسَيَبقَى كَالعِطْرِ ذِكرُكِ فِينا،           وَكَوَقْعِ النَّدَى على الرَّيحانِ

فَكَفَى أَنَّكِ اليَراعَةُ تَحكِي               سُنْدُسَ المَرْجِ، غَلَّةَ الأَفنانِ

وَكفَانا، على غِيابِكِ شِعرٌ،           كَنَدَى الفَجرِ في عِبابِ البانِ

هُوَ شِعرٌ يَدُومُ في الخَلْقِ حَيًّا،          مِن أَزاهِيرِ رَوْضِكِ الرَّيَّانِ

وَقْعُهُ كَالنَّسِيمِ غِبَّ هَجِيْرٍ،             كَانسِيابِ الرَّنِيمِ في الآذانِ

كَخَيالِ الحَبِيبِ يَنسَلُّ كَالطَّيفِ    ـــــــــ        إِلى هُدْبِ وَالِهٍ وَسْنانِ

وَكَحُلْمِ الأَوتارِ بِاللَّحنِ يَشدُو،  ـــــــــ  كَالعَصافِيرِ، في ضُلُوعِ الكَمانِ

flower 112

   **** 

إِيْهِ إِكرامُ.. قُلتِ: أَنشُرُ دِيوانًا،     ـــــــــ        وَأَنتَ المُقَدِّمُ المُتَفانِي

قُلتُ: هانِي. هُوِ الهَناءُ لِرُوحِي،        قَلَمِي حاضِرٌ، وهذا رِهانِي

مُقلَتِي سَوفَ تَنسُلُ الحُسنَ مِنهُ        وَتُوَشِّي سَنا الحُرُوفِ بَنانِي

أَيْنَهُ، يا نَجِيَّةَ الحَرفِ، أَينَ    ـــــــــ     القافِياتُ العِذابُ لُدْنُ المَبانِي

أَينَ خُضْرُ الحُرُوفِ تَبْرُقُ في الطِّرْسِ، ـــــــــ وَتَشدُو وَلا رَنِيمُ المَثانِي

أَينَ أَينَ الرُّؤَى الغَوالِي تَلالَى              دُرَرًا في جَلالَةِ التِّيجانِ

أَينَها يا وَفِيَّةً ما أَخَلَّت                    بِلِقاءٍ على قَوافٍ دَوانِي

لَيسَ عَهدِي بِكِ تَناسِي عُهُودٍ،           وَلَأَنتِ المِثالُ في الإِتقانِ

هَل دَعاكِ الشَّوقُ المُبَرِّحُ لِلأُلَّافِ،    ـــــــــ     لِلفارِسِ الهُناكَ يُعانِي

مِن فِراقِ الحَبِيبَةِ الكانَ فِيها  ـــــــــ  الدِّفْءُ في غُرْبَةٍ، وَبُعْدِ مَغانِي؟!

أَم لِـ “لِينا” وَقَد رَمَتها المَنايا           يَومَ كانَت كَزَهرَةٍ في لَيانِ؟!

كَيفَ بِاللهِ صُغْتِ غُرَّ اللَّآلِي،           وَاللَّيالِي تَمُورُ بِالأَحزانِ؟!

كَيفَ دَبَّجتِها كِمامَ وُرُودٍ،                   وَعُقُودًا مُزدانَةً بِجُمانِ

وَسِوارًا زَبَرْجَدًا راحَ يَزهُو،                 كَغَرِيرٍ، بِناعِمِ الأَردانِ؟!

أَوَهَل تَسمَعِينَ ما أَنا شادٍ              في جَناكِ، وَقَلبِكِ الحَنَّانِ؟!

أَنتِ يا مَن إِذا اختَصَرناكِ قُلنا:          قَلَمٌ فائِضُ الرِّوَى، وَيَدانِ

تَملآنِ الصَّحائِفَ البِيْضَ نَوْرًا       عاطِرَ العَرْفِ، ساطِعَ التَّبيانِ

إِيْ، وَرَبِّي، إِكرامُ، هذا يَسِيرٌ            مِن تَعَنٍّ أَمَضَّنِي وَدَعانِي

فَأَتَيتُ اليَراعَ أَسكُبُ مِنهُ                ما أَتاحَ الفُؤادُ مِن وِجدانِ

إِيْهِ إِكرامُ… لَيتَ شِعرِي يُوَفِّي     بَعضَ بَعضَ الوَفاءِ طَيَّ جَنانِي

لَيتَ ما تَنسُجُ الحُرُوفُ أَمامِي          أَن يُسِرَّ الوَدادَ فَوقَ لِسانِي

هذهِ دَمعَتِي، وَهذا قَصِيدِي،             لَهَبٌ يَستَطِيرُ مِن أَجفانِي

قَد نَسَجتُ الرُّؤَى، وَهاكِ مِدادِي،  مِن لُهاثِي، وَمِن نَجِيعِي القانِي!

flower 113

             ****                

آهِ مِنِّي ثَنانِيَ البُعْدُ عَن زَوْرَةِ    ــــــــــــ      إِلْفٍ يَغُوصُ في الأَوهانِ

بَعُدَت بَينَنا المَسافَةُ، إِكرامُ،     ــــــــــــ      فَقُلتُ الجَنُوبُ شَطْرٌ ثَانِي

وَأَنا مِ الشَّمالِ، ما عادَ رَبْعِي          وَدِيارُ الصَّدِيقِ في الجِيرانِ

وَتَرَكتُ الوَنَى يُسَيطِرُ حَتَّى             فاتَنِي أَن أَراكِ قَبلَ الأَوانِ

فَأَتانِي النَّعِيُّ يَصْعَقُ قَلبِي،                 وَرَمانِي بِجَمرِهِ فَبَرانِي

سامِحِينِي إِكرامُ قَصَّرتُ حَتَّى        طُوْلُ دَرْبِ المَزارِ قَد أَضوانِي

فَتَعَزَّيتُ بِالصَّلاةِ، بَعِيدًا،             وَبَخُورُ الصَّلاةِ، مِنهُ، كَفانِي

وَأَنا اليَومَ زُرْتُهُ غَيرَ أَنِّي              لَم أَجِدْ غَيرَ حُلْكَةِ الخُسْرانِ

فَتَمَزَّقتُ ثُمَّ أَيقَظَ حُزنِي              نَدَمِي، فَانطَوَيتُ في أَشجانِي

أَسَفًا أَن يَغُورَ نَبعٌ نَمِيرٌ                  بَعدَ دَفْقِ الرَّنِيمِ وَالجَرَيانِ

أَسَفًا أَن تَغِيبَ مُهْرَةُ شِعْرٍ             ما كَبَت يَومَ صَوْلَةِ المَيْدانِ

أَسَفًا أَن يَجِفَّ فِينا يَراعٌ                كَم نَهِلْنا مِن صَوْبِهِ الهَتَّانِ

أَسَفًا أَن نَرَى رِهافَ القَوافِي             قَد طَوَتها غَيَابَةُ الأَكفانِ!

flower 114

****

(1)- ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾، القُرآنُ الكَرِيمُ، سُورَةُ الرَّحْمَن، الآيَة 26.

(2)-  هو الشَّاعِرُ العَبَّاسِيُّ المَعرُوفُ أَبُو فِراس الحَمَدانِيّ.

اترك رد