الشاعرة نهاد الحايك
من الصعب أن ينسى المرء شخصاً وشخصية كشادية الحاج.
وتقفز إلى الذاكرة مشاهد ومحطات من أيام مضت ولكن لم تستطع طبقات الزمن المتراكمة أن تمحوها. أيام جمعتنا فيها إذاعة وقضية.
الإذاعة: لبنان الحر.
القضية: تحرير لبنان.
تزاملنا في زمن كانت السماء تُمطر قذائف أكثر مما تُنزل مطراً، وكانت دماء الضحايا، أكثر من الينابع، تغذي الأرض. وكانت الحياة في وطن يحترق بنار الصراعات الدموية العبثية الداخلية والخارجية، منكفئة داخل اللحظة الراهنة، مخنوقة بدخان الأسئلة الموجعة والقلق على السلامة وعلى المصير.
في هذا الديكور القاتم كان علينا أن نقاوم الدمار، دمار النفس من دمار الوطن.
وشادية لم تكن مستسلمة ولا مجرد متفرجة. قاومت بأسلحة كثيرة: كتابةً وفناً وإبداعاً، وموقفاً وأخلاقاً ومبادئ.
أكاد أراها الآن في أبعاد الذاكرة، تدخل إلى استوديوهات الإذاعة بصحبة رفيق عمرها أندريه جدعون، الشاعر والفنان والكاتب المسرحي والسينمائي (الراحل). طلة مختلفة، مميزة، آسرة لزوجين، بل توأمين يتحركان ويقفان، يتحدثان ويصمتان، كأنهما لم يغادرا خشبة المسرح، فكانا دليلاً ساطعاً على أن الحياة مسرح. لكنهما لا يمثلان بل يعيشان على هذا المسرح بصدق وشفافية.
الوضوح في التعبير والتعامل، والالتزام بالقضايا الوطنية والإنسانية، والإحساس المرهف، والانسجام مع النفس، من أبرز ما انطبع في بالي من ميزات لشادية الحاج.
مساهماتها في وسائل الإعلام كانت بمثابة محطات. فيها من الجدية والعمق والابتكار والرهافة والسلاسة ما جعلها راسخة في ذاكرة الجمهور. كيف يُنسى البرنامج الإذاعي “مخايل بو عينين” الذي كتبته شادية بحلقاته الثلاث والثلاثين ولاقى نجاحاً منقطع النظير ولا تزال أصداؤه تتردد في خبايا الذاكرة. كيف لا وهو يحكي قصة أول مقاوم من جبل لبنان ضد الاحتلال العثماني. وقد أحيت شادية قصته بشكل إذاعي جذاب في وقت كان المجتمع كله يقاوم وبحاجة إلى القدوة والإلهام.
برنامج “كلمات عمودية” التي اشتركت في كتابته للإذاعة مع أندريه جدعون، كان عنواناً ومضموناً مخالفين للمعهود. أطل أثيرياً على الناس بمادة مبتكرة: تأملات وتعليقات وملاحظات تغوص إلى الأعماق وترتفع إلى الأعالي.
في التلفزيون أيضاً سجلت شادية حضوراً مؤثراً وفاعلاً. وما زلنا نذكر عناوين “بين العلم والخرافة” و”موهبتي” و”عم يكبروا الولاد” و”حرفيون بيننا”.
في المسرح الرحباني الفيروزي، شاركت تمثيلاً في أوبرالية “بترا” التي عُرضت في الأردن ولبنان وسوريا.
في الصحافة كذلك، مقالات وكتابات مميزة بالنظرة الثاقبة والأسلوب المحكم، خاصة في مجلة “النهار العربي والدولي”.
سجلٌ حافل ومسيرة تركت خطواتُها علاماتٍ مُشرقة في لبنان، قبل أن تحزم حقائبها وترحل إلى أستراليا. ولعلها حملت في حقائبها إلى جانب جراح الوطن، حلماً بوطن ينبعث من دماره، وقوة الإرادة والعزيمة والمثابرة، ورسالة ثقافية وتربوية منيرة. وهناك أيضا لشادية قصة نجاح وعطاء أخرى تكمل ما بدأته في لبنان.
شادية الحاج، اجتمعت فيها رهافة الفراشة وصلابة الرمح. تركيبة فريدة لم تكسرها انكسارات الوطن ولا شتَّتتها متاهات الغربة. مني لك خالص المحبة والتقدير في مناسبة تكريمك.
*****
(*) بمناسبة حفل تكريم الاعلامية شادية الحاج حجار