في الحاجة إلى ضبط الإعلام الديني

ملاك عبد الله

للدِّين في المجتمعات العربيّة قديماً وحديثاً مكانة واضحة وملحوظة على الصّعيدين الفردي والإجتماعي؛ hiwar logo islومن حيث أنّه يشكّل جزءاً من الإعتقاد الشخصي للفرد الّذي على أساسه يكوّن رؤيةً وتصوّراً لعلاقته بالخالق والمخلوق، فإنّه من جهةٍ أخرى يدخل في إطار العلاقات الإجتماعيّة، فيكون وفق توظيفه إمّا عاملاً للترابط والتماسك أو سبباً للتفكّك والنّزاع أيضاً.

ولئن كانت المجتمعات العربية كغيرها من المجتمعات البشريّة تشهد تقدّماً أو تراجعاً لمكانة وتأثير الدّين فيها بحسب السِّياق التاريخي والظّروف الزّمكانيّة، فإنّ الظروف والأوضاع الرّاهنة الّتي تشهدها البلاد العربية أعادت الإعتبار بشكلٍ كبير وملحوظ لدور الدّين وتأثيره على الفكر الفردي، كما على  الواقع السياسي والإجتماعي والأمني، سيما بعد أن دخل الديني بالسياسي، وباتت كل جماعة دينية تتطلّع إلى تحقيق ” مدينتها الفاضلة” دون أن تجد سبيلاً إلى ذلك إلّا بإلغاء الآخر.. وللأسف هُجّر المسيحييون وكَفّر المسلمون بعضهم البعض، وقتل الأخ أخاه باسم الدين.

ولعلّ عودة الظّاهرة الدينية وتجلّي تداعياتها بهذا الشكل الّذي نحن عليه اليوم لم تكن بالنسبة ذاتها لولا الدور الموازي الّذي تلعبه وسائل الإعلام والتواصل وتكنولوجيا المعلومات، أو ما اصطُلح عليه بالــ “ميديا”، وقد قدمت الدراسات الكثير من الدلائل على أن الدين ووسائل الإعلام يحتلان نفس المكانة والمساحة فى الحياة المعاصرة، ولهذا، فإنَّ أحدهما بات يعتمد على الآخر لتحقيق غاياته المنشودة. وبتعبير أو بآخر، انتهج الدين من الإعلام وسيلة لإيصال رسالته إلى العالم بأكمله، وأفرز الإعلام العديد من محطاته لإعطاء مساحة للخطاب الديني حتى يكسب من خلاله متابعة ومشاهدة الجماهير..dini

إنَّ واقع معظم الخطابات/المواعظ الدّينية التي تبثّها العديد من القنوات الدينية، لا سيّما الخطابات الإسلامية منها، باتت تستدعي الوقوف عندها واتخاذ الإجراءات العمليّة حيالها، وليس فقط الإكتفاء بإطلاق المواقف الشاجبة هنا وهناك، بعد أن أصبحت من الخطورة في مكان بحيث أنّها لم تعد ضليعةً إلى حدٍّ ما في إشباع الميل الروحي للمتديّن، والذّي في الغالب ينشد تلك المحطات كسبيل للحصول على المعرفة الدِّينية وتحقيق التغذية الرُّوحية المرجوّة، بقدر ما باتت منابر للتجاذبات السِّياسية من جهة، والمذهبيّة من جهة أخرى، وما لذلك من دور أساسيّ في إذكاء الفتنة الدّائرة في العالم العربي، وفي شحذ العصبيات والنّفوس، لتصبح جاهزةً لإقصاء الآخر فكرياً في البداية، ثم جسدياً حالما أتيحت الفرصة. وليس أفظع من أن يستغلً “الخطيب” جهل النّاس وإخلاصهم في السّعي إلى الله، فيعبِّد لهم طريق الجهل من حيث أنّه يوهمهم بأنّه طريق الصّواب.

ولعلّ هذا التحريف الخطير في الدور الّمنوط في الأساس بالإعلام الديني، والمتعلّق بالتبشير بالقيم الدِّينية السّامية التي تخدم الإنسان، وتقديم المعرفة الدينية البعيدة كلّ البعد عن الخرافات الأسطورية، والقريبة كلّ القرب من حدود المنطق والعقل والعلم، يستدعي أن تتحرّك الجهات المعنيّة لتدارك آثاره السّلبيّة، على اعتبار أنَّ أي عمليّة إصلاح إجتماعي وتوعية فكريّة لا بدّ وأن تنطلق منها، إلى جانب الخطوات الإصلاحيّة المطلوبة على صُعُدٍ أخرى، والتي يكمن أبرزها في تنقية الموروث الديني من الأحاديث المغلوطة الّتي زُجّت زجّاً في فتراتٍ محدّدة من التّاريخ، وتراكمت مع السّنين، ثمّ ما لبثت أن أصبحت جزءاً من الثقافة الدينية التي لا مجال للنقاش في مدى صحّتها!

وعلى هذا الأساس، فإنَّ كل المؤتمرات التي تُعقد مؤخّراً بين كافة الأطياف الإسلاميّة، والتي تبحث كيفية تدارك تفاقم الأزمات الرّاهنة، وعلى وجه الخصوص ما يتعلّق بالفتنة السنية الشيعية، دون أن تطرّق إلى دور الإعلام في هذا المجال، فهي ستظلّ أقرب إلى المؤتمرات الشكلية منها إلى الإجتماعات الطارئة والجديّة. ومن هذا المنطلق أيضاً، ربما تكون الحاجة ماسّة اليوم إلى ضابطة إسلاميّة معيّنة تجتمع المرجعيّات الدّينية حولها لضبط المواد الإعلامية المبثوثة هنا وهناك. وقد يحتاج الأمر إلى التنسيق مع الدّول والتوافق حول إغلاق بعض القنوات الّتي لا شغل لها سوى تصدير خطاب الفتنة، والّتي لا تتوانى أجهزة الإستخبارات الغربية عن استثمارها في سبيل تفتيت المنطقة، وما لذلك من مساهمة في تحقيق مصالحها ومصالح الكيان الصّهيوني في آن.

يقول البابا يوحنا بولس الثاني في رسالته الرسولية عن وسائل التواصل الإجتماعي والإعلام: “لا يمكننا التغاضي عن أهميّة دور وسائل الاتصال في تشجيع الحوار فتصبح ادوات لاتّصال المعرفة المتبادلة والتعاضد والسلام . فتكون منبعاً إيجابيّاً قويّاً إذا ما وُضعت في خدمة التفاهم بين الشعوب، وسلاحاً هدّاماً إذا ما استُعملت لتغذيّة المظالم والنزاعات”. إنَّ تحويل الواقع الإعلامي الراهن من سلاحٍ هدّام على حد تعبير البابا إلى وسيلة لتشجيع الحوار ولاتصال المعرفة المتبادلة والتعاضد والسلام لا يتطلّب مرحليّاً مجرّد رسالة رسولية إسلامية للتنبه من خطورة هذا الوضع، بل إلى خطوات إنقاذية رسوليّة كالسّالف ذكر بعضها، وإلّا فإننا لسنا إلّا أمام أنصاف حلول لمشاكلنا الراهنة، أو أمام محاولات ترقيع من هنا وهناك، الأمر الّذي سيؤخر أي عملية نهوض بالواقع الإسلامي، وسيؤدّي إلى إفشال العديد من محاولات التقريب ومشاريع الوحدة الّتي من المفترض أن تفرد المحطَّات الإعلاميَّة الدِّينيَّة للترويج لها في الأساس!

اترك رد