العميد شارل أبي نادر
لا يفوق نكبة ضياع فلسطين العربية (1948)، فظاعةً ورهبةً، إلّا نكبة الأمّة العربية بـ”داعش“
وإرهاب التكفيريّين الذي يهدّد بضياع الأمّة العربية برمّتها، بتاريخها وحضارتها، بشعوبها وتعايشها، بمسيحيّيها ومسلميها ومعتقداتها ومذاهبها…إنّها حرب مفتوحة على كلّ الاحتمالات، حرب مدمّرة للأمّة وللكيان، إنّها جنون شامل سيكون قاضياً على كلّ معالم الوحدة والتعدّدية من ضمن هذه الوحدة.
لكن هل سنستطيع المُواجهة والانتصار أم سنستسلم أمام هذه النكبة الجديدة للأمّة كما استسلمنا أمام نكبة فلسطين؟
أهي مصادفة أنْ نجد هذا الجنون الغريب على أرض الدّيانات السماويّة؟ أم ثمّة ارتباط وثيق في ذلك بين هذه الفوضى العاصفة بالقتل والتدمير والتهجير، وهذه الميزة التاريخيّة لبُقعة كانت مهد الحضارات والثقافات منذ أقدم العصور؟ وهل ما يجري هو بداية مأسويّة لنهاية تعايُش لن يدوم؟ أمْ أنّها أزمة عابرة لن تَقْوى على نزع هذه النعمة التي منحَنا إيّاها الخالق في هذا الشرق الصَّاخب؟
لعلَّ النَّظرة المُتسامحة التي أولاها الإسلام تاريخيّاً حيال النَّصارى وأجواء الحُرّية والعدل التي عاشها هؤلاء في ظلّ الدولة الإسلاميّة تعود إلى المَكانة التي احتلّوها في المنهج الإسلاميّ، حيث يطرح بعض الباحثين أسباباً مُتعدِّدة لِميْل النبي(ص) وتعاطفه مع النَّصارى على حِساب اليهود، إذ إنَّ هؤلاء واجهوا النبي(ص) بالحرب والمؤامرات والدَّسائِس، كما أنَّ قلوبهم قاسية على عكس النَّصارى الذين وصفهم القرآن الكريم بأنَّهم أهل مودَّة وأنّهم لا يستكبرون عند سماع الحقّ، نظراً لما في قلوبهم من اللّين والموادعة للمؤمنين كما قال تعالى: ”…وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى…“ (راجع: د. يوسف القرضاوي، ”الأقلّيات المدنيّة والحلّ الإسلامي“).
وهكذا وبعد أنْ استقرَّ المسيحيّون في بلدان انتشارهم، كان لهم الدور الأساس في إشاعة ثقافة التعايش والاندماج في مجتمعاتهم عبر سلوكيّاتهم المُسالمة وحبّهم للتعايش مع الآخر، فضلاً عن تمسّكهم بدينهم وثقافتهم وهويّتهم الذاتيّة. واكتمل هذا الاندماج مع الإسلام دين القيم والتسامح والانفتاح والتعايش الإنسانيّ، هذه القيم التي طبَّقها الرسول الأكرم محمد(ص) وصحابته وخُلفاؤه، حيث إنّ الإسلام يُشكِّل نظاماً فكريّاً عظيماً، انطلَقَتْ منه أُسُس المجتمع المُسلِم وأخلاقيّاته وأحكامه منهاجاً لسلوكه وقِيَمه وتشريعه ولكلّ مفردات حياته وشؤونها الداخليّة منها والخارجيّة (راجع: دهّام محمد العزّاوي، ”مسيحيّو العراق، محنة الحاضر وقلق المستقبل“)، ولكن أين نحن الآن من هذا التعايش التاريخيّ الذي طبع بلداننا بطابع واحد؟
إذا عُدنا إلى تاريخيّة العلاقة بين اليهود والإسلام والمسيحيّين لَوَجَدْنا أُسُساً واضحة لعلاقة ثابتة بين المسيحيّين والإسلام ارتكزت على أكثر من آيةٍ كريمةٍ وعلى تعاطف ومودّة فأنتجت تعايُشاً وتداخلاً حضاريّاً وإنسانيّاً، ولَوَجَدْنا أيضاً تباعُداً ونُفوراً بين اليهود من جهة وبين الإسلام والمسيحيّين من جهة أخرى. من هُنا وُلِدَتْ المؤامرة لضرب حضارات الشرق ولِزرع بُذور الفِتنة وتعميم ثقافة القتل والتدمير. وقد تمّ بالأساس اختيار دولة العراق كهدف تنطلق منه قنبلة تفجير الشرق العربي والإسلامي. وبُنِيَ هذا الاختيار على كَوْن العراق في قلب الشرق الأوسط جغرافياً واجتماعياً، وفيه تعدّدية كاملة واسعة تمتدّ إلى أغلب الديانات والحضارات والثقافات الإسلامية والمسيحية، وفيه كربلاء ومرقد أهل البيت، وفيه أقدم الكنائس في العالم، وفيه ثروات هائلة من النفط والغاز والمياه، وتاريخه مطبوع بعلاقات مأزومة ومتأرجِحة مع إيران ومع أغلب دول الخليج ومع سوريا.
وبعد اختيار الهدف تمّ خلق الذريعة فساق الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش وتيّاره اليميني المحافظ ادّعاءات كاذبة بامتلاك العراق لأسلحة التدمير الشّامل، (بيّنت التقارير الأميركيّة التي أصدرتها لِجان التحقيق لاحقاً بأنّ العراق خالٍ تماماً من هذه الأسلحة) وجاء احتلال العراق، وما في ذلك من تدمير لمؤسّسات الدّولة، ومحو لهويّتها الوطنيّة، وتفكيك لطابعها المركزي عبر نشر ثقافة الفوضى والقتل والإقصاء وروح الكراهيّة والانتقام والثأر في نفسيّة المواطن العراقي (كما يرِد في كتاب ”مسيحيّو العراق“ أيضاً).
هذا التدمير امتدّ إلى المجتمعات المُجاورة في سوريا واليمن ولبنان والبحرين وبعض دول الخليج، حيث تمّ العمل من خلال التحريض المذهبي المسموم عبر وسائل إعلام مرتهَنة ومأجورة على خلق طفيليّات سياسيّة مذهبيّة أخذت على عاتقها مهمّة تدمير أبعاد التعايش بين مختلف مكوّنات هذه الدّول المذكورة أعلاه وتحطيمه.
استند الاحتلال في العراق إلى الميليشيات، وإلى الجماعات المتطرّفة، للقيام بالأعمال القذِرة في التطهير العرقي، وفي التهجير الديني والطائفي، وفي تفجير أماكن العِبادة والأعمال الإرهابيّة المُتبادَلة وفي عمليّات قتل العُلماء ورجال الدّين والشخصيّات الوطنية الدّاعية للوحدة ولنبذ الفتنة (راجع: ريتشارد هاس، سيرة حربين على العراق). ولم تكن إسرائيل بعيدة عن ذلك، فكان لها وجود مهمّ، فهذه النّتائج المُرعبة جاءت لمصلحتها. وقد أكّد الكثير من المُحلّلين الغربيّين أن الوجود الإسرائيليّ في العراق بات مكشوفاً وعلنيّاً، وهذا ما أكّده الصحافيّ الأميركي ”سيمور هيرش“ في مُقابلة نُشِرت له في حزيران (يونيو) العام2004 بِعنوان: ”كيف خلقت إسرائيل أسطورة القاعدة؟“، وذلك من خلال عملاء الموساد الذين كان اختصاصهم تلغيم السيّارات والتعذيب الجسديّ وقطع الرؤوس. وقد جاء هؤلاء الإسرائيليّون إلى العراق، باعتبارهم مدنيّين عرباً أو أكراداً ورجال أعمال، بل حتّى مُقاولين متعاقدين مع الإدارة الأميركيّة (راجع: سلامة نعمات، نقطة انطلاق لعمليّات سرّيّة في سوريا وإيران، صحيفة ”الحياة“ 23/04/2004).
ولعلّ دور الموساد كان بارزاً في شمال العراق، ولاسيّما في المناطق المتوتّرة كالموصل وكركوك، حيث يتمّ إشعال الفتنة بين العرب والكرد والتركمان، وبين المسلمين والمسيحيّين. وقد ذكرت صحيفة ”معاريف“ الإسرائيلية في عددها الصادر في 01/09/2007 أن ”أكثر من 250 إسرائيلياً يسافرون سنويّاً إلى العراق للمُتاجرة بالسّلاح“. ولا يخفى ما لهذا العدد من تأثير في أعمال الفِتن والقتل. وقد نقلت صحيفة ”الشّعب“ المصريّة في تشرين أوّل (أكتوبر) من العام 2011 تقريراً نشرته وكالة وين ماديسون الأميركية بعنوان: ”مُخطّط صهيوني كردي في شمال العراق“، تحدّث عن الدور الخطير الذي يقوم به الموساد الإسرائيلي بالتعاون مع مسؤولين أكراد لتهجير المسيحيّين في الموصل وكركوك وبأساليب متنوّعة من القتل والابتزاز والخطف وهدم المنازل بهدف إفراغ تلك المناطق وإعادة إسكانها باليهود الأكراد العائِدين من إسرائيل.
وقد استعرضت الوكالة (وين ماديسون الأميركية) أسباب الاهتمام الخاصّ الذي يوليه الإسرائيليّون لأضرحة الأنبياء ناحوم ويونس ودانيال في الموصل وكركوك، وكذلك النبي حزقيل وعزرا في بابل وميسان، موضِحة أنّ إسرائيل تنظر إلى هذه الأضرحة والمدافن على أنَّها جزء من (إسرائيل الكُبرى التوراتيّة) حالها حال القدس والضفّة الغربيّة التي يسمّونها (يهودا والسامرة). كما أن الموساد يستخدم نفوذه في المنطقة من خلال مُشاركته الكثيفة في تدريب قوّات البيشمركة الكردية، عبر غطاء مدرّبين أجانب، أميركيّين وأوروبيّين (من ألمان ورومانيّين وغيرهم)، وهو – أيْ الموساد – يعمل بدأب على تكريس انفصال الإقليم الكرديّ عن العراق.
يتبيّن إذن أن لإسرائيل سُلطة ونفوذاً في مناطق عراقيّة واسعة، وخصوصاً في الشمال بين الإقليم الكرديّ والموصل. وهذا في الحقيقة لم يكن بهدف مساعدة قوّات البيشمركة وتدريبها فقط، أو بهدف تهْيئة أراضٍ وعقارات لمهاجرين يهود من إسرائيل، أو حفاظاً على تُراث وأضرحة يهوديّة قديمة فحسب، إنّما كان الهدف الأهمّ من كلّ ذلك، هو المُشاركة في خلق داعش، هذا المخلوق الغريب الذي سيتحوّل إلى وحش مُدمّر، وسيقضي على التعدّدية الدينيّة، وعلى التراث والتاريخ والحضارة، من خلال تدمير الآثار والأوابد الشاهدة، علاوة على هذه المجموعات الثقافية التي تنتشر في العراق وحتّى في سوريا.
وهنا يذكُر الكاتب والباحث السياسي ضياء الحكيم في تعليقه على خطبة أبي بكر البغدادي في الجامع النُّوري الكبير في الموصل بتاريخ 4 تموز (يوليو) 2014، ”عندما تستمع إلى هذه الخطبة تخال نفسكَ تعتبر أنّ القتل والموت والدّمار والتهجير ليس إرهابا،ً وإنّما هو إنجاز زمنيّ لوعد الله، ”أنجز الله وعده للمجاهدين فذاقوا حلاوة النّصر وعرفوا طعم العزّة…“. ومن جهة أخرى، ونقلاً عن ”السومريّة نيوز“: ”متاحف مدينة نينوى تُدمّر، مجرمون جهلة ساعون إلى هدم الحضارة الإنسانية التي انطلقت من بلاد الرافدَين منذ آلاف السّنين ليصل إشعاعها إلى بقيّة أقاصي الأرض، إنّ تدمير الآثار هو امتداد للقتل والتهجير الذي تمارسه هذه العصابات التي لا ترتبط بأيّ دين سماويّ ولا تعترف بالقِيَم الإنسانيّة“.
إنّها حرب مفتوحة على كلّ الاحتمالات، إنّها حرب مدمّرة للأمّة وللكيان، إنّها جنون شامل سيكون قاضياً على كلّ معالم الوحدة والتعدّدية والعيش الواحد. ولكن هل سنستطيع المُواجهة والانتصار أم سنستسلم لأمرٍ نعتبره مقضيّاً؟
إنّنا مدعوّون للتكاتف والتعاون ومن خلال الحوار الواعي وعلى المستويات كافّة، لنترك عصبيّاتنا ونضع جانباً تفاصيل واتهامات لا جدوى من التمسّك بها، فنحن بوصفنا مسلمين مدعوّون وبقوّة لأن نقف في وجه هذا التشدّد الأعمى، ولنواجه هذا الوحش الكاسر الذي اسمه ”قاعدة“، فهي لم تكن يوماً إلّا لضرب الإسلام، هذا الدّين الحنيف الشريف دين الله، ولم تكن يوماً إلّا عاملاً لتفكّك أوطاننا ولزرع بذور الفتنة والحقد الأعمى.
ونحن بوصفنا مسيحيّين مدعوّون لأن نتذكّر دائماً أن هذه الأزمة تُصيب الإسلام قبل أن تُصيب المسيحيّين، ومدعوّون لأن نتذكّر أيضاً أن حضارتنا وثقافتنا وكنائِسنا ومعابدنا كانت، وعبر تاريخٍ طويلٍ، مُصانة ومحميّة في كنف الإسلام، وأن هذه البِدع الجهنّمية هي بإذن الله إلى زوال.
****
(*) عميد متقاعد في الجيش اللبناني.
(*) نشرة أفق.