بدأت مغامرتي في البحث عن أهم وأشهر لحظات التلفزيون اللبناني عام 1994 في تقرير إخباري عن
أرشيف “تلفزيون لبنان”، كلّفني بإعداده المدير العام للتلفزيون في حينها فؤاد نعيم. أدخلني هذا التقرير، للمرة الأولى، إلى غرفة الأرشيف في مبنى الحازمية، لأخرج نها مصاباً بلوثة “الأبيض والأسود”. بعد عام طلبت مني إدارة التلفزيون (وكنت لا أزال أعمل مراسلاً في قسم الأخبار) أن أكون وجهاً لنشرة أخبارها، في إعلان خاص ضمن حملة لإعادة روح الشباب إلى المحطة، وإعادة إطلاقها بحلّة جديدة تحت شعار “أبّاً عن جدّ”.
خلال التصوير طلب مني المخرج المصري شريف صبري أن أتخيّل أهم الأحداث التاريخية التي ساهم “تلفزيون لبنان” في تغطيتها، وأن أنظر إلى الكاميرا وأقول بابتسامة عريضة: “أسعد الله مساءكم “.
لا أتذكر أنني كنت سمعت هذه الجملة، أو نطقت بها من قبل. قال لي صبري إنّها التحية التي كان يستهل بها مذيعو العصر الذهبي، نشرات الأخبار والبرامج الحوارية.
فما كان بوسعي إلا أن أتخيّل… وأبتسم! لم أكن أدري بأني سأكون رسمياً آخر من ينطق بعبارة “أسعد الله مساءكم” على الشاشة اللبنانية بعد دخولها زمن “مسا الخير”.
عام 2009 عاد بي الخيال إلى غبار غرفة الأرشيف في الحازمية خلال سلسلة حلقات أعددتها في برنامجي “سيرة وانفتحت” على شاشة “المستقبل”، بمناسبة مرور خمسين عاماً على انطلاقة أول بثّ تلفزيوني في لبنان. يومها آلمني أن تمرّ المناسبة بخجل، ويقتصر إحياؤها على قلّة من رفاق الدرب الأوائل كما لو أنّها مناسبة تخصّهم هم وحدهم، فكان قراري أن أحتفل بالتلفزيون اللبناني على طريقتي ومع من أحب من الرواد والنجوم الأوائل.
عشت في هذه السلسلة “دهشة التلفزيون” من جديد، وعاهدت نفسي بأن أسرق حكايات ضيوفي، وأُعيد تصنيعها وتوليفها جزءاً من حكاية هذا الوطن الذي شاركوا هم في صناعته، ومن ثم تحطيمه.
استغرق العمل على إعداد هذا الكتاب خمس سنوات متواصلة من البحث والتنقيب ومشاهدة مئات الساعات التلفزيونية، وكذلك استعراض آلاف الصور الفوتوغرافية الخاصة والعامة… خمس سنوات قابلت خلالها أكثر من 200 شخصية من روّاد صناعة التلفزيون في لبنان، ممَّن عملوا أمام الكاميرا وخلفها. واعتمد الكتاب على شهادات هؤلاء، وعلى مشاهدات مشاهدين أعادوا صوغ حكايا التلفزيون كما عاشوها وتذكّروها.
إلى هؤلاء الذين فتحوا لي بيوتهم وقلوبهم ودفاترهم القديمة، وأمّنوني على ذكرياتهم وصورهم وقُصاصاتهم الصحافية المهترئة… إلى هؤلاء جميعاً وإلى عائلاتهم أهدي هذا الكتاب عربون حبّ وشكر وعرفان.
مقدمة الكتاب
ليس للتلفزيون سمعة حسنة. إزاء الكتاب هو أداة تجهيل وتسطيح، إزاء المدرسة هو وسيلة لهو، وإزاء المسرح هو وسيلة استهلاك… الكثير منه ضارّ، والقليل منه مضيعة للوقت. هكذا قال لنا أهلنا، وهكذا سنقول لأولادنا. مسكين التلفزيون: هو نفخ في الهواء، وهواؤه مفتوح ومشرّع أمام سهام النقد والتسخيف من كل الاتجاهات.
تعايش التلفزيون اللبناني مع هذه السمعة وعاش، ومعه عشنا لحظات ساهمت في تكوين ثقافتنا الشعبية وهويّتنا الوطنية. هي لحظات صنعتنا، شئنا أم أبينا، على ما نحن عليه اليوم أفراداً وجماعاتٍ، فكراً وعلماً وذوقاً وخيالاً وسلوكاً اجتماعياً وجماعياً.
أكثر من خمسة وخمسين عاماً مرّت والتلفزيون يجمعنا ويفرّقنا، يبكينا ويضحكنا، يشعرنا بالراحة والتحدّي والدهشة، ويزيدنا معرفةً وجهلاً. في هذا التناقض يكمن سرّ التلفزيون وعظمته. عظمةٌ يصعب على من يرونه آفةً تفسد الذوق العام أو بوق سلطة، أو بائعاً متجوّلاً، الاعتراف بها والتسليم بأمرها. مشكلة هؤلاء أنّهم يريدون التلفزيون كتاباً أو مدرسةً أو مسرحاً.
هو لا هذا ولا ذاك ولا ذلك. التلفزيون هو التلفزيون. هو قادة الدول ونجوم الفنّ وهواة الشهرة في منازلنا. هو أبو ملحم وأبو سليم وفهمان ودويك وشوشو وبلبل ووردة والمختار وكابتن بوب وأبو الزوز، والعشرات العشرات غيرهم مجموعين في علبة واحدة داخل غرفة النوم.
لثلاثة أجيال من اللبنانيين حصّة مع هذه الأسماء. هؤلاء لم يشعر مشاهدوهم بحضورهم إلا عندما غابوا أو تغيّبوا. هم الزمن الجميل نعم… لكن لكل جيلٍ زمن جميل، ولكل زمن أبطال وأساطير. الحاضر على التلفزيون ما هو إلا نوستالجيا المستقبل. هكذا كان، وهكذا سيبقى.
إمتنعت الأكاديميا طويلاً عن دراسة التلفزيون بعيداً عمّا تفترضه من تأثيرات سلبية. كذلك تأخّر صنّاع التلفزيون – ليس في لبنان فقط بل على مستوى العالم أيضاً – في أخذ عملهم على محمل الجدّ، بعيدًا من انتصاراتهم الشخصية وتقارير نسب المشاهدة اليومية.
لذلك لا عجب في أن يحرق التلفزيون أبطاله، ويمضي في حال سبيله من دون أن يصنع لنفسه ذاكرة. في هذه الذاكرة يُبحِرُ هذا الكتاب بحثًا عن الحكاية: حكاية التلفزيون في لبنان، حكاية لبنان عندما احتاج إلى شاشته الصغيرة ليصنع من مواطنيه شعباً واحداً.
يحاول هذا الكتاب توثيق وإعادة إحياء ما يعتبره أهم وأشهر مئة لحظة تلفزيونية لبنانية في الأخبار والأحداث والترفيه والدراما بين الأعوام 1959 و1989. كما يغيّر هذا الكتاب في الكثير من المفاهيم السائدة حول التلفزيون والفن اللبناني في مرحلته الذهبية، ويعيد رسم صورة أبطال هذه المرحلة ورموزها، لتقديمها إلى جيل جديد من المشاهدين أيقونات حيّة وحاضرة. وقد التزم الكتاب البحث بمعايير صارمة لتحديد هذه اللحظات، بغضّ النظر عن الأهمية المعنوية والجماهيرية والإنسانية لأصحابها أو كتّابها أو منتجيها. لا تعبّر هذه اللحظات بالضرورة عن أهمّ ما قدمّه التلفزيون اللبناني في مرحلتَي الزمن الجميل والحرب، ولا عن أهمّ الشخصيات التي مرّت على الشّاشة من إعلاميين ومبدعين ونجوم، بل عن اللقطات والمواقف والبرامج التي أحدثت الفرق، لأنّها كانت الأولى من نوعها، أو لأنّها كانت الأكثر مشاهدةً أو الأكثر تأثيراً، أو الأكثر تعبيراً عن زمانها وناسها.
والقاسم المشترك بين هذه اللحظات هو أنّها لحظات تمرّد. لحظات ابتدعها صنّاعها، لكنّها خرجت عن طوعهم وباغتتهم لتصير مُلك الشاشة والمشاهدين، عندما كانوا لا يزالون يشاهدون التلفزيون… على التلفزيون.
تقديم وزير الإعلام رمزي جريج
من روائع الأدب الشعبي العربي، وربما العالمي، حكاياتُ شهرزاد لشهريار التي امتدّت سحابة ألف ليلة وليلة، لكل واحدة منها حكايتها، مؤرخة في النهاية لانتصار الصباح على الليل، والحياة على الموت، والجمال على القباحة. فلماذا اكتفى مؤلف هذا الكتاب من كل ذلك الزمان الجميل بمئة لحظة فقط؟
لقد كان في وسع الذاكرة أن تكون شهرزاد، وفي وسع قلمه أن يصير شهريار، فيصغي إلى حديث الماضي وينقل إلى الورق آلافاً من اللحظات والساعات والليالي المبلّلة بعطر الحنين.
أمّا وقد وجد في هذه اللحظات المائة وحدها ما يُروى ويَروي، فإنني أهنّئه على أنه استطاع أن يحوّل الصورة المتحركة إلى حروفٍ مطبوعة في كتاب. إنها نعمة الأبيض والأسود، تتجلّى على شاشةٍ من ضوء كما في مسيل حبرٍ على سطور. وقُزَحُ الألوان الذي تلألأ فيما بعد، لم يكن إلا ترجيعاً لصدى الأبيض والأسود في عيون المشاهدين.
فيا لها من أُلفةٍ بين الفنّ والفنّ، كتاباً أو مسرحاً أو مسلسلاً أو صورةً أو تمثالاً. لكلٍّ حظه من الجمال
وقسطه من صناعة الثقافة في هذا الوطن الصغير.
ولأنّ رواية التاريخ أفعلُ في النفوس إذا اتُّخذت عبرةً للمستقبل، فإن كتاب زافين قيومجيان هذا يذكرنا بهمٍّ مقيم: واجبنا أن نعيد إلى تلفزيون لبنان ذلك الرونق المفقود والدّور الجامع الحاضن، ليثبت اللبنانيون، مواطنين ومسؤولين، أنهم فعلاً حرّاس الذاكرة الحية… واجبٌ أخذنا على نفسنا عهد السعي إلى تحقيقه.
يعكس هذا الكتاب بوضوح ما بذله المؤلف من جهدٍ توثيقي وما يتمتع به من حسٍّ مرهفٍ ما مكّنه من التقاط اللحظات الفاعلة في مسيرة التلفزيون التي بدأت في أواخر الخمسينيات بمبادرات فردية أسّس لها أصحاب رؤية ورؤيا من أمثال سليمان نوفل ووسام عز الدين، وقادها أصحاب مواهب فريدة أذكر منهم نسيبي جان كلود بولس، والعشرات العشرات الآخرين.
إن المسيرة، التي يوجزها هذا الكتاب تضيء، لا على لبنان وحده بل على كل العالم العربي، لأنها انطلقت في عهد كان فيه وطننا موئل الحرية والإبداع ومنارة الشرق المضيئة بفكره وأدبه وصحافته وإعلامه ومستشفياته وجامعاته ودور كتبه ومعارض فنونه… وهذا عائدٌ من دون ريب بإذن الله وجهود اللبنانيين.

