د. جودت هوشيار
في الانتخابات التشريعية التركية، التي جرت عام 2011، تمكنت ثلاثة أحزاب فقط من تخطي عتبة
10%، بينها حزبان معارضان، وهما “حزب الشعب الجمهوري” (26%)، و”حزب الحركة القومية” ( 13%).
“حزب الشعب الجمهوري”، علماني ويساري معتدل، ويعد نفسه ممثلاً لتراث “أتا تورك” والنخبة العلمانية وطراز الحياة الغربي . ويصوت له في العادة ، الناخبون في المناطق الغربية، التي تعد الأكثر تطوراً صناعياً في البلاد. ولكن الحزب أخذ يفقد تدريجياً تأييد الناخبين له حتى في هذه المناطق. وفي كل دورة انتخابية جديدة، يحصل على نسية أصوات أقل من الدورة التي سبقتها.
أما “حزب الحركة القومية” اليميني، فيرفع شعار “تركيا للأتراك” و”العالم التركي الموحد من البلقان حتى ياكوتيا”، وهي الشعارات الطوبائية نفسها التي كان يؤمن بها “أنور باشا”، ولم يعد لها في عالم اليوم أي معني. ويستغل الحزب، المشاعر السلبية لقطاع من المجتمع التركي إزاء القضية الكوردية، ولسياسة الحكومة التصالحية في القضية الأرمنية، لتوجيه النقد إلى أردوغان وهذا القطاع الصغير نسبيا هو الذي يدعم الحزب في الانتخابات .
وهذان الحزبان اللذان يقفان موقف المعارضة السلبية للحزب الحاكم، ليس لديهما أي برنامج إيجابي، ومن المؤكد أنهما سوف يظلان في المعارضة لأمد طويل، دون أن يلوح في الأفق أي أمل بوصولهما إلى الحكم، في ظل المتغيرات الحالية في تركيا والمنطقة .
وهذا الوضع الذي يلائم أردوغان تماماً لن يستمر بعد الآن . فقد ظهر في المشهد السياسي التركي ، حزب يساري من نمط جديد، يحاول وضع حد لحرمان الكورد من الوصول إلى البرلمان، ومشاركتهم في العملية السياسية على نحو علني وقانوني .
المعدل العالي للنمو السكاني للكورد أدى إلى زيادة ملحوظة في عددهم ، مما هيأ الأرضية المناسبة لتجاوز الحزب الجديد عتبة 10%، وانتهاء عهد عزل الكورد عن العملية السياسية في البلاد .
في الانتخابات السابقة صوّت عدد كبير من الكورد من ذوي الاتجاهات الإسلامية (اتباع الطرق الصوفية) لصالح حزب أردوغان. ولكن سياسة أردوغان الكوردية، التي تمثلت في دفع تنظيم داعش لمهاجمة مدينة كوباني ورفض استقبال اللاجين الكورد النازحين من مناطق القتال وعدم السماح لكورد تركيا بنجدة إخوانهم ومشاركتهم في قتال داعش، أدت إلى تردي شعبية أردوغان بين الكورد. كما أن قمع حرية الرأي والتعبير ومحاولة أسلمة المجتمع التركي والدخول في نزاع علني على النفوذ مع الداعية فتح الله غولن، الذي يحظى بتأييد واسع في البلاد وبخاصة لدى الأوساط المحافظة، كانت وراء اندلاع حركات الاحتجاج ضد سياساته والتي أسهمت، إلى حد كبير، في تخلي شرائح معينة من المجتمع التركي عن تأييده والتصويت لحزبه في الانتخابات المحلية والتشريعية…
في ظل هذه الظروف ظهر نجم جديد في السياسة التركية، يتمتع بسحر شخصي وكاريزمية طاغية، والقدرة الفائقة في التأثير في الجماهير، عن طرق الخطابة البليغة باللغتين الكوردية والتركية .
هذا النجم الصاعد في السياسة التركية، هو صلاح الدين ديمرتاش (42) عاماً، محام شاب يتزعم حزب الشعوب الديمقراطي الذي تشكل باندماج الأحزاب والحركات الكوردية، وضم أطرافاً غير كوردية من الفئات الاجتماعية والقومية والمذهبية المهمشة تأريخياً في الجمهورية التركية.

أردوغان
لقد أدرك ديمرتاش ضرورة كسر طوق العزلة بين المجتمعين التركي والكوردي واجتذاب قطاع لا يستهان به من الأتراك للتصويت لصالح حزبه. وتمكن من تشكيل ائتلاف واسع وانتشال السياسة الكوردية من محيطها الضيق نسبيا إلى رحاب تركيا بأسرها.
ورغم أن دميرتاش معروف بعلاقاته الطيبة مع كل الحركات والأحزاب الكوردية اليسارية، وبضمنها حزب العمال الكوردستاني، إلا أنه أدرك أن من الصعب تخطي عتبة 10% ودخول البرلمان والإسهام في العملية السياسية، من دون جذب شرائح من المجتمع التركي للتصويت لصالح الكورد.
ديمرتاش الكاريزمي توجه إلى قطاعات واسعة من الشباب التركي، ذوي الميول الليبرالية الغربية اليسارية، وإلى حاملي راية الدفاع عن حقوق الإنسان والحرية الشخصية، وحقوق المرأة، وحقوق الأقليات القومية والدينية والجنسية).
قاد ديمرتاش حملة انتخابية منظمة بمهارة وذكاء ودعا كل من تعرض إلى التمييز للتصويت لصالح حزبه.
شعارات “حزب الشعوب الديمقراطي” وكلمات وصور زعيمه الكاريزمي كانت تملأ ميادين المدن التركية بأسرها وليست المناطق الكوردية فقط. ففي أنقرة مثلاً كانت ثمة ملصقات عليها صورة البرلمان مع حزب الشعوب الديمقراطي، وإلى جانبه صورة أخرى من دون هذا الحزب واستناج بليغ يقول:
” صوّت لـ “حزب الشعوب الديمقراطي”، وإلا فإن كل شيء سيبقى على حاله، وعندما نفوز ستكون هناك حكومة ائتلافية”.
الحملة الانتخابية الناجحة أثمرت عن فوز “حزب الشعوب الديمقراطي” بنسبة تجاوزت 13 % من الأصوات، وحصوله على 80 مقعداً في البرلمان المؤلف من 550 عضواً، وبذلك يمكن للحزب عرقلة مشروعات أردوغان لتوسيع صلاحيات رئيس الجمهورية .
وقد صرّح ديمرتاش بعد إعلان النتائج أن حزبه لن يشكل تحالفاً مع الحزب الحاكم، مشدداً على أن الجدل حول النظام الرئاسي قد انتهى. وأعتقد أنه لم يكن بوسع ديمرتاش الإعلان عن نيته في الاشتراك في حكومة ائتلافية مع “حزب العدالة والتنمية”، في حين أنه يدين – إلى حد كبير – بنجاحه في تخطي عتبة 10% إلى الشباب الليبرالي المعادي لإيديولوجية الحزب الحاكم .
قد يكون تصريح ديمرتاش، وسيلة للضغط على أردوغان لانتزاع مزيد من التنازلات منه لصالح القضية الكوردية من جهة، وحقوق الأقليات، والحرية الشخصية، وحرية الرأي والتعبير، وإطلاق سراح معتقلي الرأي والضمير في تركيا من جهة أخرى .
المستقبل المنظور حبلى بالمفاجآت، ولا يمكن التكهن بما تؤول إليه الأمور بعد تصريح ديمرتاش، ذلك لأن “حزب العدالة والتنمية”، رغم كل شيء، هو أقرب الأحزاب التركية، إلى “حزب الشعوب الديمقراطي”.
