الشاعرة نهاد حايك
وددْتُ الإنشادَ وقطْفَ الزهورْ
من حقولٍ منتشيَة،
وددْتُ التَشَـــبُّهَ بالطيورْ
من ذُروةٍ إلى ذُروة!
لكنَّ أرضي اقْـتُلعَتْ
من زَهْوِها إلى خَرابْ،
يَنْعقُ فوقَ رأسِها
أَلْفُ غُرابْ.
ما من جسدٍ تشَظَّى
إلا وفيهِ من جِلْدي مَسامَة،
ما من نجمةٍ هَوَتْ
إلا في محيطِ أحزاني.
يا وطنًا ضاعَ قِدِّيسوه،
بَـحثتُ لكَ عن جسدٍ
يَـجمَعُ أَشْلائي،
يَشبكُ خيوطَ الزمنْ،
لكنَّ الموتَ طَليقٌ طليق،
والآلهةَ تضحكُ في سِـــرِّها،
لا تُباركُ غيرَ الكَفَنْ.
في أيِّ وادٍ تسيلُ خطايانا
لنشيخَ بين الثواني؟
بأيِّ حِبرٍ نُقشَتْ وصايانا
لِنَهيمَ في بَـــرِّيـَّــةِ اللغات؟
للعالَـمِ طُيورُهُ الزرقاءُ،
ولَنا صُقورٌ
تَغرزُ في لَـحْمِنا عِقابـًا غامضًا.
للمُدُنِ ضَجيجٌ وحدائقْ،
مِن زَهْوِها مَلَّ أَهلُها،
أُصيبوا بِداءِ الضَجَــرْ.
ولَنا مدينةٌ، مِن خَوفِها،
تَكوَّمَتْ في حُضنِ أُمّ…
مَن يُخمِدُ جنونَ الحرائقْ؟
لا مياهَ إلا في عيوننا،
ولِعُيونِ الأرضِ أَهدابٌ من حَجَرْ.
كَيْفَ لأَعْمارِنا الـمَثقوبَة
أن تُـمانِعَ الرياحْ؟
كَيْفَ لأَشعارِنا الـمَعطوبَة
أن تُـبَلْسِمَ الجراحْ؟
مَـحابِرُنا فاضَتْ دماءْ.
أَمواجُ بَـحْرِنــا
آهاتٌ مَسْحوبَــةٌ
من غَيْماتِ الروح.
أَحلامُنا أراجيحُ مَعقودَةٌ
ما بين لَـهْفَةِ مُسافرٍ
وشَهْوَةِ قذيفة.
في هذا الوطنِ الطاعِنِ في الاحتِـراق،
صِرْنا في الحياةِ
لا لِنَحْياها،
بل لأنَّنا لَـمْ نَـمُتْ.
لَكِنَّنا كُلَّ مساءٍ
نَـموتُ حتى الصباح،
لِنَصقلَ نَـــرْدًا دَحْرَجَهُ الإله.
أَخْبِـريني يا حَضاراتِ الأرض،
هل يَنْـــبَـــغي إِشْعالُ فِكْــرَةٍ بِــفِكْــرَة؟
أو إِبْدالُ أَرْضٍ بأرض؟
هل يَــنْــبَغي للحَقِّ أنْ يزولْ؟
أنْ نَـحْمِلَ الصخرَ،
نَقِيسَ الدهرَ،
نَلهثَ إلى جبالِ الرجاء،
وصَوْبَ الوادي نُعيدُ النُـزولْ؟
هل يَــنْــبَــغي ارْتـِشافُ السُمِّ
من شَفَتَي الغولْ،
لِـفَكِّ لَـعْـنَــةِ الأقْدار؟
نَنـزفُ ولا أحدٌ…
نَصرُخُ ولا أحدٌ…
نُدفَنُ ولا أحدٌ..
أَخْبِـريني يا جِراحًا حارِقَة،
يا ودْيانَ الأَصْداءِ الضائِعَة،
يا قبورًا بظِلالنا مُغَطّاة:
هل سَقَطَتْ مع كُلِّ شهيدٍ قضيَّة؟
هل تَلمَحينَ في الكَوْنِ اضْطِرابـًا؟
أم سَنَجفُّ كالمياهِ
في جِرارٍ مَنْسيَّة؟
ليسَتْ هذِهِ بأسئلةٍ،
بل حِمَمٌ ضالَّة
من نَقيضٍ إلى نقيضْ،
أَضْرَمَتِ النارَ في الذاكِــرَة،
جَـــرَّدَتْها من النسيان.
ها نحنُ نَبْحَثُ عن غَيْثٍ،
نَـحلُمُ بِـمَطَرِ النَهار،
ولَكِنْ ما مِنْ وَمِيضْ
يُبَـشِّرُ بِـخَيْـرِ الـهُطولْ.
وَحْدَها قَصائدُنا تَعْـــبُــرُ اللَهَبَ
وتَعودُ نَديَّــةً إلى الصَدْرْ،
لا نَعرِفُ السارقَ الـمَجْهولْ
الذي يُفرِغُ البئرْ،
لَكِنَّ البئرَ بالكَــوْثَــرِ تَفيضْ.
*****

