محنة العقل والهبل الديني

البروفسور الأب يوسف مونس

العصفورية الدينية
هل قبرنا العقل في مجتمعاتنا اليوم ورحنا ندمر بعضنا بعضا وندمر حضارتنا وآثارنا mouanesونشوه تاريخنا ونكتبه أسود للذاكرة التاريخية بظلمة الليل. كأننا اصبحنا في «عصفورية فالتة». عصفورية دينية يتكلم مجانينها بوحي السماء والهامات والله وعلى رؤوسكم طرحات تقطر على دماغكم وعقلكم فتاوى الترويع والاضطهاد والإرهاب والقتل والاغتصاب وتحطيم أعمدة العمران والثقافة والفن والحضارة.

فشل العقل والمقدس

محنتنا اليوم هي في هذا الفشل للعقل في مقاربته «للمقدس» الذي هو حسب قول روجه كايوا مليء بالجاذبية والسحر Facinendum أو بالرهبة والخوف والرعدة والرعب Tremendum.

“المقدس» ينبع توراتياً وصفاء ورقة وحناناً وحباً. أما نحن في شرقنا اليوم فدخلنا ظلامية عقلية فلسفية، لاهوتية، دينية، اجتماعية، سياسية، إنسانية، فقبرنا العقل والبصيرة، ورحنا ندفن ونذبح ونقتل ونغتصب ونقطع رؤوس الذين يؤمنون بغير إيماننا ويفكرون بتفكير مغاير لتفكيرنا ويسلكون بغير انماط سلوكنا، ويلبسون بغير لباسنا وأزيائنا ونربي شعور رؤوسنا ولحانا لترويع الأطفال وتفزيعهم، وهم لا يجعلون على وجوههم هذه الصورة البشعة.

وراح هذا الهبل الديني يقود الكثيرين منهم إلى حالة هستيرية إلى أفعال وحشية مجرمة، يعتقدون أنها إنزال مقدس من السماء. فشرّعوا لنفوسهم حق قتل الآخر المختلف البريء الحر، وفُكت عندهم عقد نهش الآخر، وقتله بشراسة ذئبية، كما يقول هوبس: “الإنسان ذئب للإنسان”.

اللوثة الدينية

وبشعار «قاييني» حملوا رؤوس ضحاياهم وقدموها قرابين طاهرة، حسب ظنّهم للسماء. سقوط العقل اليوم شرّع للبعض في لوثة دينية وانفلات نزوات وعقد وكبت جنسي واجتماعي، وشرعوا ما حرّمته الطبيعة الإنسانية والشريعة الأخلاقية الطبيعية، والوصية الإلهية الدينية من احترام لحرية الآخر، ولحياته ورزقه، وأماكن عبادته وآثار فخره واعتزازه وعنفوانه بالانتماء الى تاريخه. وحريته بالإيمان والتفكير وكرامة الرجل والمرأة عنده.

البربرية الإلهية

شرقنا في بربريته الإلهية قتل الحب الذي هو تبادل وجدانات، كما يقول ندنسل: “وحدنا نكتفي بالشبق الجسدي (La rute) لارتواء شهواتنا وعنفنا الجنسي المتوحش البهيمي، في نكاح الجهاد «الليبيدني» كما يقول فرويد”. فقتلنا العقل وقتلنا الحب، فقتلنا كل آخر لا يفكر مثلنا ولا يؤمن إيماننا، قدّسنا «المقدس» وحولناه إلى عاصفة جنون وذبح وقتل ودمار، ورفعنا كأسنا المليئة بالكره والدم إلى السماء طالبين بركتها وثمن واجر عملنا مع حوريات الجنة المنتظرة، بعد ان بيعت النساء سبايا وقدم الاطفال هدايا.
– Le Sacre et la violence, Rene Gerard.
– Des Choses cachees depuis la fondation du monde.
– Le bouc Cimissire.

زمن الوثنية الجميل

وراحت هذه الشعوب التي تتوهّم أن الله اختارها وانزل عليها كتبه ووحيه، وأن الله اختار لها أرضاً وشعباً وأمة وسماء، تغني وتلغي وتدمر مزهوّة باتمام دعوتها ورسالتها الإلهية. فقتلت التعدد الحضاري والتنوع الوثني حيث ازهرت أجمل الحضارات (كتاب مصطفى جحا الخميني يغتال زرادشت)، وربما كانت «الجاهلية»، كما يقال ويعرف بأجمل وأغزر وأغنى الأزمنة الحضارية والثقافية والفنية والدينية والاجتماعية والسياسية والطقوسية والمشهدية الإيمانية المتنوعة، أناشيد وشعائر ولباساً واحتفالات أعياداً ومأكلاً ومشرباً ورقصاً، وسلوكيات حج وتعبّد وتزهّد وصيام، وترقّب كواكب السماء وفصول الحياة والموت والانبعاث والفرح والأناشيد والأنغام وطقوس الرحيل والعودة الازلية L’Eternel retour Mirea ELIADE.

الشرق المعتوه

ما يحدث اليوم في هذا الشرق الذي اصابه «عته» إلهي حيث كثر «آيات الله» و«ربابنته» وزبانيته، وتجاره وعلماؤه الروحانيون وشيوخه، ومغتويوه ومسعورو تفسير دلالات ما قاله وحتى ما لم يقله، فبادروا إلى أخذ مكانه والتكلم عنه انطلاقا من انفصام شخصيتهم وهلوستهم، وعقدهم، وجهلهم في لباس كرنفالي مضحك ومخيف يشبه لباس البهلوانيين Clown وشعوذة طقوسية فارغة.

عندما يموت الحب يموت الإنسان

كما في الحياة الطبيعية كذلك في الوجود الإنساني. عندما تجف La Seve ماوية الزهور والأشجار تصبح الارض جرداء وصحراء قاحلة.

ماوية الحب أساس للوجود ولأنسنة الإنسان، ولعقل الاجدب يقود إلى قتل خصوبة الابداع عند الانسان. وخصوبة العقل تنبع من خصوبة تبادل الوجدانيات وجدلية المعرفة ومنبع الشك المنور الخلاق القائد إلى الحقيقة.

العالم العربي اليوم لا يقبل ولا يعرف الشك ليقول “أنا اشك، اذاً انا موجود” فينخرط في الحاضر الذي هو مدار فعله وليس الماضي الذي عبر ولا في حلم المستقبل الذي لم يأتِ بعد. وكما ديكارت «أنا افكر، اذاً، انا موجود” Je pense donc je suis فيدخل عمليات المثاقفة والتكامل الثقافي خاصة ان العالم اليوم قد اصبح «قرية صغيرة» بسبب رسائل التواصل الاجتماعي. فتمزقت مشهدية المكان والحقائق القديمة في تصوراته وأوهامه.

وقد رأى الكثير من الناس على مواقع التواصل الاجتماعي شيخاً بطرحته البيضاء، وسمع منه ثقته المطلقة بكلامه وهو يشرح كيف لا يمكن للأرض أن تدور حول الشمس، وأنها ثابتة. لأن الله أراد لها هكذا. هذا الشيخ «المنوّر» له كوكبة من الرفاق «المنورين مثله» يضلّلون عقول الناس ويستغلون خوفهم وسذاجتهم وبساطتهم، بدل ان ينوروا عقولهم ويرقّوهم الى حقائق المعرفة.

هؤلاء «المنوّرون» يسيطرون على عقول اتباعهم وبترويعهم من نار الجحيم بحوريات الجنة، فلينتحروا بالاحزمة الناسفة ويعدوهم وليذهبوا إلى عالم اللذة والتمتع بالاجساد الندية البيضاء والحوريات المتلهفة لوصولهم.

هنا يسقط العقل كلياً ويضربه العمى وندخل الى الحلقة الجهنمية من «الهبل الديني» او «العصفورية الفالتة» والجنون والهستيريا والهلوسة ونهرول الى المجازر والمحرقات والتدمير وقتل الاخرين.

اللهم إنك العقل الكلي والحكمة المطلقة لا تدع البقية الباقية عندنا عاقلة حرة محبة محاورة قابلة للاخر في هذا الشرق، ترحل أو تصمت أو تموت. بل اعطها أن تقرع كل أجراس النور والمحبة قبل ان تقوم خلافة اللامعقول والهبل والمستحيل.

اترك رد