د. أسامة عثمان
يرى أحمد عزّت الأعظمي في كتابه: ”القضية العربية“: أنَّ قصيدة إبراهيم اليازجي التي مطلعُها:
”تَنبَّهوا واستفيقوا أيُّها العربُ… فقد طمى الخطبُ حتَّى غاصتِ الرُّكَبُ“ هي أوّلُ قصيدة ثورية انطبعت على صفحات الأرواح وألواح النفوس، فأثارت الهِمم من مَكْمَنها، وأخذت الناشئة العربية تترنّم بأبياتها الحماسية.
لكن مع توالي الخيبات العربية الحديثة بدأ يتسرّب إلى الشعر العربي حسٌّ مُحبِط، على حساب الخطاب الشعري المحفِّز. كما في بيت معروف الرُّصافي المشهور: ”ناموا ولا تستيقظوا… ما فازَ إلّا النُّوَمُ“.
إذ عزّزت النكساتُ والهزائم الجنوحَ الشعري نحو الحزن، وإظهار مشاعر الإحباط. ونجد تجلّيات ذلك في شعر عدد غير قليل من الشعراء الذين عايشوا هذه التجارب، كهزيمة حزيران(يونيو)، كما عند نزار قبّاني في :”هوامش على دفتر النَّكسة“، وأمل دنقل في ”البكاء بين يدي زرقاء اليمامة“، وفي ما عُرف بالأدب الحزيراني. كما نرى هذا الملمحَ في شعر لاحقين، كأحمد مطر، وفي شعر شعراء سابقين، كمحمد مهدي الجواهري، وغيره.
ولا يخفى أن المصائب السياسية والاجتماعية توالت على عالمنا العربي والإسلامي بما لا يدَع مجالاً كبيراً للفرح والبهجة، ولا يخفى أيضاً أن العالم من قبل مالَ نحو الأدب غير المتفائل بعد الحروب، ولاسيّما بعد الحرب العالمية الثانية. فخطتْ مذاهبُ العبث والسريالية واللامعقول والدادائية طريقَها إلى الشعر والفنون. لكن تلك المذاهب لم تكن الكلمةَ الأخيرة، فاستمرّ الجدل حول طبيعة الشعر ودور الشاعر، وتباينت المنطلقات الشعرية حتّى التناقض: هل الشعر فنٌّ غائيٌّ في ذاته، أو أنه مع ذلك يسمح بأبعاد إنسانية جماعية؟ وإنّنا لو أجملنا الأمر بين ما قد يبدوان تعارضَيْنِ رئيسين، وهما الجماعة والفرد، كنطاقين للشعر، فيمكن المبادرة إلى القول بأنَّ هذا التعارض قد يُعطَّل حين تصبح همومُ الجماعة وهواجسُها منضويةً في الذات الفردية الشاعرة، أو متسرّبةً إليها.
وهنا أسئلة أوليَّة: هل الشعرُ حرفةُ مَحضة؟ هل يمكن أن ينعزل الشاعر عن محيطه وشرطه الإنساني الجماعي؟ وهل الشعر بعد ذلك بناءٌ فنيٌّ خيالي؟ هل هو محاكاة والتذاذ بالمحاكاة؟ أم هو خلق وتجسيد، أو تظهير للمعاني الروحية؟
وأياً كانت الإجابات عن هذه الأسئلة، فإننا نتصدّى في هذا المقال لذاك التوجّه الشعري نحو العام. فإذا تضمّن الشعر شأناً عاماً، كيف بالإمكان تناولُه مع الحفاظ على شعرية الخطاب؟ هل تتنافى النظرةُ التي تستبقي الأمل، أو التي تطمح إلى تجاوز الواقع والتلاعب به، إيجابياً، مع الطبيعة الفنّية للشعر؟
لم تُحسَم هذه المسألة، لكن يستمرّ موقفان شعريّان: موقف يريد أن ينسِّقَ الوجودَ الخارجي وَفْقاً لمشاعر الشاعر ووجدانه، وآخر يريد تنسيقَ وجودِه وَفقاً للوجود الخارجي.
يقول الدكتور عزّ الدين إسماعيل في كتابه: ”التفسير النفسي للأدب“: ”وقد قيل ذات يوم إن الفنّان يلوّن الأشياء بدمه. فعالم الأفكار، [ ولاسيّما في الشعر] – وهو بطبيعته غير واقعيٍّ- يحاول أن يصبح واقعياً بمعانقته للأشياء والبروز من خلالها.. ومن هنا كانت ”الصورة“ بطبيعتها دائماً غيرَ واقعية، وإن كانت منتزعةً من الواقع… ومن ثمَّ يبدو لنا في كثير من الأحيان أن الشاعر أو الفنّان يعبثُ في صوره بالطبيعة وبالأشياء الواقعة“. من هنا فالصورة الشعرية (أو المعنى الشعري) لا تمثِّل بالضرورة الواقع، ولكنّها تمثّل رؤيةَ الشاعر الذهنيّة النفسيّة.
ومن زاوية أقرب إلى الفنيَّة فإن ”الشاعر (بحسب محمود درويش في حوار أجراه معه الكاتب المغربي حسن نجمي في ”مجلّة الكرمل“…) غيرُ راضٍ عن علاقته بالواقع، غيرُ راضٍ عن علاقته بشرطه التاريخي. وبالتالي فهو يسعى دائماً لكي يؤسّسَ من خلال الواقع العيني واقعاً استعارياً أو جمالياً، فيجعل الواقعَ اللغويَّ في تعارضٍ مع الواقع العينيّ“.
وهذه الروحية الشعرية المتجاوزة والخالقة أقرب ما تكون إلى الجماليِّ المأمول، إلى فتح نافذة أو نوافذ إليه، ولو على صعيد الصورة والكلمة، كما قال المتنبّي من قبل: ”فَلْيُسعدِ النُّطقُ إنْ لمْ تُسْعدِ الحالُ“.
ولا جدال في أن مهمّة الشاعر، إذا جاز له أن يتلاعب بالطبيعة وأن يعيد تشكيلها وَفق رؤاه أو وَفق ما يريد أن يرى، ليست باليسيرة. فلمَ لا يفعل شيئاً قليلاً من ذلك مع الحالة الاجتماعية؟ هل يغدو هنا واقعياً وأميناً، أم أنه لكي يكون شعريّاً لا بدّ ألّا يكتفي بالمقدار الكمِّي والكيفي المتوفّر في الواقع الاجتماعي، بل هل عليه- فوق ذلك- أن يبالغ ويهوّل في تقبيح الواقع ليغدو النصّ شعريّاً إثاريّاً؟!
إننا نميل إلى أن للجماعة في الشعر نصيباً، والشعر يحتفي بها وبقضاياها، وهي بدورها تحتفي به، وربما كان تماسُّ الشعر مع القضايا الإنسانية والمجتمعية الكبرى سبباً من أسباب خلوده، حين يُشعرِ الناس بتلك الهموم والهواجس، وذلك قريباً من قول الشاعرة والناقدة الأميركية جوان هوليهانJoan Houlihan: ”هكذا كانت الحال دائماً. قبل اختراع الكتابة، كان الشعر يُستخدَم للاحتفاء بمناسبات خاصة وعواطف جيّاشة، فيحوّل الحكايات الضرورية- أساطير وحقائق ثقافية- إلى ذاكرة للشعب“.
ومن دون الإقلال من تأثير الفردية، في اتجاهات الشعر، أو من أثر الرومانطيقية مع ما تعرّض له العرب من هزّات ونكسات جماعية، ذلك أن الرومانطيقية، كما يقول الدكتور إحسان عبّاس في كتابه ”اتجاهات الشعر المعاصر“: تُحدِّدُ زاويةَ الرؤية، وتضخِّم الجانبَ المأسويَّ لدى اصطدام النفس الحسّاسة بالمشكلات، وبهذا لا يستطيع الشعر الحديث أن يصبح ”رؤيا خالصة كما يريد له أصحابه“. فقد يستجيب الشاعر لهذا الهمِّ الجماعي ذاتياً، وقد يستجيب له أيضاً بتأثيرٍ من رغبته في الوصول إلى جمهوره، أو متلقِّيه، ”إيماناً من الشاعر بأنَّ الإثارةَ العاطفية هي الجسر المباشر بينه وبين جمهوره“ كما ورد في المرجع السابق، واستجابةً لفكرة التعاقد الضمني مع متلقِّي الشعر التي قد تتعرّض للانهيار عند مخالفة التوقّع بالانطواء الذاتي التام.
وقد يُستطاع الربطُ بين الحزن والصلابة، بين الانتظار والاستمرار في النضال، كما يمثِّل على ذلك عبّاس لشعراء أمثال الشاعر الفلسطيني توفيق زياد، وغيره.
فالفردية المتطرّفة إذا جاز التوصيف، قد تُرى متعالية وانعزالية، ”والإغراق في الذاتية الرومانسية في فرنسا أدّى – كما يقول الدكتور عبد الوهاب المسيري- إلى ظهور تمرّد عليها على يد الكونت دي ليل مؤسّس المدرسة البارناسية الذي رفض الاهتمام المسرف بالذات، إذ وجد أن هذه النزعة استعراضية وذات طابع برجوازي.
وفي المقابل ثمّة مَن يرى بأن الفنّان والفنّ لا يستمدان شرعيّتهما من علاقتهما بالمجتمع، بقدر ما يستمدّانها من الجمال المطلق الساكن الثابت الذي لا يتحوّل والذي يوجد خارج الزمان أو اللازمان الكوني، أو كما يفصِّل هيجل في كتابه: ”المدخل إلى علم الجمال“ في أنَّ الفنَّ تعبيرٌ عن الروح، ولذلك فإن جمال الفنّ أسمى من جمال الطبيعة عنده، لأنه رديف للإلهي، وهو يرتبط بأوثق الروابط بالدين والفلسفة.
لكن كيف يتناول الشاعرُ شأناً اجتماعياً؟
ألا يستطيع الشاعر أن يخرج بالشأن الاجتماعي من اليومي إلى الآفاق الأرحب؟ أوَ لا يفضي غيابُ هذا التجاوز إلى جعْل الشعر أقرب إلى المحاكاة؟ محاكاة لا لنموذجٍ جميل، بل لواقع رديء وسلبي، لأن الجمال الفنّي كاشفٌ وخلاّقٌ معاً، أمّا المحاكاة (السلبية) فأبعد ما تكون عن الغنى والكشف، وأقرب إلى صورةٍ كاريكاتوريّة للحياة.
حتى أرسطو، غير البعيد عن المحاكاة، كان يقدِّر الشعر تقديراً عالياً، أعلى من تقديره للتاريخ، لأن الأخير لا يختطُّ أبدا وقائع مخصوصةً، في حين يمكن للمحاكاة الشعرية بلورة محكيات محتملة، فالشعر، بحسب أرسطو، قادر على أن يلامس الكليَّ الشمولي. بحيث يمكن للفصاحة إذا ما أُحسنَ استخدامُها أن تقول المعقول ويمكن للقصيدة، ومن خلال تطهير التراجيديا أن تضطلع بوظيفة الناظم الفردي والاجتماعي. وبذلك يكون كلٌّ منهما ذا قيمة أخلاقية. كما جاء في كتاب ”سوسيولوجيا الأدب“ لـ بول آرون وألان فيالا.
ومع أنه يصعب أن ينجو شاعرٌ من الحزن الوجودي حين يصطدم نقاؤه الفرديُّ بقبح العالم، لكنَّ في الحياة دواعيَ أخرى تحدُّ من هيمنة القبح في سبيل لعب أدوار إيجابية، ومن أجل أن يبزغ الرؤيوي المنبىء بالخطر قبل وقوعه، أو ليرتفع الصوت الملتزم بحرّية الإنسان وكرامته.
******
(*) باحث وكاتب من فلسطين- رام الله
(*) مؤسسة الفكر العربي – نشرة افق