الكاتب والإعلامي اسكندر شديد
روّجت الصحافة في الأسبوعَين الماضيين استياء رئيس الحكومة اللبنانية من المناخ السلبي المُخيِّم على
مجلس الوزراء، بحيث رُبِط القرار فيه بإجماع الوزراء، تعويضًا عن غيابِ رئيسٍ للجمهورية، فصار هذا القرار شبه مستحيل الصدور. وقالت الصحافة إن الرئيس تمام سلام عازم على إجراءِ تغييرٍ في طريقة اتخاذ القرار الحكومي، تسهيلاً لعمل الحكومة، وإنه يجري اتصالات ويستمزج آراء تحقيقًا لذلك.
يُشير هذا الكلام أولاً إلى مدى تماهي الصحافة عندنا باللغط السياسي.
فخبر عجيب من هذا النوع لم يستحق من حملة الأقلام تعليقًا، لئلا نقول نقدًا، يُعيد المسألة إلى الدستور اللبناني.
ويُشير ثانيًا إلى أن الوسط السياسي يفتقر بدوره إلى تعليقٍ أو نقد في هذا الصدد، مما ينسحب على واقع الإرتباك والكثير من الفراغ في المضمون الحيّ للسياسة، بصرف النظر عن الأسباب الكامنة وراء ذلك، وبعضها فضّاحة ومُعيبة.
الملاحظة الأولى على الكلام المنقول عن الرئيس سلام هي أن ما من أحدٍ من داخل مجلس الوزراء يملك حق إجراء أيِّ تعديلٍ في طريقة اتخاذ القرار الحكومي.
والملاحظة الثانية هي أن غياب رئيس للجمهورية لا يوجب أيَّ مقاربةٍ إستثنائية للقرار الحكومي. فمجلس الوزراء مجتمعًا، لا يحلّ محل رئيس الجمهورية في ما ليس صلاحيات لرئيس الدولة، بل صفة ملازمة له لا تدخل في باب الصلاحيات، بل في باب التعريف به. إذ تنصّ المادة 49 على أنه “رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن. يسهر على احترام الدستور والمحافظة على استقلال لبنان ووحدته وسلامة أراضيه وفقًا لأحكام الدستور…”
ويعني السهر “على احترام الدستور” حق رئيس الجمهورية بالرقابة على القرارات الحكومية، بحيث لا تأتي إلا مُلتزِمة بصيغة العيش المشترك وأصول المُشارَكة في الحكم ومبدأي الحق والعدل.
وهذا ما يفتقر إليه مجلس الوزراء اليوم. أي إلى مرجعية صياغة القرار التسووي التوافقي. وهذه المرجعية هي بالطبع رئيس الدولة.
إنما يبقى لمجلس الوزراء أكثرية الثلثين ليكون نصابه قانونيًا. ثم ذاك التدرُّج في اتخاذ القرار وفق الأولوية التالية:
1- التوافق.
2- التصويت بأكثرية الحضور.
3- الثلثان للمواضيع الأساسية.
ولا وجود في النصّ الدستوري لموجِب الإجماع على الإطلاق. إنْ هو إلا بدعة من بدعٍ كثيرة حفل بها ويحفل زمننا الرديء، لعل أبرزها الخلاف المُبتكَر على طريقة انتخاب رئيس الجمهورية. وهي واضحة تمامًا في المادة 49 نفسها: أغلبية الثلثَين، ثم الأغلبية المطلقة.
فضلاً عن ذلك كلّه، يرتكب المجلس النيابي ولا يزال مخالفة دستورية خطيرة وخطرة في آن، تتمثّل في عدم خضوعه للمادتَين 73 و75 من الدستور اللتين تُوجِبان عليه التحوُّل هيئة إنتخابية “قبل موعد انتهاء ولاية رئيس الجمهورية بمدة شهر على الأقل أو شهرَين على الأكثر بناء على دعوة من رئيسه لانتخاب الرئيس الجديد وإذا لم يدع لهذا الغرض فإنه يجتمع حكمًا في اليوم العاشر الذي يسبق أجل انتهاء ولاية الرئيس”.
الكلام المنسوب إلى الرئيس سلام ولّى كما أطلّ. وبدا- كما الكثير المُشابِه- كلام تعبئةِ فراغٍ مُتمادٍ في حكم لبنان، يطرح سؤالاً واحدًا على كلّ اللبنانيين: مَنْ يحكم لبنان، وكيف يُحكَم، وإلى متى؟