د. نادر سراج
ما مدى تأثير الخطاب السياسي عموماً، والشعاراتي تحديداً في الربيع العربي؟ وكيف ننظر إلى مجمل
العلاقة بين اللغة والمجتمع في لحظات الأزمات؟ ولماذا تنتعش قيم ومقولات قطرية ووطنية في حمْأة التبدّلات السياسية التي تعرفها مجتمعاتنا العربية، وتنحسر في المقابل أخرى ذات دلائل قومية عربية لطالما استحوذت على وعي الجمهور واستثارت مشاعره وعنّْوَنت تحرّكاته؟
تطمح هذه المقالة إلى مقاربة مسألة الغياب النسبي للبعد الوحدوي في الشعار المصري وانحسار دوره كقوّة إقناع كافية في منظومة شعارات الثورة المصرية.
متى عدنا إلى منظومة الشعارات التي طفت على مسرح الأحداث في البلدان التي شهدت أعراض الظاهرة ”الربيعية العربية“، لاحظنا أن الشعارات ذات الأبعاد القومية تردّدت بشكل محدود نسبياً في أرجاء ميدان التحرير القاهري. فهذا الميدان الذي تحوَّل إلى أيقونة يمثِّـل أنموذجاً مثالياً للحيّز الحضري العربي الذي احتضن حركات الاحتجاج على مدى ثلاث سنوات ونيِّـف.
نبدأ بفلسطين ”عروس الربيع العربي“ التي استُحضِرت برمزيّتها الجهادية والقومية في شعارات المتظاهرين وتعليقاتهم، وخصوصاً الإسلاميين منهم: ”عالقدس رايحين شهداء بالملايين“، و”يا فلسطين أرضك أرضي ودينك ديني“، و”يا فلسطين 15 مايو جايين“. وثمّة شعار يذكِّـر بالعودة، نشرته صحيفة ”المصري اليوم“، استُنسخ على غرار الشعار المركزي، وهو ”الشعب يريد العودة إلى فلسطين“.
العدوان الإسرائيلي على غزّة استثار المصريين الذين خرجوا في ”مليونية نصرة غزّة“ رافعين هتافات ”الشعب يريد تدمير تل أبيب“. كما هتف محمد البلتاجي بلسان الإخوان ”يا مرسي قول لهنية.. أوعى تسيب البندقية“. أما مؤيّدو رئيس الوزراء الأسبق هشام قنديل، فهلّلوا لزيارته غزّة، وهتفوا ”يا ريت نحارب“، و”طرد السفير الإسرائيلي واجب“، وعلّقوا بالقول ”عاد لمصر دورها الريادي في القضية“. ومصطلح ”القضية“ يراد به بالطبع القضية الفلسطينية في الأدبيات السياسية العربية.
وردّاً على المجازر الإسرائيلية على غزّة، ظهر العداء لإسرائيل بوضوح في بعض الشعارات التي رفعها شباب ”مليونية المحاكمة والتطهير“ في ”جمعة التطهير“: ”الموت لإسرائيل“، و”كلمة نقولها جيل ورا جيل… بنعاديكِ يا إسرائيل“ و”زنقا زنقا… دار دار… إسرائيل حتولع نار“، كما طالبوا بقطع العلاقات مع ”الكيان الصهيوني“، ووقف تصدير الغاز لإسرائيل، وطرد السفير الإسرائيلي، وردّدوا هتافات معادية لإسرائيل ومنها ”أول مطلب للجماهير.. قفل سفارة وطرد سفير“. واللافت أنهم استعادوا صيغاً شعاراتية تنديدية سبق أن رفعت في وجه مبارك: ”اطلع برّه .. مش حنمشي هوّ يمشي“، و”غور بلا رجعة… برّه يا مجرم يا صهيوني“، ”إذا الثوار أرادوا طرد السفير… فلا بدّ أن يستجيب المشير“. و”إنتو أمن دولة مين… إنتو أمن دولة مصر وإلا دولة إسرائيل“. وهذا الشعار الأخير رُفع في معرض التنديد بقمع جهاز أمن الدولة للمتظاهرين.
طغت بعض الشعارات القومية المؤيّدة لفلسطين وغزّة والثورات العربية، على تحرّك المتظاهرين الذين أعربوا في أكثر من مناسبة عن موقفهم المؤيّد للقضية الفلسطينية: ”ثورتنا ثورة عربية… وفلسطين هي القضية“، وعلى وحدة مواقف الشعوب العربية تجاه قضاياها المحقّة: ”من مراكش للبحرين… شعب واحد مش شعبين“، والمعادي لإسرائيل: ”الموت لإسرائيل“. وعلى إسقاط اتفاق ”كامب ديفيد“: ”الشعب يريد إسقاط كامب ديفيد“، و”تسقط إسرائيل“.
الخلفية القومية للشعارت لم تتمثَّـل فقط في ذكر بلدان عربية أو في تأكيد التضامن مع فلسطين. فقد لمّح شعار إلى عمالة الرئيس المخلوع، وصيغ بلسان الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل اللتين تدعيانه للثبات وتؤكّدان على عمالته لهما: ”من أمريكا وإسرائيل: يا مبارك أوعى تطاطي ولا تميل، مين زيّك لينا عميل“، واعتبره شعار آخر ”عميل الموساد وأمريكا“. لكن إسباغ صفة العمالة لم يقتصر على مبارك وحده، فقد وجّهت أيضاً إلى المرشَّح الرئاسي محمد البرادعي، إذ ألحقت به هذه الصفة، واستتبعت بالدعوة إلى ترحيله من مصر، ومن السباق الرئاسي إلى إسرائيل في شعار رفعه مناصرو مبارك: ”يا برادعي يا عميل… خدلك شقة بإسرائيل“. ولم يسلم الفريق سليمان نفسه من هذه التهمة ”عمر سليمان وإسرائيل إيد واحدة“، نسجاً على منوال ”الجيش والشعب إيد واحدة“!.
العرب والوطن العربي حضرا بشكل متواضع في شعارات أخرى: الأول ذكّر بمسار الحرية التي أينعت في ”الربيع العربي“: “إسمي حرية.. ولدت في ”تونس“.. ترعرعت في ”مصر“… وسأكبر في ”الوطن العربي“. أما الثاني، فهو عبارة عن صرخة تجاوزت تخوم الجغرافيا لتناشد جموع العرب وتستثير حميّتهم: ”الكرامة يا عرب“، والثالث لخّص مشهد الحَراك العربي ”ثورة مصر نهضة العرب“.
على تواضع حضوره، فالبعد القومي لم يغب كلياً عن شعارات ثورة يناير المصرية المأخوذة هنا أنموذجاً للثورات العربية ؛ فهو قد حضر في وعي شبابها وفي شعاراتهم الأولى التي اختصرت توقهم لقيم إنسانية وأساسية مثل العيش والحرية، وأكدّت في آنٍ معاً على هويتهم الجامعة، أي عروبة مصر ”قولوا عيش.. قولوا حرية.. يا ولاد مصر العربية“.
عروبة الدولة ترافقت في شعاراتهم مع عروبة لسان أهلها الذين طالبوا مبارك بالرحيل. وحينما استعصى على المتلقّي المفترض فهم مضمون الرسالة المصوغة بلغة الضاد (فصحى ودارجة)، سخروا منه، واستنبطوا حلاً يقضي باستخدام لغة العدو ”ما بيفهمش عربي.. كلموه عبري“! فمن يتجاهل لسان قومه ويعاديهم ليس أهلاً ليحكمهم.
التأكيد على عروبة مكوّنات الهوية الوطنية، أي البلد واللسان والشعب، تزامن مع الإصرار على عروبة التحرّك الثوري المصري وتلازمه مع فلسطين قضية العرب الأولى. هذه المسلَّـمات المتناغمة شكَّـلت هاجساً لدى الجمهور، إذ برزت في شعارات استحضرت هذين المكوّنين القوميّين، وأدرجتهما على التوالي في ثناياها وفق أهميتهما ”ثورتنا ثورة عربية.. وفلسطين هي القضية“.
وبما أن للثورة العربية مستلزماتها، فأمنية الشهيد المصري كانت أن يرى ”علم العروبة“ مرفوعاً ”فدائي وأموت أعيش ما يهمنيش.. وكفاية أشوف علم العروبة باقي“. مفهوم العروبة كان الفيصل في مجال التحالفات التي عقدها شباب الثورة. فقد قارنوا مثلاً بين موقفهم السياسي وموقف ”الإخوان“ حينما نقضوا الاتفاق معهم، وانحازوا ، فخاطبوهم بهتاف جَماعي إداني ”إللي خانوا العهد بينّا… واستباحوا كلّ حاجة… واستكانوا للخواجة.. واستهانوا بالعروبة“.
وللعروبة رموزها التي تجسّدت في شخصيتَيْ عمر المختار في ليبيا (”يا عمر المختار تهنّا… أولادك شهدا في الجنّة“)، وجمال عبد الناصر في كلّ من سوريا واليمن ومصر. صور الزعيم الخالد وعباراته التي تحوّلت شعارات سياسية رفعت في أكثر من عاصمة عربية منتفضة، فعبد الناصر كان ماثلاً في وعي المتظاهرين في أكثر من مناسبة. فقد نودي باسمه في معرض المقارنة بينه وبين ”الخائن“ مبارك ”عبد الناصر قوم شوف.. حسني خاين عالمكشوف“. كما استعاد مشيّعو جنازة ابنه خالد ذكره معاهدين الراحل ”يا خالد قول لأبوك… المصريين بيحبوك“. وحينما تأزم الموقف مع ”الإخوان“ استحضروا رأياً سياسياً له فيهم ”عبد الناصر قالها زمان.. الإخوان ما لهمش أمان“.![gamal-abdel-nasser[1]](https://i0.wp.com/claudeabouchacra.com/wp-content/uploads/2015/02/gamal-abdel-nasser1.jpg?resize=210%2C300)
زبدة القول إن التركيز على العنصر الوطني المصري واستدعاء الكلام عن الهمّ المعيشي والمناداة بالمطالب السياسية المتعلقة بتغيير الأنظمة والإطاحة بزعماء فاسدين، هم وأسرهم وأحزابهم وأعوانهم، غلبت على ما سواها من توجّهات قومية عربية. وقد انعكس هذا التوجّه بشكل جليّ في منظومة الشعارات والهتافات التي خلَّـفها ما اصطُـلِـح على تسميته ”الربيع العربي“ في أكثر من بيئة عربية، وفي مقدّمها مصر.
لكن هذا لم يحل دون إبداء بعض المراقبين رأياً يتصل برؤيتهم للمشهد التغييري في كلّياته. فقد أشار رئيس الجامعة الأميركية في بيروت بيتر دورمان إلى أن ”الثورات العربية ولدت من رحم أعراض المنطقة“. بمعنى أنها لم تولد من فراغ، فهي فرع على أصل هو التبدّلات الجيوستراتيجية التي تعيشها المنطقة العربية. وهي تتكئ من ثمّ على جملة معطيات جيوبوليتيكية، وتعكس أعراضاً اقتصاية اجتماعية بدت ملامحها في الخطاب الشعاراتي المصري المأخوذ هنا بشواهده الحيّة والموثّقة دليلاً على ثقافة التغيير التي تظهّرت معالمها في المنظومة اللغوية الشبابية الجديدة.
التساؤل الذي نعاود طرحه ختاماً سبق لأكثر من مفكّر عربي أن صاغه لدى حديثه عن مآل الهوية القومية راهناً: هل تمّت التضحية بالهوية القومية العربية؟
ليس المجال متسعاً هنا للإفاضة في هذه المسألة، لكنّنا كتبنا هذه المقالة بعدما استقرأنا مضامين مدوّنتنا الشعاراتية المصرية (1700 هتاف وشعار)، فأظهر لنا إحصاء أوّلي أن 160 شعاراً منها، أي ما نسبته (9,4%) تضمّنت ذكراً صريحاً لمصر والمصريين والمصريات. أما تلك التي انطوت على ذكر للعرب والعروبة والعربية ولزعيمين عربيّين (عبد الناصر وعمر المختار) ولرؤساء عرب (تنديداً أو تأييداً)، فبلغت 51 شعاراً (3%)، في حين خُصّ الكيان الإسرائيلي بـ 24 شعاراً (1,4%).
ففي صراع ذي طبيعة تغييرية داخلية، كان من المنطقي أن تتصدّر نسبة الشعارات الدّالة على الشعور بالانتماء القطري، أي بالهوية المصرية، والساعية لاستقطاب جمهور الداخل وتوحيد مواقفه، تلك التي تشمل محتوى عربياً. كما كان منطقياً أن تحلّ في نهاية القائمة تلك المندّدة بالعدو الإسرائيلي والساخرة من عملائه.
وبما ان المقالة تنفتح عادةً على تساؤلات منهجية تؤسِّس لمقاربات مستقبلية، نتساءل ترى هل تمخّض ”الربيع العربي“ عن إنعاش للنزاعات القطرية والوطنية على حساب تلك القومية؟ وهل أفضى حَراك الساحات والميادين في محصّلته إلى احتباس تعبيري قومي غيّب ”القضية“ المركزية، وظهّر ملامح حركات الإسلام السياسي؟
******
(*) مؤسسة الفكر العربي، نشرة أفق
