إلى كل من طلب الحرية… إلى شهداء مصر الأبرار يهدي الكاتب المصري إيهاب قاسم روايته “ملعون” الصادرة حديثاً عن دار الفارابي-بيروت وتتمحور
حول فترة النكسة وأثرها الاجتماعي الممتدّ لغاية اليوم. يقع الكتاب في 189 صفحة متوسطة القطع، تصميم الغلاف لفارس غصوب، وهو الثالث له بعد: “عادل وسعاد في الحديقة” (مجموعة قصص قصيرة)، “الأولة في مصر، عن هوية مصر ومستقبلها.
على غلاف الرواية الخلفي كلمة للناقد المصري مصطفى بيومي مما جاء فيها: “حرية الفكر والإبداع تتعرض لخطورة حقيقية عندما يحكم المتطرفون، وعلى الجميع أن يتكاتفوا في مواجهة محاكم التفتيش ومنابر التكفير التي قد نقع جميعا في ترسانتها الجهنمية… “ملعون” ذلك الزمن الذي يسود فيه الجاهليون الذين يعيشون خارج العصر والتاريخ ولا بد أن نقاوم… المقاومة أو الطوفان.”
تبدأ السطور الأولى للرواية بخطاب الرئيس الراحل جمال عبد الناصر عقب حرب 1967 الذي أعلن فيه مسؤوليته عن “النكسة” وأبدى استعداده للتخلي عن أي منصب رسمي والانضمام إلى صفوف الجماهير… لكن الشعب يرفض وتتحول الشوارع إلى “فيضان” يصر على الصمود والحرب.
وتسجل الرواية أن تلك الحرب أسعدت بعض المصريين ومنهم الشيخ بيومي الذي صلى مع أصحابه “صلاة شكر لهزيمة الطاغوت الفرعون وآله وجيشه” حتى إن بطل الرواية يتساءل: كيف “يشكرون الله على انتصار إسرائيل؟”
ويتناغم رأي الشيخ بيومي مع ضيفه غازي البراك الذي يدهشه تمسك المصريين بعبد الناصر ويصف الشعب بأنه “غبي يستعذب الذل والهوان حتى الهزيمة” ويعتبر الجنود المصريين “جيش فرعون” ويصف ضحايا الحرب بأنهم “كفرة”.
وكان بيومي في صغره يمتلك “موهبة فذة” في فن النحت ويستطيع نحت أي وجه فرعوني ولكنه توقف عن ذلك وصار متشددا يؤمن بأن “العالم اليوم في جاهليته كالجاهلية التي عاصرها الإسلام أو أظلم. إن كل ما حولنا جاهلية. تصورات الناس وعقائدهم. عاداتهم وتقاليدهم. موارد ثقافتهم. فنونهم وآدابهم. شرائعهم وقوانينهم. حتى الكثير مما يحسبه الناس ثقافة إسلامية وفلسفة إسلامية وتفكيرا إسلاميا هو كذلك من صنع الجاهلية”، وغير ذلك من أفكار كان ينسخها من كتاب “معالم في الطريق” لسيد قطب.
وفي مقابل هذا التشدد تسجل الرواية سماحة الشيخ عماد الدين الرفاعي وهو رجل محب للحياة وللشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي (1164-1240) الذي يحلو له ترداد مقولته: “لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي-إذا لم يكن ديني إلى دينه داني. لقد صار قلبي قابلا كل صورة- فمرعى لغزلان ودير لرهبان. وبيت لأوثان وكعبة طائف- وألواح توراة ومصحف قرآن. أدين بدين الحب أنى توجهت-ركائبه… فالحب ديني وإيماني”.
خيال وواقع
في رواية “ملعون” يتعانق الخيال مع تاريخ يحضر بأبطاله لا بوقائعه، فيتابع القارئ جانبا من النضال ضد الاحتلال البريطاني لمصر تشارك فيه تحية كاريوكا وأنور السادات الضابط الذي فصل من الجيش في الأربعينيات ثم صار رئيساً للبلاد.
كانت كاريوكا تمكنت من تهريب ما ظنت أنه صندوق من المنشورات في سيارتها من القاهرة إلى الإسكندرية ولكن السادات يفاجئها بأنه صندوق متفجرات ثم تقود السيارة وتهرّب السادات أيضا وهو في المقعد الخلفي وتنصحه “لو حد سألك قل لهم إنك إدريس السفرجي” نظرا إلى كونه أسمر ونحيفا.
ورواية الكاتب المصري إيهاب قاسم لا تمضي من نقطة لكي تنتهي إلى أخرى وفقا لتسلسل زمني بل تعد رواية أفكار، لا يلهث القارئ وراء عقدة أو حكاية واحدة إنما تعتمد على المرونة في تناول أزمنة مختلفة، واستعادة أحداث ووقائع لم يشهدها أبطال الرواية، ولكنها ظلت تحكى من جيل إلى آخر حتى حفرت في ذاكرتهم.
ففي بعض الفصول ترتد الأحداث إلى صعود دولة محمد علي في مصر في بدايات القرن التاسع عشر وحروبه في الحجاز حين أرسل ابنه إبراهيم على رأس جيش واستولى على مدينة الدرعية عاصمة الحجاز آنذاك.
وذكرى ما جرى للدرعية مصدر مرارة للشيخ البراك -أحد مريدي الكاتب المصري عباس العقاد- الذي يحدث ابنه غازي باستمرار عما “فعلوه بنا في الدرعية” حتى إن غازي الذي رأى أباه يبكي للمرة الأولى أحس بالدموع كأنها “وشم” عابر للأجيال.
نبذة عن الكاتب
من مواليد القاهرة، يناير 1961، حائز بكالوريوس العلوم التعاونيّة، يعمل في القطاع المصرفي منذ أكثر 27 عاماً، حالياً هو وكيل محافظ البنك المركزي المصري. بدأ الكتابة منذ عشر سنوات مهموماً بالواقع المصري وله مقالات وقصص قصيرة وأشعار بالعامية منشورة في الصحف والمجلات من بينها: “روزاليوسف”، “نهضة مصر” و”الدستور”. تتمحور أعماله حول قضايا الحريّة وما يعانيه الواقع المصري من ازدواجية وتطرّف وقمع.
كلام الصور
1- غلاف الكتاب
2- إيهاب قاسم