كلود أبو شقرا
في قلب لحظة متفلتة من عمر الزمن ومن محدودية المكان عابقة بأريج القداسة يقع بستان الزيتون في الجسمانية، الذي شهد آلام السيد المسيح قبل إلقاء
القبض عليه، ولأنه لا يخضع لمنطق الأرض ودوران عجلة الأيام، فهو يحتضن أشجار زيتون ثماني هي الأقدم في العالم وترجح دراسة نشرت أخيراً أن عمرها حوالى ألف سنة.
هذا البستان المتحرر من التاريخ والجغرافيا جذب الرحالة والحجاج المسيحيين منذ القرون الوسطى ودونوا بانبهار ما شاهدوا من عظمة هذه الأشجار ووصفوا الخشوع الذي يسيطر على هذه البقعة المنسلخة مما هو أرضي والسابحة أبداً في أنوار الحق والحقيقة والحياة… اليوم تحكي هذه الأشجار مرة جديدة حكاية الحياة المتجددة والدائمة الاخضرار والتي تتكسر على جذوعها عوامل الفناء…
إشارة إلى آلام المسيح
انطلقت الأبحاث عام 2009 واستمرت ثلاثة أعوام، أجراها فريق من المتخصصين الإيطاليين التابعين لمجلس الأبحاث الوطني الإيطالي بالتعاون مع جامعات إيطالية، وشارك فيها الأب ماسيمو بازيني، عميد كلية الفرنسيسكان لدراسات الكتاب المقدس في القدس، وقد أعلن راديو الفاتيكان النتائج منذ قترة قصيرة، ومفادها أن عمر الأشجار في قسمها العلوي، أي ما يعلو منها فوق الأرض، يعود إلى 900 سنة، وأن القسم المدفون في الأرض، أي الجذور، هو أقدم من ذلك.
أخذت الدراسة في الاعتبار روايات الحجاج في الأزمنة القديمة وما كتب عن بناء كنيسة الجسمانية الثانية بين 1150 و1170، وإعادة تخطيط البستان في تلك الفترة وإنقاذ الأشجار الموجودة آنذاك. كذلك بينت دراسة الحمض النووي للأشجار أنها من أصل واحد، أي زرعت من فروع شجرة أم واحدة قبل القرن الثاني عشر. هنا يرتسم سؤال: متى زرعت هذه الجذوع؟ تؤكد كتابات المؤرخين والحجاج عبر القرون وجود شجر الزيتون باستمرار في هذا المكان.
اعتبر الأخ بيير باتيستا بيتزابالا الذي قدم نتائج الأبحاث، أن أشجار بستان الزيتون في الجسمانية تمثل إشارة حية لآلام المسيح، وشهادة لطاعته الكاملة للآب، حتى أنه ضحّى بنفسه لخلاص البشر، وعلى الإنسان أن يكون مستعداً للعمل بإرادة الله. أضاف أن هذه الأشجار تمثل الجذور والاستمرار المتوارث لحضور الجماعة المسيحية التابعة للكنيسة الأم في القدس. فكما أن وجود هذه الأشجارمستمرّ رغم أعمال الحرق والتقلبات عبر التاريخ، استمر وجود الجماعة المسيحية الأولى نشيطاً وحيوياً بروح الله رغم العقبات والاضطهاد.
لم تحسم نتائج الفحوص التي اجريت على الأشجار في حديقة الجسمانية ما إذا كانت الأشجار الكثيفة المتشابكة هي نفسها التي ظللت السيد المسيح قبل أن يخونه يهوذا،إذ يؤكد الباحثون ان أشجار الزيتون يمكن أن تنمو مرة أخرى من الجذور بعد قطعها. في هذا الإطار قال رئيس فريق الأبحاث البروفسور أنطونيو سيماتو أثناء عرض نتائج الدراسة في روما: “لا يمكننا استبعاد احتمال أنه حدث تدخل لتجديد حيوية أشجار الزيتون هذه عندما توقفت عن الإنتاج أو ذبلت”. أضاف: “لم ترد في الكتابات العلمية إشارة إلى نباتات أطول عمراً من أشجار الزيتون هذه، فهي أقدم الأشجار ذات الأوراق العريضة في العالم.”
أوضحت الدراسة أن تقييم العمر باستخدام الكربون كشف أن العينات المأخوذة من أقدم جزء في جذوع ثلاث من الأشجار الثماني تعود إلى الأعوام 1092 و1166 و1198، وأن هامش الخطأ في هذه النتيجة لا يتجاوز الـ 20 سنة.
تُعتبر هذه الدراسة الأولى من نوعها التي تجري على أشجار الزيتون التاريخية في الجسمانية على مستوى العالم، وتكمن أهميتها ليس في معرفة عمر الأشجار فحسب إنما معرفة نوعها وأصلها وحالتها الجينية والصحية. وقد ثبت أنها من النوع والأصل نفسيهما من الناحية الجينية، وثمة تطابق بين الجذور والجذع والأغصان والأوراق والأزهار والثمار، ما يدل على أنها أصلية ولم يتم تطعيمها (تركيبها) في ما بعد.
كذلك أثبتت الدراسة أن الأشجار في حالة صحية ممتازة ولا تعاني أمراضاً أو فيروسات، وهذا نادر في الزيتون المعمر، رغم تعرضها لعوامل الطبيعة خصوصاً أنها تقع إلى جانب الطريق العام وتتعرض يومياً للدخان الصادر من السيارات.
بخلاف ما يبدو للوهلة الأولى من أن هذه الدراسة بسيطة، فإنها كانت، بحسب فريق العمل، صعبة ودقيقة ومعقدة اذ أُخذت عينات من التربة والجذوع والأغصان والأوراق والأزهار وحبات الزيتون والزيت وتم فحصها في مختبرين مختلفين في مدينتي فلورنسا وأوديني في إيطاليا، وفي فيينا، وقد أظهرت الدراسة تطابقاً شبه كلي في النتائج ما يؤكد صحتها العلمية.
بستان الجسمانية
يقع هذا البستان في سفح جبل الزيتون ويطلّ على وادي قدرون وعلى المسجد الأقصى ويدعى بالعبرية “عيمق يهوشافاط” أي “مرج يهوشافاط” في كتاب العهد القديم (سفر يوئيل الإصحاح الرابع). تبلغ مساحته حوالي 700 متر مربع، جذوع أشجاره ملتفة وضخمة وهي منبثقة من سلالة أخرى تعود أولاها إلى ما قبل ألفي عام. 
ي البستان تقع كنيسة الجسمانية المعروفة أيضا بـ: كنيسة كل الأمم/الشعوب، النزاع، الحزن أو الكرب أو الآلام، بناها الآباء الفرنسيسكان عام 1666، وسميت بـ “كل الشعوب” لأن التبرعات لإعادة ترميمها بين 1919-1924 شملت 16 دولة في أنحاء العالم الكاثوليكي من بينها: أميركا، ألمانيا، فرنسا، إيطاليا، إسبانيا، البرازيل، المكسيك والأرجنتين.
شيّدت الكنيسة على أنقاض كنيسة بيزنطية تعود إلى أواخر القرن الرابع وبعدها أنقاض كنيسة صليبية دمرت عام 1187، صممها الراهب والمهندس المعماري الإيطالي الشهير أنطونيو بارلوتشي (1884-1960) الذي صمم كنائس كثيرة في الأراضي المقدسة في بداية القرن الماضي.
في منطقة الجسمانية المدعوة ضيعة في العهد الجديد وفق التقليد المسيحي الشرقي وبالقرب من كنيسة كل الأمم، تقع كنيسة انتقال العذراء مريم إلى السماء، يروى أنها شيدت على قبر مريم وهي بمثابة مغارة فيها قبور والدي مريم حنّه ويواكيم ويوسف النجّار الناصري.
تؤمن معظم الكنائس الشرقية أن هذا الضريح دُفنت فيه مريم العذراء، وذلك بعدما أجرى الراهب الفرنسيسكاني بلارامينو بگاتي، تنقيبات في هذا الموقع على أثر إصلاح الأضرار التي حصلت له بسبب فيضان اجتاح المنطقة عام 1972، فعثر على مقبرة قديمة ترجع إلى القرن الأول الميلادي، قال السكّان المسيحيون إن الضريح الرئيسي فيها يعود لمريم العذراء.
ربطت الكنيسة بشبكة كهرباء في عام 1972، وفي 15 آب من كل عام يقام احتفال تُحمل فيه أيقونة للعذراء من باحة كنيسة القيامة إلى بستان الجسمانية، ويتوافد آلاف السياح المسيحيين إلى هذا الموقع الديني الأثري. ثمة معلومات مدونة تفيد أنه ابتداء من القرن الخامس عشر وصفت أشجار الزيتون بأنها الأكبر والأقدم في الأراضي المقدسة.
تقع مغارة الجسمانية إلى الشمال من كنيسة قبر العذراء ويبلغ طولها 17 متراً وعرضها تسعة أمتار وارتفاعها ثلاثة أمتار ونصف. يُذكر أنه منذ أواخر القرن الرابع دأب أسقف أورشليم مع الرعية على التوجه إلى بستان أو ضيعة الجسمانية في خميس العهد، منتصف أسبوع الآلام أو خميس الفصح اليهودي (يو6: 48، 50، 51)، وذلك لقراءة قصة تسليم يسوع المسيح إلى الرومان لصلبه.
جَثْسَيْمَانِي
ورد في الكتاب المقدس أن جَثْسَيْمَانِي كلمة أرامية معناها “معصرة الزيت” (مت 26: 36)، وكان البستان فيه أشجار الزيتون ومعصرة لعصره، وهو يقع شرق أورشليم وراء وادي قدرون قرب سفح جبل الزيتون (مت 26: 30 ومر 14: 26 و32 ويو 18: 1)، كان المسيح يتردد إليه طلبًا للعزلة وترويح النفس (لو 22: 39 ويو 18: 2)، وهو الآن مكان مقدس، لأنه شهد آلام المسيح والقبض عليه (مت 26: 36 – 56 ومر 14: 32 – 52 ولو 22 : 39 – 53 ويو 18: 1 – 12).
ويرجح أن البستان الذي ذهب إليه المخلص يقع قليلا إلى شرق الجسر الذي يوصل ما بين باب استفانوس ووادي قدرون وهو مفترق طريقين، وهومربع الشكل (150× 140 قدمًا). في عام 1848 أحاطه الرهبان الفرنسيسكان بسور.
أشار الرحالة روبنسون وجيروم وغيرهما إلى أن البستان يقع في سفح جبل الزيتون وأن المكان الأصلي لا بد من أن يكون بعيداً عن أسواق أورشليم وضوضائها مئات من الياردات. يجمع الرهبان نوى الزيتون ويصنعون منها خرزًا للمسابح، ويقصد السياح البستان للزيارة.
لا يُعرف متى بدأ استعمال الاسم العربي المحرّف عن الآرامية والإنكليزية: الجسمانية أو الجثمانية أو الجيثماني أو الجتسماني أو الجسيماني إلخ. لا وجود هنا للجسم أو الجثمان، ومن الجائز أن يكون منشأ هذا الاسم العربي من الاعتقاد السائد بأن جثمان مريم العذراء مدفون بالقرب من بستان الزيتون حيث كنيسة القديسة مريم التي شيّدتها القدّيسة هيلانة، والدة الإمبراطور قسطنطين الأول المعروف بالعظيم (272ـ337م).
كلام الصور
1- أشجار الزيتون المعمرة
2- عصية على الزمن
3- جذوع ملتفة تصارع عوامل الطبيعة
4- ضريح مرم
5- بستان الجسمانية
6- بستان الجسمانية عام 1914