مسافات: “دموع الورد”

 

 

   منيرة مصباح 

 

الكتابة الجديدة ساهمت كثيرا في انتشار الرواية العربية، خاصة مع انتشار الكم الهائل من الجوائز التي تصرف لكاتبيها. مما أدى الى الابتعاد عن كتابة القصة القصيرة في السرد الإبداعي باستثناء القليل، رغم عصر ما بعد الحداثة وسرعة تقدم تكنولوجيا الذكاء الصناعي في العالم. وتعتبر القصة القصيرة من اهم أنواع الكتابات التي برزت في بدايات القرن العشرين واستمرت الى نهايته، والتي لم تأخذ حقها في حقل الجوائز باستثناء قليل من الكتاب الذين حصلوا على جائزة نوبل العالمية في هذا الحقل الإبداعي منهم الكاتبة الكندية الراحلة عن هذا العالم عام 2024 “أليس مونرو” التي حصلت عليها عام 2013. 

ان كتابة القصة القصيرة تحتاج لتكتمل الى عدة قواعد منها الرسالة، الشخصيات، الصياغة، اللغة والأسلوب الخاص. فالرسالة او الموضوع عادة ما يكون واضحا ومحددا دون إطالة او شرح كثير، انما تدع القارئ يفهم من خلال الجمل والسطور.

 

أما عدد شخصيات القصة فيجب ان يكون قليل ومحدود أمام الشخصية الرئيسية وتطورها، لتأتي العقدة مشوقة ومحكمة كما تأتي اللغة بسيطة سهلة وقوية في نفس الوقت، لتنتهي بخاتمة مفاجئة وصادمة تجعل القارئ يخرج منها بتساؤلات عديدة حول محور وهدف تلك القصة. 

أما الجانب الفني فيجب ان يلعب الخيال مع الواقع دورا مهما في تبني الأفكار الواقعية التي يطرحها الكاتب. هذا ما اتبعه الكاتب حسام أبو العلا في مجموعته القصصية “دموع الورد” التي سأتناولها لاحقا بالتفصيل. 

لكن قبل ذلك سأذكر بعض أهم كتاب القصة في القرن الماضي منهم: محمود تيمور، يوسف ادريس، احسان عبد القدوس، ابتهال سالم، سحر الموجي، سهير القلماوي وغيرهم – هن كثير. توفيق يوسف عواد من لبنان. ذكريا تامر من سوريا.

 

وما دفعني للكتابة عن القصة القصيرة التي بدأت تتلاشى في الأوساط الأدبية لصالح الرواية، ما تلقيته عبر البريد الالكتروني للمجموعة القصصية التي ذكرتها سابقا للكاتب المصري حسام أبو العلا، حيث تناول الكاتب في قصصه العديدة من القضايا الاجتماعية المعاصرة النابعه من المجتمع الذي يعيشه، فالأدب القصصي يتميز في كل العصور حين يبدع بصياغة الواقع في كل جوانبه ليكشفه لا ليخترعه أو لينقله من ثقافات أخرى. ولا يأتي انعكاس الواقع في السرد القصصي، تصويرا “فوتوغرافيا” انما طرحا واقعيا بلغة إبداعية فنية يمتلكها الكاتب لتظهر للمتلقي برسالة أدبية تكشف البؤر الفاسدة لتنذر المجتمع الإنساني وتقوده للأمثل. 

وهذه المجموعة ذكرتني بقصص الروسي “أنطون تشيخوف” وقصص المصري يوسف ادريس.

ان الكاتب في مجموعته يدعو الى استعادة دور المثقف بوصفه ناقدا لقضايا المجتمع لا تابعا له، وبالتالي فهو لا يبرر العوار ولا الفساد الذي يختبئ خلف شعارات تتشابك فيها الحجج حول الديمقراطية ومساءلة النخبة التي خانت رسالتها.

تشيخوف

 

عناوين القصص: (هدية من السماء، قناع القديس، دموع الورد، الكيس الأصفر، صينية بسبوسة، مصحف ومسبحة، عنبر 6، فرط أمي، الغريب، ميراث الظلم، جائزة عم صابر، الشمعة الأخيرة، المتمرد، العنوان الخطأ، سارق العمر، الحقيبة السوداء، دفء الروح، ساعة كاسيو)، وهنا سأسلط الضوء على بعض هذه القصص.

 القصة الأولى تطرح مشكلة رب عائلة يتمنى المرض النفسي ليرتاح من ضغوط العمل والبيت معا الى جانب متطلبات الاسرة، لتنتهي القصة بخروج الاب نهائيا مع امرأة أخرى من حياة أولاده وزوجته رغم كل كلمات الاعتذار التي قدمت له من طرفهم. يقول: “انهمرت كلمات الاعتذار، وتبادلوا اللوم بينهم، ركلت كل هذا بقدمي ومضيت بهدوء، وانطلقت خارجا بحثا عن هواء جديد لا أثر فيه لسموم”. هكذا يدخل الكاتب في الادب الواقعي الاجتماعي، ضمن اطار التصوير اللغوي الخلاق لتنتهي القصة بقرار حاسم يصدم فيه الجميع.  

أما قصة “قناع القديس” فيتناول فيها الكاتب قضية امرأة في مجتمع ريفي تُجبر الجميع على قبول ذهابها لتتعلم رغم رفض الزوج لهذا، لكنها تصرّ، تطلب الطلاق وتحصل عليه ثم تتابع تعليمها بوجود طفليها معها. الكاتب هنا يتناول معاناة المرأة الريفية في المجتمع خاصة حين تغادر الى المدينة مع طفلين وتعمل في البيت وخارجه، وفي نفس القصة يطرح قضية أخرى هي زواج المطلقة برجل أخر متزوج، يعمل معها في نفس المؤسسة فتتزوجه باسم الحب لكنه يخونها مع امرأة ثالثة.

أما قصة “دموع الورد” التي حملت المجموعة اسمها، فقد تناول الكاتب فيها موضوع رفض الوالدين زواج ابنتهم الكبرى من شاب احبته ولكنهم بسبب إصرارها رضخوا لرغبتها.

الكاتبة ابتهال سالم

 

لتعيش الفتاة جحيم الانجاب المستمر الى ان يأتي المولود الذكر. وحين يأتي ذلك المولود تموت الام بعد الولادة للأسف ثم يموت طفلها، وبالتالي لم تستطع الجدة أخذه.

تندرج كتابة حسام أبو العلا ضمن نظرية الادب الواقعي، هذا الادب الذي يبرز علاقة الذات الإنسانية بالجماعة الاجتماعية، والذي يؤكدها الكاتب عمليا في كتابته مما يؤدي بالتالي الى التوغل في خلايا تلك العلاقات لتصبح مادة تساؤل لمجتمع ينتقد دون ان يجد حلولا للقضايا المعرقلة لتقدمه ودون تجاوز الواقع لمستقبل يريده الكاتب ان يكون أفضل.

وتتابع القصص طرح مشاكل كبار السن من خلال قصة “فرط أمي” واضطرارهم للذهاب الى البنك للحصول على مرتباتهم في أجواء حارة لكنهم وجدوا ان نظام الحاسبات البنكية متوقف، وقد نجم عن ذلك التأخر في دفع الالتزامات المالية، مما جعلهم يتأففون، حيث بدأ البعض بمساعدة الاخر، يقول الكاتب: 

” طلبت مني أمي ان أهمس في أذن هذه السيدة بانها تريدها، وحينما اقتربت من أمي، فوجئت بها تخلع قرطها الذهبي وتقول لها….. اقبليه مني لمساعدة ابنائك”.

وبين تعب السيدة العجوز ومساعدتها للمرأة الشابة بصورة مباشرة تظهر المواقف والدوافع والرموز لتعبر عن ان مازال في هذه المجتمعات بعض من رحمة لأناس طيبون يساعدون الغير بمحبة، وهذا ما أراده الكاتب ان يبقي شعاع أمل في حاضر لا يريد ان يعيش الانسان فيه باغتراب.  

الدكتورة سحر الموجي

             

وقد بدا لأمد غير بعيد ان بعض الكتاب تشدهم الكتابة عن مجتمعات غربية، ليبتعدوا عن قضايا مجتمعاتهم خوفا من سلطات سياسية أو دينية، أضحوا بمنأى، يعيشون في أبراج عالية يكرسون فيها عزلتهم ويكرسون الطبقية المجتمعية في عصر ما بعد الحداثة الذي أصبح فيه العالم كأنه قرية كبيرة منفتحة على بعضها بلغة “الخورزميات” في الذكاء الاصطناعي، لذلك أتساءل: ما هي الحقيقة التي يبحث عنها العمل الادبي في عصرنا؟ انها القيم الإنسانية بعد ان اصبح زمن التشيؤ واقعا، وهذا ما يبرزه الكاتب حسام أبو العلا في قصصه الانسانية التي تعيد لنا بحالة فردية تلك القيم التي نبحث عنها.

قصة “الغريب” تعالج قضية اغتراب رجل عن محيطه وعن بلده  وحين يعود بعد سفر طويل لا يجد المكان الذي عرفه قبل هجره إياه، ليجده قد فقد جوهره الإنساني وكل ما عرفه في زمن مضى.                                            

أما قصة “الشمعة الأخيرة”، فهي تتناول قضية امرأة ربّت أولادها بمفردها بعد وفاة الزوج، ثم زوّجتهم وبقيت بمفردها تعاني الوحدة، دون ان يسأل عنها أي منهم ولو بمكالمة تلفونية.    

ان قصص “دموع الورد” في مجملها إشارات الى مسائل وقضايا يجب التدقيق فيها والعمل الدائب عليها ومعالجتها بعيدا عن الثرثرة غير المجدية. وجوهر الكاتب في كتاباته هو جعل وعي القارئ يطرح التساؤلات، سواء أدرك ذلك أم لم يدرك (أي القارئ). فليس ثمة شيء مغلق أمام أبواب النوافذ، نوافذ الروح، نوافذ الخيال والكلمات، تلك التي تجسد الضوء على العوار، عوار الانفس في واقع المجتمع المعاصر. ان الصياغة الأدبية لطرح الخيال في الكتابة القصصية تحتاج الى شجاعة من نوع خاص شجاعة المتخيل التي تجعل كاتبها يهيء متخيله للولوج الى عمق قضايا المجتمع حتى ولو كانت تلك القضايا مؤلمة، وهذا ما قام به “حسام أبو العلا” كما امتلك القدرة على التخيل والكشف والابتكار والابداع. 

دموع الورد ليست فقط كلمات داخل كتاب انما هي صور لما يقع في كثير من البيوت، كما انها تحمل القدرة على ان تصدم من يقرأها بواقع ربما يعيشه.        

 

اترك رد