د. سحر نبيه حيدر
هي رسالةٌ إلى أولادي… أبناءُ الحياةِ، وإلى كلّ أبٍ وأُمّ أينعت أغصانُهم، ومضَت ثِمارُ أعمارِهم تحمِلُ بُذورَها إلى مواسمَ جديدةٍ.
كنّا نظنُّ، وهُم صغار، أنَّ أصعبَ ما في الرِّحلةِ أن نأخُذَ بأيديهم حتى يشتدَّ عودُهم، وأن نعلِّمَهم كيفَ يَخطون بثباتٍ، وكيف ينهَضون كلّما تعثّروا. لم نكُن ندرك أنَّ للأبوّة والأُمومةِ امتحانًا آخر يأتي مُتأخِّرًا؛ يومَ تكبَرُ تلكَ الأيدي التي أمسكَت بأيدينا طويلًا، ثم تُفلتُ منها برِفقٍ، لا لتغادرَنا، بل لتُمسِكَ بزِمام حياتها بنفسِها.عندها لا تنتهي الحكايةُ، كما قد يُخيَّلُ إلينا؛ إنما تتبدَّلُ ملامحُها وتتغيَّرُ مواقعُنا فيها. يبدأ فصلٌ أكثر هدوءًا وعُمقًا، حين يرسِمُ الأبناءُ خرائطَهم بأنفُسِهم، ويختارون الدُّروبَ التي تُشبهُهم، بينما نتعلَّمُ نحنُ كيف نُرافقُ خُطاهم من مكانٍ آخر.
ومن هناك تبدأ رحلةٌ جديدةٌ… مُختلفةٌ.
نعيشُها معهم، ولكن على نحوٍ آخر. نُصغي إلى وقع خَطواتهم وهي تمضي أبعدَ ممّا اعتدنا، ونترقَّبُ منعطفاتِهم بقلُوب تعرِفُ أنَّ الطَّريق لم يعُد لنا، وإن ظلَّ كلُّ ما يحدُث فيه يعبُرُ فينا. لكلّ قرارٍ يتّخذونه صداه في أرواحِنا، ولكلّ عثرةٍ وجعٌ خفيّ نتمنّى لو أمكننا رَدَّه عنهم، ولكلّ نجاحٍ فرحٌ صافٍ يُعيدُ إلينا بعضًا من دهشةِ البدايات.
ونراهُم، مع الأيام، يَصيرون أكثر شبهًا بأنفُسهم. تَصقلُهم التجاربُ التي لم نخترها لهم، وتُعلّمُهم الخيباتُ ما عجِزت كلماتُنا عن قولِه، وتمنحُهم الحياةُ، على مهلٍ، ملامحَ لم تكُن واضحةً حين كانوا صغارًا بين أيدينا. نكتشفُ فيهم قوّةً لم نكُن نعرِفُها، ونفاجأ، أحيانًا، بحِكمةٍ نبتت بعيدًا عن أعيُننا، فننظرُ إليهم بذلك المزيج الغريب من الدَّهشةِ والحنين؛ كأننا نعرِفُهم منذ العُمرِ كلِّه، ونلتقي بهم، في الوقت نفسه، من جديد.
ثم يأتي الحُبّ…
يدخُل حياتَهم من بابٍ لم نفتحه نحنُ، ويختارُ القلب قلبًا آخر ليشاركَه ما تبقّى من الطريق. عندها تتّسعُ الحكايةُ لشخصٍ لم يكُن في صفحاتِها الأولى، ثم يُصبحُ، شيئًا فشيئًا، جُزءًا من أيَّامهم، من قلقِهم وفرحِهم وأحلامِهم.
ونلمحُ على وجوه أولادنا ابتساماتٍ لم نرسُمها نحنُ هذه المرّة؛ فنفرحُ بها من مكانٍ عميق لا يحتاجُ إلى تفسير. لعلّ في القلبِ متّسعًا غريبًا لهذا النوع من الفرح: أن ترى من أحببتَهم منذ نبضِهم الأوَّل يجدون مَن يحبُّهم، ومَن يؤنسُ وحدَتهم، ومَن يُضيفُ إلى أيَّامِهم معنى لم يعُد دورُك أنتَ أن تمنحَه.وفي تلك اللحظة، نفهم شيئًا آخر عن الحبّ:أنَّ القلب الذي أمضينا العُمر نحيطُه بمحبَّتنا، لم نربّه ليبقى لنا، بل ليعرفَ يومًا كيف يُحبُّ، وكيف يكونُ جديرًا بالحُبّ.
وهكذا نكتشفُ، بهدوء، أنّ أولادنا لم يبتعدوا عن الرِّحلة؛ فقط، أصبحوا أصحابَها.
أمّا رحلتُنا نحنُ الأهلُ، فتعطي أُكُلها حين تتغيّرُ المسارات،ويترجّلُ القُبطانُ عن قِيادة سفينتِه، تاركًا الدفّة لأيدٍ أمضى سنوات طويلة يهيّئها لمُواجهة الموجِ، وقراءةِ الرِّيح، واختيارِ المرافئ.
عندها، لا يغادرُ القُبطانُ الرّحلةَ، بل يبدأها من جديد، بطريقةٍ مُختلفةٍ؛يُتابعُ من بعيدٍ، وقد تحوّلت سُلطة الأمس إلى حِكمةٍ هادئة؛ فلا أوامرَ تُملَى، ولا قواعدَ تُفرضُ، بل رأيٌ يُقال، ونصحٌ يُهدى، ومساحةٌ تُترَكُ للأبناء كي يختاروا ويختبروا ويتحمّلوا مسؤوليَّة الطريق.وفي زحمة المشاعر المُتناقضة، يظلُّ القلبُ معلّقًا بتفاصيلهم؛ يفرحُ لِما يُطمئنُهم، ويقلقُ لِما يُثقلُ أيَّامَهم، ويحتفظُ بشوقِه في تلك المِساحة الحميمةِ التي لا تحتاجُ دائمًا إلى الكلام.
ثم يأتي الأحفادُ، فيمنحون العُمر مَعنى آخر. نرى فيهم امتدادًا لا يُشبه التَّكرار؛ شيئًا من أبنائنا وقد عادَ بملامحَ جديدةٍ وروحٍ تخصُّه وحده. والأجملُ أن نرى أولادَنا وقد أصبحوا هُم آباء وأمهات؛ يحمِلون مسؤوليَّاتِهم، يصنعون اختياراتِهم، ويمنحون أبناءَهم من ذواتهم ومن تجارِبهم ما يرونه جديرًا بالبقاء.
ننظر إلى هذا المشهدِ بمحبّة يصعُب وصفُها؛ ففيه شيءٌ من الأمسِ، وكثيرٌ من الغد. نرى الزَّمنَ يتركُ لمساتِه على الوجوه والطِّباع والأحلام، ونشهدُ كيف تصنعُ التفاصيلُ الصغيرة شخصيَّاتهم، وكيف تُضيفُ التجاربُ إلى أرواحِهم طبقةً بعد أُخرى، بعضُها اختاروه بأنفسهم، وبعضُها اختارته الحياةُ لهم.
ولعلّ في الأحفادِ سِرًّا جميلًا من أسرار العُمر:أن نرى جُزءًا من محبَّتنا القديمةِ يعبُر إلى جيلٍ جديد، من دون أن يفقِدَ أحدٌ حقّه في أن يكون نفسَه.
رحلةٌ مختلفةٌ، بنكهةٍ معطَّرةٍ بالحُب ونَفَسٍ جديد، تتبدّلُ فيها الأدوارُ بهدوء؛ فما عُدنا نحنُ من يرسِمُ الطَّريقَ، ولا ما رسمناه يومًا في مخيّلتنا قدرًا ينبغي للأبناء أن يسيروا نحوه. وضعنا معهم الخُطوطَ الأُولى، وأضأنا ما استطعنا من الدُّروبِ، وغرَسنا فيهم ما آمنّا به من قِيَم، ثم جاء الوقتُ الذي يُصبحُ فيه الطّريقُ طريقَهم، والخيارُ خيارَهم، والحياةُ حياتَهم.
الأبناءُ لم يولدوا ليكونوا امتدادًا لأحلامِنا، ولا نُسخًا عن تصوّراتنا، ولا مشاريعَ نُنجزُها وفق مخطّط أعددناه سلفًا. إنهم ذواتٌ حرّة تنمو أمام أعيُنِنا؛ نُحسنُ تربيتَها، ونمنحُها ما استطعنا من الحُّب والوعي والقيَم، ثم نتركُ لها حقّ أن تكتشفَ ملامحَها، وأن تكتُبَ حكايتها بلُغتها، وأن تختار الدَّرب الذي يُشبهُها.لعلّ أجمل ما ينجزُ الأهل ليس أن يصنعوا لأبنائهم مستقبلًا كما تخيّلوه، بل أن يمنحوهم من الجُذور ما يكفي ليَثبُتوا، ومن الأجنِحةِ ما يكفي ليُحلّقوا.قد تأتي حياتُهم قريبةً من بعض ما تمنّيناه لهم، وقد تمضي بهم بعيدًا عمّا رسمناه في خيالِنا. وقد تحملُهم اختياراتُهم إلى دُروبٍ لم تخطُر لنا يومًا، وإلى محطّات لم نحسَب لها حسابًا، لكنهم لم يُخلقوا ليحقّقوا أحلامَنا المُؤجَّلةَ، ولا ليكونوا الصُّورة التي أحببنا أن نراهم فيها؛ لهم أن يصنعوا صورتَهم بأنفُسهم، وأن يختاروا ما يُشبهُهم، وأن يخوضوا تجربتَهم بوعي، ما داموا قادرين على تحمُّل مسؤوليَّةِ خِياراتهم ونتائجها.
نعم، قد لا تسيرُ حياةُ أولادنا وفق ما تمنّينا، وقد تُفاجئنا منعطفاتُهم، فنفرحُ ببعضِها ونقلقُ من بعضِها الآخر، وربَّما تمنَّينا في سرِّنا لو اختاروا غير ما اختاروا. لكن لعلّ الحكمةَ تبدأ حين نُدركُ أنَّ نجاحَهم لا يُقاسُ بمدى اقترابِهم من توقُّعاتِنا، بل بمدى اقترابِهم من ذواتِهم الحقيقيَّةِ، من دون أن يفقِدوا في الطَّريقِ ما زرعنا فيهم من قيَم.وكلّ ما نرجوه، حين تُصبحُ الدُّروبُ دُروبَهم والقراراتُ قراراتِهم، أن تظلَّ بوصلتَهم حيَّةً في داخِلهم؛ أن يعرِفوا مَن هُم، وألّا تأخذُهم الحياةُ بعيدًا عن جوهرِهم، وأن يبقى فيهم من الحُبِّ والوعي والضمير ما يعينُهم على التمييز بين طريقٍ يختارونه بحُريَّةٍ، وطريقٍ قد يفقِدون فيه أنفُسَهم.
إنّها مرحلةٌ أُخرى من الحكايةِ، تتبدّل فيها الأدوارُ وتتغيّرُ مواقعُنا على مهل. لم نعُد في قلبِ المشهد كما كُنّا يومًا، بل أصبحنا نُتابعُه من مسافةٍ قريبةٍ تكفي لنرى، وبعيدةٍ بما يكفي لنترُكَ لهُم فُسحةَحياة. نفرحُ لفرحِهم كأنّه يعبُر إلينا، ونتألّمُ لتعثُّرهم وإن أخفينا وجعَنا، وقد نقلقُ من خياراتِهم أو نختلفُ معها، وربما نرى من بعيد ما لا يرونه وهُم في قلبِ التجربة. مع ذلك، نتعلَّمُ أصعبَ دُروس الأبوَّةِ والأُمومةِ: أن نُحبَّ من دون أن نستحوذَ، أن نقلقَ من دون أن نقيِّدَ، أن نرى من دون التدخُّل في كلّ تفصيل.
لقد انتهت مهمَّتُنا الأولى، تلك التي كان فيها حضورُنا ضرورة، وتوجيهُنا مسؤوليَّة، وحِمايتُنا جُزءًا من واجبنا. وبدأت مُهمَّة أُخرى، أكثرَ رهافةً وأشدَّ صُعوبةَ؛ أن نعرِف متى نتكلَّمُ ومتى نصمُتُ، متى نقتربُ ومتى نتركُ لهم مسافةً، ومتى نمدُّ أيدينا ومتى نثِقُ بأنَّهُم قادرون على مُتابعة الطَّريقِ بأنفُسِهم.ونبقى نتابعُهم بذلك الشَّغفِ الذي لا يشيخُ، وبقلبٍ ما زال، مهما كبِروا، يخفِقُ لفرحِهم ويضيقُ لأوجاعِهم. نفرحُ حين تضيءُ الحياةُ وجوهَهم، ونقلقُ حين تتعثَّرُ بهم الخُطى، وقد تُخالجُنا حسرةٌ صامتةٌ أمام موقِفٍ تمنّينا لو امتلكنا قُدرةً على تغييره، أو ألمٍ وددنا لو حملناه عنهُم. لكنّنا نُدركُ، شيئًا فشيئًا، أنَّ بعضَ الدُّروبِ لا بدّ أن تُقطعَ بأقدامِ أصحابِها، وأنَّ بعضَ التجارب لا تنضَجُ إلا حينَ تُعاش.نظلّ قريبين، وإن بَدونا بعيدين؛ لا نقتحمُ أبوابًا أُغلقَت، ولا نفرضُ حُضورًا لم يُطلَب، بل ننتظرُ بمحبَّة ذلك البابَ الذي يُفتحُ لنا من تِلقاء نفسِه. وحين يفتحونَ نافذةً صغيرةً نحونا، ندخُلُ برِفقٍ، كنسمةِ صَيفٍ تعرفُ كيف تعبُرُ من دون أن تُربكَ سُكونَ المكان؛ نُخفّفُ تعبًا، ونُقيلُ عثرةً، ونمسحُ دمعةً، ونُضيءُ زاويةً ربَّما غابت عنهم، ثم نعودُ بهُدوء إلى مِساحتنا، تاركين لهم حقَّ إكمال الطَّريق كما اختاروا.
الحُبُّ، حين ينضَجُ، لا يبحثُ عن سُلطةٍ، ولا يجعلُ من الخَوفِ ذريعةً للتدخُّل. قد نقولُ رأيًا استخلصناه من سنواتِنا، وقد نُهديهم نصيحةً صقلَتها تجارِبُنا، وقد نرفعُ إشارةً حين نلمحُ خطرًا في الطريقِ؛ ثم نترُكُ لهُم القرارَ. ما نملكُ، حقًا، ليس حياتَهم، بل محبّتنا لهُم؛ وما نستطيعُ أن نهِبَهم إيّاه ليس طريقًا مفروضًا، بل قلبًا يعودون إليه متى أثقلتهُم الطُّرقُ. لأن أبناءنا، مهما أحببناهُم، لا يعيشون امتدادًا لحياتِنا؛ إنهم يعيشون حياتَهم هُم. ولعلّ أنقى ما يبلُغه حُبُّ الأهل أن يبقى لهم وطنًا صغيرًا: لا يحتجزُهم حين يريدون الرَّحيل، ولا يسألُهم لماذا عادوا حين تضيقُ بهم المسافاتُ.
قد يلتقي البعضُ معي في هذه الرؤية، وقد يراها آخرون من زاوية مُختلفة، وهذا طبيعي؛ فلكلِّ بيتٍ حكايتُه، ولكلّ أبٍ وأمّ تجربتُهما، ولكلّ جيل أسئلتُه التي لا تُشبهُ تمامًا أسئلةَ الجيل الذي سبقه. وما أكتبُ هنا ليس خُلاصةَ حِكمةٍ، ولا وصفةً تصلُح لكلِّ العائلات، بل بعض مما تعلّمتُه وأنا أُراقبُ السَّنواتِ تمضي، والأولاد يكبَرون، والأدوار تتبدّلُ من حيث لا نشعُرُ.كنّا، في البدايات، أشبه بمَن يحرِسُ غرسًا طريًّا يخشى عليه من قَسوةِ الرِّيح. أحطناه بأيدينا، وسقيناه من أعمارِنا، وظلَّلناه ما استطعنا حين اشتدَّت الشَّمسُ. خِفنا عليه كثيرًا، وربَّما بالغنا في الخَوفِ، أحيانًا، لأنَّ القلبَ حين يُحبُّ لا يعرفُ دائمًا أين تنتهي الحمايةُ ويبدأ القلقُ.
ثم كبِر الغَرسُ…
اشتدّ عودُه، وامتدّت أغصانُه في اتِّجاهاتٍ لم نَختَرها كلَّها، وربَّما لم نتوقَّع بعضَها. عندها بدأنا نفهمُ أنَّ الشَّجرةَ التي تكبَرُ لا تبقى تحت ظلّ اليد التي غرسَتها؛ فهي تحتاجُ إلى شَمسِها، إلى هوائها، إلى أن تختبرَ الرِّيحَ بقوَّتها هي. وقد نقتربُ، أحيانًا، لنرفعَ غُصنًا أثقله الحِملُ، أو نداوي جُرحًا تركَه فصلٌ قاسٍ، لكننا لا نستطيعُإعادةَ تشكيلِ أغصانِها كلّما خالفت الصُّورةَ التي احتفظنا بها في مخيِّلتِنا.ولعلّ أجمل ما يبقى في تلك الأشجار، شيءٌ من الماءِ الأوَّل الذي ارتوت منه: محبَّةٌ لم تُشعرها بأنها مُدينة لنا، وأمانٌ لم يحرِمها الشَّجاعةَ، وعنايةٌ لم تتحوّل إلى قَيد. وحتى الأشواكُ التي كنّا نخشى ظُهورَها فيها، قد نكتشفُ يومًا أنَّها كانت ضروريَّةُ؛ بعضٌ من الصلابة يحمي رقَّتَها، وبعضٌ من القُدرة على قول «لا» حين يُصبحُ الصَّمتُ مؤذيًا، وبعضٌ من القوَّة يحفظُها حين لا نكونُ إلى جوارِها.ومع مرور السَّنوات، نكتشفُ أنَّ كثيرًا مما ظننّاه، يومًا، ضُعفًا في أبنائنا، كان بدايةَ استقلالِهم، وأنَّجُزءًا من اعتراضِهم، لم يكُن تمرُّدًا علينا بقَدر ما كان محاولةً للعُثور على أصواتِهم الخاصَّة.
ربَّما جئنا، نحنُ أيضًا، من زمنٍ كان للكبار فيه حُضورٌ لا يُناقش كثيرًا، والطَّاعةُ تختلطُ في أذهاننا بالاحترام، والصَّمتُ يُحسب أحيانًا من حُسن التَّربيةِ. حملنا شيئًا من ذلك الزمن معنا، عن قصدٍ أو من دونه، ثم جاءت علاقتُنا بأبنائنا لتضعَنا أمام سؤال مُختلف: هل نريدُ منهم أن يُطيعونا لأنَّنا أكبرُ سنًّا، أم أن يفهموا لماذا نقولُ ما نقولُ، ثم يكبَروا وهُم قادرون على التفكير والاختيار؟ومعهُم تعلَّمنا نحنُ أيضًا.تعلّمنا أنَّ التَّربيةَ ليست طريقًا يسيرُ فيه الأبناءُ وحدَهم نحو النُّضج؛ بل طريقٌ ينضَجُ فيه الأهلُ معهم، ففي كلِّ مرحلةٍ من أعمارِهم كان علينا التخلّى عن جُزءٍ من خوفِنا، من رغبتنا في الحماية، من يقينِنا بأننا نعرفُ دائمًا ما هو الأفضلُ لهُم.
اليوم، حين أنظُرُ إلى الأشجارِ وقد علت أغصانُها، لا أسألُ إن كانت قد نمت تمامًا كما أردنا لها، بل أرجو، فقط، أن تكونَ جُذورُها عميقةً بما يكفي كي لا تقتلعَها الرِّيحُ، وأن يبقى في عُروقها بعضٌ من ذلك الماءِ العذبِ الذي سقيناها به يومَ كانت بُذورًا صغيرةً بين أيدينا.فما نزرعُه في أولادنا لا يبقى لأننا أمرناهمبالاحتفاظ به، بل لأنه أصبحَ، مع الأيَّام، جُزءًا خفيًّا وجميلًا منهم.
الاحترامُ لا يُبنى بالخوف.
الاحترامُ يُبنى بالتفاهُم والحِوار والإرشاد والثقة والمحبَّة. لا تُصنعُ الشَّخصيَّةُ بالقَسوةِ وإسكاتِ الأصواتِ، بل بمَنحِ الإنسانِ القُدرةَ على التفكيرِ والاختيار وتحمُّل نتائج قراراتِه.نحنُ لا نريدُ أبناءً يُطيعوننا طوال العمر؛ نريد جيلًا واعدًا، حرًّا ومسؤولًا، يعرفُ كيف يختارُ، وكيف يتحمَّلُ نتيجةَ اختياره، وكيف ينهضُ بعد تعثُّره، وكيف يبني أُسرةً تقومُ على المحبَّة والاحترام، ومجتمعًا يقوم على المسؤوليَّة، ووطنًا يتَّسعُ للجميع.لعلَّ أصعبَ ما يتعلّمُ الأهلُ ليس كيف يُمسكون بأيدي أبنائِهم حين يكونون صغارًا، بل كيف يترُكون تلك الأيدي حين تكبَرُ، من دون أن يتخلّوا عنها.
لا يعني الحُبُّ الحقيقي أن نُمسِكَ بالدفَّة إلى الأبد، بل أن نعلّمَ أبناءنا الإبحارَ، ثم نقفَ على الشاطئ مُطمئنين إلى أنّهم يعرِفون الطَّريقَ؛ أن نكونَ حاضرين من دون أن نفرِضَ حُضورَنا؛ قريبين بما يكفي ليجدونا حين يحتاجون إلينا، وبعيدين بما يكفي ليجدوا أنفسَهم.وإذا عصفَت بهم الرِّيحُ يومًا، يعرِفون جيدًا أين يجدون المرفأ.
بالوعي والحِكمةِ والحِوارِ تُبنى البيوت، وبالحُريَّة المسؤولةِ والمَحبَّةِ تُبنى الأجيالُ، وبهذه الأجيالِ تُبنى الأوطانُ.
بوخارست- 4/ 8/ 2026
***
* أستاذة جامعية- مُدرّبة على التغيير- كاتبة، وناشطة في مجال حقوق الإنسان.




