ميراي شحاده تقرأ الأبعاد الوجوديّة في ديوان “خِفْوَةُ الصُّدَف” لعفاف العياش

  ميراي شحاده

 

أيها السادة…

ليس كل ديوان غزلي ديوانًا عن الحب؛ فبعض الدواوين تجعل من الحب نافذةً نتأمل منها الإنسان، والزمن، والذاكرة، بل الوجود نفسه. ومن هذا الأفق أقرأ  في هذه العشيّة «خفوة الصدف» و أبعاده الوجوديّة والجماليّة.

وفي هذا الأفق، ما لمسته يا أحبّة في ديوان «خفوة الصدف» للكاتبة عفاف العياش، أبعد بكثير من رسائل عاشقة، هي رسائل تخفي خلفها أسئلة عميقة: هل يبقى الإنسان هو نفسه بعد الفقد؟ وهل تستطيع اللغة أن تعيد ما أخذه الزمن؟ وصولًا إلى السؤال الأشدّ إلحاحًا: هل يستطيع الشعر أن ينتصر، ولو بالكلمات، على ما ينتصر فيه الزمن علينا؟

فيا سيّدتي، من بُنِّ عينيك ارتشفتُ هذا الصباح قهوتي، ومن حبر صُدَفك تأمّلتُ الوجود، فأدمنتُ خفْوتي! رحتُ أقتفي ظلالك لأكتشف كيف تحاكين فراغَ الوقت في صمتك، وكيف تسمعين وشوشاتِ اللحظة في وحدتك! فلمحتُني أغتسل في قارورة دمعك، وقد أسرفتُ في الوصل والهجر، وبعثرتُ أوراقي كلّها في رسائل كتبتُها يومًا؛ رسائل أشعلتني ورمّدتني!

 

لملمتُ أشواقي حبّةً حبّةً، تغلبني شهوةُ الصوم، فأبوح وأثرثر مع الريح، وأغرق حتى تتجلّى نبوءةُ المحار الأبيض في غسقي المدلهم! فأمتشقُ الشعر، وأحاول كتابةَ الحياة حتى لا تبتلعني أيّامي.

أو لم يقل بول ريكور: «لا يفهم الإنسان حياته إلا حين يرويها».

وكما في عنوان الديوان، تبدأ الحكايات بصدفة، لكنها تنتهي إلى قدر. فالصدفة ليست نقيضًا للقدر، بل الطريق الخفي إليه.

لعلّ ما نسميه مصادفة هو الاسم الذي نطلقه على القدر حين نجهل قوانينه وأستشهد بقول الشاعرة في قصيدة: “سرّي المكتوب”:

هو البداية والمنتهى/ هو سرّي المكتوب في القدر.

تُسافرُ روحي في فضاهُ/ وتسكنُ فيه بلا سفرْ”

 

هنا، تستعيد عفاف الحياة في توثيق ذكرياتها في الشعر: فقصائدها لا تبحث عن الحبيب، بل عن الزمن الذي كانت معه. ولأنّ الذاكرة وحدها قادرة على هزيمة الزمن، دوّنت عباراتها في قصيدة صورتنا: اللقاء الأول، الوداع، العودة، ظل المطر.

واستشهد بقولها:

“صورة التقطناها

هناك،

في تلك اللّحظة.

التقطنا معها

ذكرياتنا،

ضحكاتنا، همساتنا،

نظراتنا، أحرف اسمينا

كما التقطنا معها

ساعة من العمر”.

وهنا تبلغ التجربة الوجدانية ذروة صفائها، إذ تتحول صورة عفاف الفوتوغرافية إلى وعاءٍ للزمن، لا مجرد حفظٍ للحظة عابرة.

لكن لم يصلها من هذا الحبيب ردّ سوى صدى صمته. وهذه من أجمل التحولات البلاغية في الديوان، وهنا نستحضر أدونيس، الذي يرى أن الصمت ليس انعدامًا للغة، بل أحد أعمق تجلياتها.

 

ولشاعرتنا معجم شعري خاص قد منح هذا الديوان وحدةً وجدانية، وجعل بعض القصائد تتقارب في نبرتها الشعورية. فإن تكرار مفردات الحنين، والهمس، والشوق، والعودة، والذكرى، لا يشي بخفتٍ معجمي، بل يخلق ما يمكن تسميته «الوحدة الموسيقية للديوان»، إذ تتكرر الثيمة ذاتها كما تتكرر اللازمة في العمل الموسيقي، مع اختلاف النغم والصورة.

ديوانك هو ديوان عن الزمن، والذاكرة، والانتظار، والإنسان وهو يحاول أن يقاوم الفناء بالكلمة: فيه، لم يعد المطر ماءً يهطل من السماء، بل زمنًا يتساقط على الذاكرة، ولم يعد الغياب فراغًا، بل حضورًا آخر تسكنه اللغة.

لعل أروع ما نجحتِ فيه يا عفاف  هو أنّك كتبتِ لا لاستعادة ماضيك، بل لتمنحيه حياةً أخرى. فالذكريات في «خفوة الصدف» لا تُحفظ في ألبوم الصور، بل في اللغة؛ واللغة، كما يقول هايدغر، هي بيت الوجود. فإذا كان الزمن قد انتزع منّا أحبّتنا، فإن الشعر يمنحنا القدرة على أن نسكنهم من جديد بالكلمات. وهكذا يغدو ديوانك شهادةً على أن الكلمة فعل مقاومة في وجه النسيان، ومحاولة لإنقاذ ما يظنه الزمن قد انتهى. والزمن،يصبح زمن القلب وليس زمن الساعة، فلحظة حب واحدة قد تمتد لتصبح عمرًا كاملاً!

***

*ألقيت  في حفل توقيع ديوان “خفوة الصدف” للكاتبة عفاف العياش  في  قاعة مكتبة الأمير شكيب أرسلان الدولية، الشويفات، السبت 8 آب 2026.

اترك رد