د. وفاء شعراني
.. بصوتٍ ملأ فضاء مسرح المدينة في بيروت بل كأنه ملأ المدينة كلها، افتتحت لمياء حفل إطلاق روايتها الأولى. قالت: لم أكتب لأختبئ في شخصياتي، مضيفةً: إلى متى سيكتبنا الآخرون؟ لم يكن بطل الرواية حاضرًا، لا يهم، هناك من يعرفها جيدًا ويتفرّج عليها بابتسامة عريضة. في تلك الوقفة ما يولّد الالتباس، لكن سرعان ما سينكشف ما يقف في تغيّر الأصوات.
2018 – 2019: حقبةٌ من خطابٍ سرديّ في لعبةٍ دلالية توحي بالتداخل بين لمياء والرواية والكاتبة ضمنًا.
2025: تنعتق “عيون بيروت” من ضوابط التقليدي لتباشر “كتابة الذات”.
لم يكن الإهداء تفصيلًا حميميًّا أو تحيةً عابرة، بل هو بيانٌ نظريٌّ مستتِر أُعلن منذ الصفحة الأولى، بما سيكون عليه العشق والنظرة والمدينة: رواية بارتيّة في نصٍّ حداثيّ، حيثُ لا مركز للذات، ولا للحبّ، والسرد أيضًا لا مركز له. قلة من الأوّلين وكثير من الآخرين لا يستطيعون خوض غمار روايةٍ بارتيّةٍ بامتياز في بنية الذات والرؤية. تتحوّل بيروت إلى نصٍّ عاشق، تستقرئ أمكِنَتَها ثم حين ينعكس البحر على العينين تُسيَّر العلامات والإشارات والصور، كتابة قراءةٍ بصرية خالصة بالمظهر والإشارات واللباس وأشكال حركة الأجساد، وتعبيرها الصامت، وتبادل التحيات والنظرات وأشكال العيون، خطاب عن جنون العشق والنظرة والمدينة.
وحين تُرفق التحيّةُ بإهداءٍ آخر: “إلى الذين ما عادوا الشهود الوحيدين على جنونهم”، يتحوّل الجنونُ العاطفي من تجربةٍ فردية إلى شهادة، والقراءةُ إلى تفكيك خطاب العشق، وتتحرّر “لذة النص” من سلطة المؤلف فتترك للقارئ متعةَ أن تتكاثر العيون: عيونٌ تَرى، عيونٌ تُفقأ، عيونٌ تقرأ، يشتبك “سر اللّمعة في العينين” بالحب والذاكرة والمدينة، سرٌّ وعلامات مفتوحة على تأويل لا ينتهي. علمًا أن المعنى يكمن في الحدث، لا في جواره.
رواية رامي وآلام فارتر
تتداخل مستويات القصة، تمزج عزة طويل بين مكوّنات الخطاب ومكوّنات القصة، قاعدةٌ من قواعد فلسفة السرد، كأن الكلام لم يكن مجرد صيغة أو متوالية من الأحداث بل جاء تعبيرًا عن حاجات ضرورية لإشباع “الذات”. لم ينفصل السرد في رواية ” عيون بيروت” عن همّ طرح سؤال : لماذا كتب رامي روايته، وهل كانت كتابة الرواية ضرورة للمياء؟ كانت هناك فعلاً ضرورة.
في نظرةٍ تفكيكية يتحرر المعنى من المكبوت البنيوي، في رواية بارتية بامتياز، يصعد فيها الهامش (تفاصيل الحركة اليومية) على حساب المركز، تؤسس لمختبرٍ نظري تعاين فيه عزة طويل عالمَ الكتابة والرواية ونهوضهما، يستحقّ دراسةً أكاديمية، تضيف إليه اختبار لذّة الكتابة عن أوجاع الجسد، في نصٍّ سردي وفضاء قصصي لا يفصلان. لم تلعب لعبة الأسرار ولم تعزل نفسها في توقع داخلي مطبق. كل الأمكنة مفتوحة على الصورة. لا يقوم بناء هذه الرواية على الخوف أو على سلسلة من الإسقاطات (مواجهة لمياء، ورامي، لحظات اللذة)، وعرّجت عن الانسياق باتجاه الرواية البوليسية (التفتيش عن سبب مقتل الأب) إرادة التأكيد على عدم خضوع النص لتأويل ،حتى ولو كان حرًّا.
تتكاثر مستويات السؤال عن النموذج المعرفي الروائي في “عيون بيروت”، يتقدم للإضاءة على الصياغة الوجودية للذات وخطاب المدينة المأساوي ، مقتل رئيس الوزراء، وانفجار المرفأ …
ستقطع بيروت الكارثية المسار الرومانسي، ومسار تلك الحوارات على الشاطئ في بيروت وفي “داون تاون”. يصبح الجنون مرئيًا ليس فقط عبر انفجار المرفأ بل عبر كل ما فجر وهم السيادة العاطفية. تصطدم في الرواية الرومانسية بالتاريخ ، وتتحوّل الثورة إلى خطابٍ يعطي اللغة ساحة السلطة الأولى.
فارتر و17 تشرين والصور المرصوفة على الطاولة الصغيرة في بيت الأم مثلّثُ الحياة والثقافة والوجود. تستمر عزة في بناء المختبر النظري، يقوم على حكاية حب عنيف لبطلة بلا اسم ، والحب حبّ جنوني للعينين، ورامي فاعل خطاب السلطة العاطفية والكتابية ، كيف تنساه؟ هل يُنسى؟ يكتب تفاصيل علاقته الجنونية بجسد لمياء، تفتح الرواية سؤال حق المؤلف، رامي العاشق يرى الحب مِلكًا له، هو متماهٍ مع فارتر، الذات العاشقة المطلَقة المتمثلة في انصهار الذات بين العاطفة والكتابة، عاش في الطبيعة الألمانية، بعيد رامي إنتاجها في مدينةٍ منكوبة ، ولميا ء أنا أخرى، مرآةٌ سيميولوجية للراوية عكست قدرةً على مراقبة الذات وتحليلها، يتحوّل معنى العنف لتكشف عزة طويل الهيمنة النصية للرواية الذكورية. حلمت يومًا أن رامي فقأ عينيها، على صورة العنف البنيوي في المدينة المصدومة في ميتاسرد رواياتٍ داخل الرواية ، يطلع خطاب صور العيون في كاميرا كنان الساعي إلى ” غرفة مضيئة ” في بيروت المتعددة الأصوات. يقول لها:
-الكثير من الحياة ، حين تعوزني الحياة أجدها في عينيكِ.
-وبمَ تفيدك الصور؟
-الصور تبقى، تعيش حياةً أخرى، تجعل اللحظة تستمرّ (ص 36)
وتفكيك الذات تبئيرٌ بين “الأنا” و”الأنا”، تَفَكَّكَ خطاب الحبّ وتفكّكت المدينو نصًّا، بقس خطاب الصورة مقترنًا بمفهوم اللذة يحيط به الكثير من الإيحاء، خلقت فضاء للمتعة …
كان الزمن يشكّل بنية السرد اللغوية، رائحةٌ أعادت كل ما كان يحدث في الزمن الماضي، لكن أين نحن في غياب الذكريات التأسيسية للحياة (ص218) ، قد تحفظ الصورة الصياغة التصويرية للزمن، فما الأكثر اختراقًا للروح، الصور أم الكلمات؟ (ص 162)، رائحة تكفي أحيانًا للبدء برسم ذكريات لا نعرف أساسها مدى صحّتها (ص 218) ، كاميرا كنان التي تفكّك النص الصورة/الغرفة ، أو الشرفة عزة/بارت المضيئة ، يبقى فارتر المرجع الرمزي الدائم لمعنى الحب العنيف لكلّ كتابة عن الحميمي، لكل انفجار في المدينة ولكل تفكيكٍ للذات …
إنها “قصة تلك اللمعة في عيوننا” (ص 229) ، والقصص متصلة كخيوطٍ في نسيج واحد ، قصة مَن كانت هذه: قصّت”ها”، أم قصة لمياء أم رامي أم قصة المدينة المجروحة؟

