فاروق غانم خداج
في عالم الأدب، قليل من الكتب يجمع الشعر بالتاريخ والهوية كما فعل «لبنان إن حكى» لسعيد عقل. هذا الكتاب ليس رفوف مكتبات فحسب، بل عمق الوجدان اللبناني؛ يصوغ لبنان بكل تناقضاته وجمالياته وكفاحه في قالب فني يستشعر القارئ معه نبض الأرض، كأنها تبوح بأسرارها. نقرأ الكتاب كحكاية وطن يروي نفسه، ونكشف كيف يعكس أزمات لبنان اليوم الاقتصادية والسياسية.
قبل تدبر محتوى الكتاب، نتوقف عند مؤلفه: سعيد عقل (1912–2014)، شاعر ومفكر عربي حديث جمع الشعر بالنقد والرؤية الوطنية. «لبنان إن حكى» ليس سردًا تاريخيًا أو شهادة، بل تأمل وجودي في لبنان بكل أبعاده. عنده، الوطن وجود إنساني روحي فريد: تاريخ ممتد، جغرافيا ذاكرة أمة، ثقافة تتجدد رغم العواصف.
اختيار العنوان عبقري؛ يحول الكتاب من سرد تقليدي إلى صوت ذاتي يخاطب القارئ مباشرة. ينتقل القارئ من متلقٍ إلى مشارك، يستمع للبنان يتلو ذكرياته، يغني لأجياله، يفتقد أيامه، ويتأمل صراعاته وآماله. أعاد عقل رسم الجغرافيا اللبنانية بصوت حي: جبال تحمل ذكريات قُصفت على صخورها، سواحل تلمس حضارات، ووديان تهمس بأسماء الأجداد. الفضاء هنا ذاكرة نابضة؛ لبنان موسيقى تتفاعل فيها الطبيعة مع الإنسان.
يستحضر الكتاب الهوية كتركيب ثقافي غني، لا انتماءات طائفية ضيقة. لبنان فسيفساء حضارات متعاقبة – في الموسيقى والحكايات واللغة – قادرة على التلاقح دون امتزاج كامل، موحدة في تجربة وجودية واحدة. كما لا يتجاهل عقل الألم: حروب وانقسامات تُذكر إنسانيًا، لا سياسيًا. حزنُه على «ما كان يمكن» يتحول إلى شعر يُعاش، معنى مشترك للرحيل والجُهد والبناء رغم الظلال.
لغة عقل حية تنبض إيقاع البحر والجبال، مستحضرة الشعر الشعبي، ليست تاريخية أو صحفية أو شعرية فحسب، بل مزيج يخلق لبنان في المخيلة، مفتوحًا للقارئ العربي والعالمي. وقد كتب يقول: «جبال لبنان شاهدة على دموع أجدادنا، وبحاره تغني بأحلامنا الضائعة.» (ص. 42)
اليوم، تتردد كلمات عقل كصرخة حنين وسط انهيار العملة، نقص الغذاء والدواء، والحروب الإقليمية. يذكّر بقدرة لبنان على الصمود، ويدفع للتساؤل: كيف نُحيِ حلمَ عقل؟ هل ينجح السياسيون والمجتمع والشباب في جعله وطنًا يحكي بحرية؟ لبنان اليوم يواجه تحديات الهوية والانقسام، أزمة اقتصادية، ونقص موارد، لكنه قادر على الصمود كما وصفه عقل منذ عقود.
يربط عقل التراث بالحاضر كقوة تجدد، لا عبء؛ دعوة لقراءة اليوم عبر الكنز التاريخي. أثره امتد إلى شعراء معاصرين مثل أدونيس وآخرين أعادوا صياغة الهوية اللبنانية في نصوصهم، مما يثبت أن رؤيته للبلد ليست ذكريات جامدة، بل إرث حي يؤثر في حركة الأدب اللبناني حتى اليوم.
«لبنان إن حكى» تجربة تسمع فيها صدى الأمل والألم والهوية داخلك. دعوة لسماع وطنك الداخلي أولاً، ثم حمايته – حوار مع الذات في عالم معقد. فليكن لبنانُ عقل واقعًا نصنعه معًا. هل أنت مستعد لتكون صوت لبنان الذي يحكي اليوم؟
***
*كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني

