منيرة مصباح
يعتبر الصدر رمزا أساسيا من رموز الأنوثة ومكونا هاما من مقاييس الجمال الجسدي لدى المرأة حيث تتحدد مميزاته الجمالية بناء على التنا سق والامتلاء والتناغم مع شكل الجسم العام بغض النظر عن المقاس المحدد للمرأة.
وكان تاريخيا يعبر عن القداسة والخصوبة والأمومة والتغذية الى جانب الجمال والجاذبية، وقد تباينت هذه الرمزية وتطورت عبر العصور الفنية المختلفة تبعا للمفاهيم المجتمعية في كل مرحلة من مراحل التاريخ البشري.
ففي فنون العصور القديمة صُوِّر الصدر على أنه الرمز الأسمى للحياة وعلى الوفرة وعلى قدرة الطبيعة في التجدد والعطاء من خلاله مثل تمثال “أفروديت” في الحضارة الاغريقية، كما عبر على الحركة الديناميكية للمحاربات في مرحلة تاريخية أخرى لدى بعض المجتمعات.
أما في الحضارة الرومانية القديمة فقد ارتبط الثدي أو الصدر المكشوف بالحب والجمال مثل تمثال فينوس الذي يعكس الأناقة المثالية والخصوبة المقترنة بالقداسة..
وفي العصر الباروكي فقد ظهر الثدي تعبيرا عن الفضيلة وكرمز لفكرة العطاء الخيري والتضحية ويظهر هذا المفهوم في منحوتة “كاريتاس” التي تعتني بأطفالها الرضع.
ونرى في الفن الاوروبي اللاحق أن مفهوم الثدي قد نُحِّيَ الى الابعاد الروحية، أمثال لوحة البتول المرضعة في الأعمال الفنية لعصر النهضة، والذي يعبر عن الحب الأمومي الصافي والغذاء الروحي والمادي للبشرية.
وحين انتقل الفن نحو العلمانية أصبح تصوير الصدر يرمز الى الاغراء والجمال الأنثوي الخالص وهذا ما نراه في بعض لوحات العصور الوسطى، وفي القرون اللاحقة أصبح احتفاء صريحا بالثقة والجاذبية الانثوية، وهذا ما نراه في لوحة الفنانة “سارة غودريدج” عام 1828 المعنونة ” Beauty Revealed ” .
لكن هناك منطق مختلف عند بعض المفكرين الحداثيين الذين يربطون أجزاء الجسد بالزمن أو الوقت ومنها الجزء الخاص بالمرأة وهو الصدر أو النهد، فالمؤرخ وعالم الاجتماع الفرنسي ” جورج فيغاريلو” الذي يغوص في تحليله ليكشف كيفية غوص الزمن في كل جزء من الجسد وصناعة الواحد منهما للآخر، وهو يعتبره المرآة التي تنعكس عليها رؤية الحضارات البشرية لمفهوم أجزاء الجسد وتغيرها مع امتداد الزمن كل هذا جاء في فصل من فصول كتابه المعنون ب “تاريخ التعب”، (Hitoire de la fatigue).
وقد عبر الفنانون في أعمالهم كثيرا عن جسد المرأة وبالذات الثدي خاصة في المنحوتات الاغريقية القديمة مثل تمثال أفروديت كما ذكرت سابقا. ففي الفنون التي شاهدتها في المتاحف اليونانية خلال زيارة سياحية قمت بها مع صديقتي فاطمة الى اليونان قبل عدة سنوات وقد تضمنت الرحلة الى أثينا زيارة المتاحف التي كانت ممتلئة بالمنحوتات من العصر الاغريقي حيث برز ثدي المرأة، في تشكيل مميز مع جسدها ووجهها وجيدها، الذي يحمل في طياته الى جانب الجمال أيضا وظيفة أخرى مهمة هي الغذاء الأساسي للطفل بعد الولادة.
أما في الفن الفرنسي فقد عبر عن الثورة للانتقال من العصر الوسيط الى الحداثة الأولى، وهذا ما ظهر في اعمال العديد من الفنون أهمها لوحة الرسام الفرنسي “يوجين دولاكروا” والتي حملت اسم (الحرية تقود الشعب) حيث جعل المرأة “ماريان” تحمل علم فرنسا وتتقدم الثورة وصدرها بارز ومكشوف في حالة من الحرية والتحرر والوطنية. وكأن الوطن هو الأم التي تغذي وتدعم أبناءها الثوار. وهذا ما عبر عنه الفنان ليؤكد من خلال لوحته عن أفكار أيديولوجية وسياسية جديدة أوسع، مثل الحرية والثورة.
أما في الديانة الإسلامية فقد ذكرت مدة الرضاعة في هذه الآية من القرآن التي تقول:
(والْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أرَادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ…) وهذا لأهمية المرأة الأم المرضعة وعلاقتها بتغذية طفلها بعد الولادة.
في الادب العربي
أما في الأدب العربي غالبا ما جاء صدر المرأة كرمز للجمال والجاذبية والأنوثة والتناسق الجسدي، كما وأنه رمزا للحب والمحبة والشوق والرقة والاشراق والنعومة كذلك رمزا للدفء والأمومة والوطن والأمان حيث بقيت المرأة الأم مترفعة وعالية في مقامها. يقول محمود درويش في احدى قصائده الى أمه تعبيرا عن مدي ارتباطه فيها:
أحِنُّ الى خُبْزِ أُمِّي وقَهْوَةِ أمِّي ولَمْسَةِ أمِّي
وتَكْبُرُ فيَّ الطُفُولَةُ يَوْمًا على صَدْرِ يَوْمِ
وأَعْشَقُ عُمْرِي لأنِّي إذا مِتُّ أخْجَلْ مِنْ دَمْعِ أمِّي
أما في قصيدته الأخرى التي حملت في مضامينها حب الرجل للمرأة والتي عنوانها “انتظرها”: فقد جاء فيها:
بِكأْ سِ الشَّرَابِ المُرَصًّعِ باللازَوَرْدِ… انْتَظِرْهَا
على بُرْكَةِ المَاءِ حَوْلَ المَسَاءِ وَزَهْرِ الكُولُونِيَا… انتظرها
بِذَوْقِ الأَمِيرِ الرَفِيعِ البَدِيعِ… انتظرها
الى أن يصل في القصيدة الى هذا البيت الشعري الذي يعبر عن صدر المرأة:
“وَقَدِّمْ لَهَا المَاءَ، قَبْلَ النَبِيذِ، وَلَا تَتَطَلََّّعْ
الى تَوْأَمَيّ حَجَلٍ نَائِمَيْنِ على صَدْرِهَا… وانْتَظِرْهَا
وقد وصف صدر المرأة في الادب العربي قديما بالرمان والتفاح والخوخ والقمر المضيء،
فمثلا في الشعر العربي القديم عند الأمير والشاعر عبد الله ابن المعتز الذي عاش في أزهى العصور الإسلامية في العصر العباسي، حيث وصف شعره في الغزل بالرقة واللطف، يقول في مطلع هذه القصيدة:
لا وَرُمَّانِ النُهُودِ فَوْقَ أغْصَانِ القُدُودِ
وعَنَاقِيد من الصَدْغِ وَوُرُودٍ من خُدُودِ
أما عمرو بن كلثوم وهو أحد شعراء المعلقات قبل الاسلام فيقول في معلقته:
وثَدْيا مثل حُقِّ العاجِ رَخْصًا حِصانًا من أكُفِّ اللامِسينا
المرأة والجمال الخاص
ان جمال الصدر عند المرأة يعود لعدة عوامل منها التوازن والتماثل والتقارب في الحجم وفي الشكل، كذلك في الشد والارتفاع الذي يعطي مظهره الممشوق والبارز دون ترهل كبير الى جانب تناغمه مع القوام من خلال حجمه لعرض الكتفين ومحيط الصدر وطول القامة مع التوزع المتناسق الذي يمنح مظهرا مرنا وحيويا. ورغم تغيرات معايير الجمال عبر الثقافات المختلفة، فمنها ما يلعب دورا مهما حيث يعزّزُ ثقة المرأة بنفسها في تغذية الطفل المولود، كذلك مع امتلاك المرأة لأرداف ممتلئة وصدر ممتلئ يعطي التوازن الجمالي للنظر ويدعم مظهر الأجزاء المختلفة من الجسم مع بعضها البعض وهذه العوامل مع حجم الخصر مهمة لتناسق الصدر الى جانب طول المرأة ووزنها ونسيج الثدي لديها.
الفوائد الغذائية لصدر المرأة
أما بالنسبة للفوائد الغذائية التي تحتويه فهو أول وأهم غذاء للطفل بعد خروجه الضروري من رحم الأم التي احتوته وغذّته من جسدها قبل وقت الولادة حيث يتعاون الأثنان الأم والطفل معا في عملية الخروج من الرحم للحياة. ولو لم يكن هناك تعاون بينهما لبقي الطفل في الداخل ومات هو وأمه. والتاريخ يذكر هذا في موت الأم والطفل حين تعثر الولادة من احدى الطرفين الأم أو الطفل للخروج الى النور.
ولا أريد أن أغوص في تفاصيل تكون الحليب داخل الثدي مع ان الرضاعة تعتبر الوظيفة الأساسية لثدي المرأة حيث أن الغدد الموجودة فيه تنتج وتفرز الحليب لتغذية المولود غذاءً كاملا مع إعطائه المناعة التامة لصحته في الأشهر الأولى من الولادة.
أما من الناحية النفسية فإن ثدي الأم يعطي الطفل شعورا كاملا بالأمان والهدوء كما وانه يبني الثقة من خلاله بمن حوله، ويخفف من البكاء والشعور بالخوف، كما وان صوت الام ودقات قلبها يشعران الطفل بالراحة والطمأنينة.
ان الرضاعة الطبيعية من ثدي الأم تدعم التواصل العاطفي والأمومي بين الأم وطفلها، وأول قبلة يقوم بها الطفل بعد الولادة هي قبلته لثدي أمه التي تحمل معها أول مذاق لفمه بطعم الحليب وهو الغذاء الأساسي له ويعرفه مباشرة من دفئه ومن حضن أمه الذي يعتبره العلاقة الوحيدة بعد علاقته بحضن رحمها. وهو الرابط الأول للحياة والراحة، كما أنه يمنح الطفل الأمان والدفء والحب، وهذه العلاقة علاقة ثدي الأم بالطفل تبني جسرا قويا بين الاثنين. لذلك من المهم إعطاء الطفل الوقت الكافي للهدوء والراحة بقرب الصدر.
ملاحظة:
(هذا البحث قدم للدكتورة لطيفة حليم لتقرأه في “غرفة صديقات أجمل العمر” مع بعض التعديلات) فشكرا لها.







