ميراي شحاده
اِفْرَحي وتَهَلَّلي يا قَلْحاتُ، واجْذَلي يا كورَتي الخَضْراء، ها هي ذي مَلِكَتُكِ تُقْبِلُ على هَوْدَجِ الشِّعْرِ مُخْتالَةً، نَهْتِفُ اليومَ أمامَها: طوبى للقوافي التي زَرَعتِها في رُباكِ، فأيْنَعَتْ زَيْتونًا وصَنَوْبَرًا وياسَمينًا.
لِمَنْ أنشدتْ للشجرِ والظلالِ أناشيدَ الحقِّ والخيرِ والجمالِ، وتورّطتْ في مُعاشرةِ أسودِ الانتظارِ، وورّطتنا في حبِّها وفي عبقِ أمكنتِها، وأثرتْنا بتلك الكنوزِ من ملحِ أرضِها ومواسمِ بخورِها… لِمَنْ ذوّبتْ ثلوجَ الغُربةِ عن قرميدِ أضلعِها، ودحرجتِ الحجارةَ عن قبورِكَ يا وطني، حاملةً أكفانَ الروحِ، مجنّحةً نحوَ الأعالي، رافعةً صلبانَكَ في كلماتِها… تخافُ عليكَ من جورِ الأعادي، ومن فتكِ الزمانِ، ومن وحشةِ المسافاتِ… تبكي عناقيدَكَ المسروقةَ، وتنشدُ حنوَّ حفافيكَ ودفءَ خوابيك!
لهذي التي ناجت خُزامى حقولِكَ من قبابِها الباريسيةِ، من البعيدِ هناكَ… مرحى بكِ، حوريةَ الألحانِ في موسيقى البحارِ، مرحى بكِ يا حلوى العيدِ وراعيةَ الضوءِ السجينِ… مرحى بمزاميرِكِ تُنشدُ غربتَها من الثقبِ الحزينِ.
يا شاعرةَ الغُربتينِ، هكذا ناداها هنري زغيب.
يا عصفورةَ المنفى، هكذا خاطبَها ربيعه أبي فاضل.
يا النابضةَ حياةً في صمتِ الجُذورِ، هكذا كتبَ جان ماري أوزياس.
يا مَنْ أعادتْ خلقَ اللغةِ، كما كتبَ بول جرافيّون.
يا أيتها المبدعةُ بين رواسي الحبِّ ووِهادِ الوحدةِ، صَقْرَةٌ لا تألفُ إلّا قممَ المجدِ، ولا تشبعُ من مداهُ الرحبِ!
يا دنيا السِّحرٍ بكلماتٍ رهيفةٍ رقيقةٍ، تغسلُنا بفجرٍ لا يحولُ، كما دوّنَ سيادةُ المطرانِ جورج خضر.
يا قامةً باسقةً من قاماتِ التمرُّدِ والحداثةِ، يا محطّمةَ الأصنامِ وأوثانِ الشّعرِ، والعازفةَ على إيقاعاتِ هذا الكونِ الرحيبِ.
يا وجهَ أمِّكِ، ويا عينيكِ اللازورديّتَيْنِ، نوافذَ شمسِها في ثرى الوجدِ والحنينِ.
يا أنتِ، وحُمْرَةَ شعركِ من ياقوتِ شِعركِ، ومِحْبَرَتِكِ الزرقاءُ!
يا المتوضِّئةَ على دربِ القمرِ، من مهدِ فؤادِ سليمانَ، وشمْتِ فضاءاتِكِ، ونثرتِ عطورَكِ على شفاهِ المدى، ولوّحتِ بالقُبلاتِ في ثغورِ الأبجديّاتِ.
كأنك بروميثيوس الأنثى، بروميثيوس الشِّعر، سرقتِ من سماء الإلهام قبسًا، وأودعتِه في قصائدك…تتأنّقين لنبض الحُبّ، لطُهر الجراح تقهقهين، وكالنبيذ الفاخر في كؤوس العاشقين غير آبهة بالدوالي…غير آبهة بالقطاف، وبالكرّامين!!!
فأين يسكنُ الإنسانُ لديك؟
أفي البيت والذاكرة، كما عند باشلار، أوفي اللّغة كهايدغر!
أيسكنُ في الحكاية التي يرويها عن نفسه كما ريكور أو يكتشفُ ذاته في لقاء الآخر كما عند ليفيناس،.
عند الشاعرة ربى سابا حبيب، يسكن الإنسان في هذه الأماكن كلّها معًا:
يسكنُ وطنًا وإن ابتعد عنه،
ويسكنُ ذاكرةً وإن مضى زمانُها،
ويسكنُ حبيبًا وإن باعدت بينهما المسافات،
ويسكنُ قصيدةً حين تعجز الأمكنة الأخرى عن احتوائه.
ولهذا، حين نكرّم الدكتورة ربى اليوم، فإننا لا نكرّمُ فقط شاعرةً ذرفت دموعَها بالعربية والفرنسية، بل نكرّمُ امرأةً جعلت من لغتين جسرًا، ومن الغربة سؤالًا، ومن الحنين ذاكرة، ومن الحب وطنًا ومن الوطن رجلًا ومن الشعر بيتًا للوجود.
فأجمل ما يمكن أن يفعلَه شاعرٌ: أن يمنحَ الإنسانَ بيتًا من الكلمات حين تضيقُ به الأمكنة.
مباركٌ لك هذا التكريم، ومبارك للكلمة التي وجدت فيك بيتًا، وللشعر الذي وجد في محبرتك جسرًا للعطور لا حدودًا للورود.
أمطري النجوم وارسمي الكلام
فبعضُ الحروف جياد أحلام
وهجك ربى يعبق في الدُنى
وأنت في دروب الشِّعر إمام
بلمند تهللي اليوم واطربي
جاءتك التي يفيض النورُ من ثغرها البسّام
جاءتك تدق أجراسَ الوصال
وتميسُ عِشقًا في الوهاد والآكام.
وجئناك قلحات نراقصُ أفياءها
تزدان وتزهو بلجينها الأيام!
***
*ألقيت في حفل تكريم الشاعرة د. ربى سابا حبيب في قلحات 28 آب 2026

