منيرة مصباح
تعتمد رواية ما بعد الحداثة في هذا العصر على مكونات عديدة ومختلفة في سياقها السردي الذي لا يعتمد على نسق واحد انما على أنساق عديدة متشظية ومتقطعة، هذا ما وجدته وأنا أقرأ رواية الدكتورة لطيفة حليم “نيران طرفي النهار”. وهذا الأسلوب في الكتابة السردية يندرج تحت نظرية التفكيكية في النقد المعاصر والذي ظهر في جامعة ييل ( (yale الأمريكية من قبل مفكرين وفلاسفة أمثال “جورج هيلس ميلر- J. Hillis Miller” و “جيفري هارتمن- Geoffrey Hartman ” وغيرهم من فلاسفة القرن العشرين الذين نظروا لما بعد الحداثة وركزوا على القراءة التفكيكية في الشعر والرواية وكافة الفنون من سينما وهندسة وتصاميم معمارية، وقد برزت المهندسة العراقية العالمية زها حديد في مجالها.
في رواية لطيفة حليم المترجمة الى اللغة الانكليزية “نيران طرفي النهار” نجد الشخصيات الواقعية بصور وأدوار تشترك فيما بينها بحبر المتن وحبر الهامش وهي تتابع ما بدأته في روايتها السابقة “نهاران”، لكن ما قامت به في هذه الرواية التي أهدتها الى ابنتها أسما، أنها جعلت من المكتبة التي ملأها الغبار في بيت الساردة هي المحور الرئيسي لمتن الرواية يترافق معها الحوار الدائر بينها وبين الزوج في الماضي والحاضر والمستقبل ومع رسائل الكمبيوتر في شتى المعلومات، ترافقها شخصيات ضمير الغائب حول متن المكتبة التي تعج بالأفكار المتباعدة والمتباينة في الزمان والمكان.
وكما عَهدْت لطيفة حليم في روايات سابقة فهي تتنقل بين الكتب وبين الشخصيات التي تدعم المتن أحيانا وأحيانا تشرد عن محيطها لتذهب الى الحداثة في تنوع الأفكار ما بين التراث المجتمعي القديم الذي تُبرز من خلاله جماليات الماضي أمام ضروريات حداثة الحاضر المكتسبة من الغرب. فهي تارة تتكلم عن مدينة تقع وراء البحار وطورا تتحدث عن قرية تدور فيها بعص أحداث الرواية. انها تتكلم عن الحرية والثياب والأطفال والمحبة والنساء وابن رشد، بينما الرياح تنفخ في أشرعة السفن الذاهبة الى الأندلس والسفن العائدة نحو الشرق عبر مضيق جبل طارق. الساردة في الرواية الى جانب أنها تزيل التراب المتراكم على الكتب، تتكلم مع صاحبها “زوجها” في حوار حول أمور أخرى تهم البيت والأولاد والطعام، فهو يذكّرها دائما بعملها الذي نسيته، ويلح عليها بالدخول الى المطبخ لتهيئ طاجن اللحم بالبرقوق، “يقترب منها يريد أن يزجي الوقت ليخفف من غائلة الجوع”.
إذا لطيفة حليم في هذه الرواية تراوح وتنتقل من المكتبة الى المطبخ الى رسائل البريد الالكتروني الى حديقة البيت”، في المكتبة وهي تنظف الغبار تكتشف كتب الشعر التي قرأتها في الماضي وكتب ابن رشد وكتب الأصمعي مع ذكر قصة “فاطمة والأسد”، الى كتب شكسبير وهوميروس وغيرها كثير من كتب التراث الإنساني ممن تذكرهم وتذكر ما يتضمنهم من قصائد وقصص تراثية وأفكار حداثية حصلت في زمنها وتحصل في زمن أولادها في العصر الحديث.
ان الكاتبة تتبع النظرية التفكيكية في كتابتها لهذه الرواية، فلا يوجد شيء متواصل في المعنى وفي الشخصيات هناك انتقال من فكرة الى أخرى ومن زمن الى زمن ومن الماضي الى الحاضر، فقط المكتبة والكتب وما يحتويها من أفكار تبقى لنهاية الرواية التي لا تحمل نهاية، مع الجدل الدائم بينها وبين زوجها. بينما في صفحات أخرى من الرواية تنتقل الى مونتريال في كندا والى غرفة صديقات أجمل العمر التي أسستها لتجتمع بصديقاتها وتناقش معهم ديوان لشاعرة أو رواية لكاتبة إنه مجتمع نساء مثقفات، هو صالون ثقافي للمرأة حيث تحاول الكاتبة من خلاله اثبات قدرتها على تصحيح المفاهيم، مفاهيم الحب والحرب والسلام والحرية والديمقراطية، وتشم عبق عطر وردة يجتاح غرفة صديقات أجمل العمر. ثم تتناول مع صديقة لها “الكسكس” في مونتريال في زنقة “ترودو”، تشاهد على شاشة الكمبيوتر “أبل” جثثا غارقة في الدماء، وتقول يعيدون تركيب الصور بحسب الأغراض التي يسعى اليها الإعلام الكاذب.. تختلط الحقيقة بالكذب… تختفي الصديقة ويظهر هو بجوارها يرتل القرآن: “فاذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان”… هكذا تنتقل من مكان ومن زمان إلى آخر ومن فكرة الى أخرى لتعود الى مسح الغبار عن الكتب التي اعتراها الزمن في غرفة مكتبتها كما اعترى أفكار تلك الكتب.
ان رواية “نيران طرفي النهار” تمتلك أحداثا كثيرة لكنها لا تأتي بالترتيب، الى جانب انها تعتمد على تداخل الازمان، وعلى نصوص أخرى لكتّاب آخرين أو نصوص تراثية أو حداثية تدل على ثقافات متعددة تستخدم فيها الرمز والتورية للإشارة الى الواقع. انها أحيانا تبتعد عن تحليل الشخصيات والنصوص وتفاعلاتها النفسية مع الحداثة التكنولوجية التي تغزو العالم.. أما الحوارات لديها فتأتي طبيعية لكنها مؤثرة ومشحونة بالعواطف والأفكار.
لطيفة حليم في هذه الرواية كسرت كل قواعد الزمن السردي واستخدمت تقنيات السرد المتعدد والسرد غير الموثوق وشككت في مفاهيم الحقيقة، كما أنها كسرت السرد التقليدي وجزّأت بعض التقنيات من أجل التداعي، ان ما بعد الحداثة لدى لطيفة ليست مجرد نظرية أدبية إنها رؤية للعالم فهي تقول من خلال “نيران طرفي النهار” ان العالم معقد ولا نستطيع فهمه من خلال السرد التقليدي”. ثم يأتي أثناء بحثها في أوراق الماضي دراسة عن الدكتور المصري زكي مبارك الملقب ب “دكاترة” لحصوله على واحدة من الجامعة المصرية أي جامعة القاهرة حاليا و2 دكتوراه من جامعة السوربون الفرنسية، وتقول انه كتب كثيرا في علم النفس وعلم الأخلاق وأصول الغرائز البشرية.
ثم تعود لتمسح الغبار عن المكتبة بمنديل جاف وقد تَغيّر لونه من أبيض الى رمادي، كما تتغير الأفكار، فالرمادي ليس أحادي. تفكر في تأويل الأسماء وتغيرها في اللهجة المغربية: “بوقسو” هي “بيكاسو”. “للا ستي كلينة” هي “الست كايا”. “بومية” هي “أبومي”. انها أسماء قولبتها الثقافة الشعبية المغربية حسب لهجتها، تناغما مع اسم فنان تشكيلي، أو سيدة صالحة، أو قرية وسط غابة الأرز. تمسح الغبار وهو يعلّم حفيده، وكوب نقيع ماء الزعتر حميم بيده، يرتل البسملة، انتبهت اليه حين اندلق نقيع الزعتر، ركعت على الأرض جففتها وهي تخفي غضبها، كما تخفي أفكارها سألته: التاريخ لا يذكر امرأة أثقل “الإملاق” عليها ولا يذكر من انخفضت الى الأرض تجففها. لا يجيبها يقرأ شعرا:
وأخذْتَ أطراف الكلام فلم تدعْ شتما يضر ولا مديحا ينفع.
هكذا تعود للماضي من خلال تذكر هذا البيت الشعري “للحطيئة” الذي دخل بسببه السجن. ثم تعود الى الحاضر فتقول له احتسي الزعتر جالسا على الكرسي وواضعا “الكاسكيط” أي القبعة على رأسك مثل الأدباء والمفكرين والفنانين والسياسيين وغيرهم….
تستمر في مسح الغبار عن الكتب، فيقع في يدها ديوان شعر لصديقتها الشاعرة منيرة فتقرأ منه قصيدة “آني في ظلال الزيتون” ثم تقول له أن الشاعرة أمريكية من أصل فلسطيني وقد كتبتها عن زميلتها الأمريكية التي ذهبت الى فلسطين أثناء حصار جنين لمساعدة النساء هناك أثناء الحرب، وعندما عادت لاستئناف عملها بالجامعة تحدثت لطلابها عن مقتل ولدي المرأة التي عاشت معها في حرب جنين، وعند تساؤل الطلاب عن صورتهما التي تضعها في جيدها قالت لهم هذان أخواي اللذان قُتلا في الحرب على جنين….
إن لطيفة حليم من ذكرها لهذه القصيدة تريد ان تقول ان هناك أناس غيرنا يحملون قيما إنسانية ولا يجب أن نضع الشعوب والافراد في إطار الصورة النمطية للحكومات والسياسات.
وتقول في روايتها، أنها بعد ذلك استلمت رسالة الكترونية من الشاعرة منيرة تقول لها أن الصديقة “آني قد توفيت” دون أن تعرف السبب.
تعود الساردة الى المكتبة تمسح الغبار تتكلم عن كتاب عنوانه ” أم هاني العبدوسية” لتطرح قضية شغلت المجتمع في فاس عن موضوع الطلاق في الماضي وأفكار العلماء في وقوعه. وحين تعود الى الواقع المعاصر تعود للمكتبة وتفكر بقضايا أخرى غير الطلاق، مثل ما قالته لها ابنة صديقتها ان في هذه المجتمعات هناك اعتداءات واغتصابات جنسية للأطفال وللقاصرين في عصر ما بعد الحداثة.. تبتعد الكاتبة دائما عن الماضي لكن تنظيف المكتبة مهم لذلك تضطر الى العودة للماضي حين يقع بيدها كتاب ابن رشد لتقول: “أبو الوليد” الذي حاول اكتشاف ما يدور في هذا الكون وقدم معلومات واسهامات فلكية مهمة في الحساب الفلكي وكما تقول المعلومات في عصرنا ان علماء الفلك قد أطلقوا في العصر الحديث أسم “أبو الوليد” على كوكب صغير في المجموعة الشمسية تكريما لما تركه للبشرية من علوم.
لطيفة حليم في الرواية تريد ان تبتعد عن الذاكرة والذكريات هي تريد ان تعيش الواقع المعاصر كما يعيشه أولادها بينما الصاحب (الزوج) يشدها للماضي الجميل، يرتل الآية: بسم الله الرحمن الرحيم.. وإذ قال موسى لأهله إني آنست نارا سآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تسطلون”. تردف: ان كتابة رواية كأنها انسلال من العقل والعودة اليه، هي تكتب بشهاب قبس من نيران، وهذه النيران لا تلتهم القارئ انما تفتح له طرقا وسبلا في هذا الكون للكشف والمعرفة، ولفتح أبواب جديدة لفهم المجتمع في أصوله وتحولاته كما انها تعطي المطّلع على الرواية أدوات تحليلية لفهم ما أرادته من هذه الرواية في عالم أصبح يتغير بسرعة فائقة. لكن حين تذكر الماضي تعطينا دائما معلومة جديدة ربما لا نعرفها أو ربما تكون من خيالها لأنها تريد من القارئ ان يبحث عن هذه المعلومة ليتأكد منها. تخاطب صاحبها وهي تمسح الغبار ” غدا نذهب الى رحبة القمرة.. نشتري قمح الخليل”. فلسطين دائما في سردها، لا تنساها أبدا في أي لحظة من لحظات كتابتها للرواية.
أتساءل هل القمح يزرع في الخليل؟ نعم تاريخيا الخليل من أهم المناطق التي كان يزرع فيها القمح وما زالت الى الآن مع انها مشهورة بزراعة العنب. لكن الكاتبة لتؤكد هذه المعلومة تذكر أن الرحالة الفرنسي “فرمانل” تحدث عن القمح عندما شاهد عام 1630 مجموعة من السفن راسية في مرفأ مدينة عكا تحمل هذا القمح لأعظم ملوك العالم في ذلك الوقت.
وتستمر تستذكر الكتب وهي تمسح الغبار عنها من رواية 24 ساعة في حياة امرأة الى حكاية جدة.. جدة.. جدة جدتها زهور وتفكر في الهروب لتحط قرب غرناطة وتقلب التراب لعلها تعثر على مخطوط تهافت التهافت الذي دفنته أخت جدة… جدة… جدة…جدتها … تحت التراب خوفا من حرقه. في هذه الرواية كما في رواياتها الأخرى دائما ما يكون هناك حاجزا اجتماعيا ما بين المرأة وانفتاحها على المعرفة وعلى خوض كل مجالات العلم والفن والأدب.
ثم تعود للماضي الأقرب، تقع في يدها رواية الطيب صالح “موسم الهجرة الى الشمال” تقول ان بطل الطيب صالح لم يهرب من وطنه انما عاد بعد غيبة طويلة، بينما النساء في قصص أخرى قد هربن مثل “زهور” من زقاق قاع وردة في احدى السرديات. كما أن أخت جدة… جدة… جدة… جدتها لم تهرب من غرناطة.
تترك السياسة في تحاورها مع رجلها فيقول لها: الحل الوحيد لخروج الازمة هو ان نخرج جميعا من هذا العالم العربي ونترك الأزمة لوحدها.. تعود لمسح الغبار عن مجلدات “لسان العرب” تقلب صفحاته وتقرأ في أحداها: “روي عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم، أنه تزوج امرأة من العرب فلما أدخلت عليه قالت: – أعوذ بالله منك فقال: – لقد عذتِ بمعاذ فالحقي بأهلك. تغلق صفحة 329 من لسان العرب مجلد 11 ابن منظور دار بيروت الطبعة الرابعة 20025. لطيفة حليم في هذا الجزء من السرد تريد ان تقول ان المرأة في التراث العربي لم تكن الا حرة في اختيارها.
ان رواية ما بعد الحداثة التي تسير في كتابتها لطيفة حليم، تكسر القواعد التقليدية وتتلاعب بالسرد وتخلط بين الواقع والخيال وتستخدم تقنيات عديدة مثل التجزئة والتناقض والاستعارة.
تنتقل الى ذكريات طفولتها وهي تمسح الغبار عن الكتب، تذهب الى دار جدتها في قاع وردة تتذكر قصة فتاة يتيمة الأم تلتحق بالقسم الداخلي لميتم الراهبات الذي يقع قرب حي قاع وردة حيث تعلمت على يد الراهبات خمسة أعوام، طوال المدة التي كان فيها والدها يخوض الحرب حتى عام 1946. واثناء مسحها للغبار تقع على رواية موسومة ب “خالد” لأمين الريحاني، لكن يفاجئها ابنها أسد على السكايب فتكلمه. تنتقل من المكتبة الى الحديث المباشر على السكايب مع ابنها الذي يحيلها الى صديقه خالد ابن صديقتها فاطم التي درست على ايد الراهبات في صغرها. هنا تطرح لطيفة مفاهيم الشباب المعاصر عن الكون والعالم وتوحد الشعوب على الكرة الأرضية شكليا من خلال انتشار اللباس والأكل، لكن أيضا من خلال مفهوم وحدة الأرض ووحدة عالمنا الانساني.
هذا التراوح في الرواية يعيدني الى ما يقوله المنظر الأمريكي “جفري هرتمن” وهو أحد مفكري مدرسة “ييل” في النظرية التفكيكية كما ذكرت سابقا أنها تشكيك في المعنى الأحادي، وخلخلة للثوابت العقلية، ورفض الوصول الى تأويل واحد ونهائي، وترك الفضاء مفتوحا أمام دلالات متعددة ومختلفة في الرواية والشعر انه خيال يحتفل بحريته من احالته للواقع مع كاتب أو شاعر واع لأسسه التخييلية.
في “نيران طرفي النهار” وفي حوار الساردة مع زوجها المتخصص في اللسانيات تخبره ان كثيرا من الكتب التي كان يداوم على قراءتها قد اختفت من رفوف مكتبتها ولم تعد تعثر عليها “الانثروبولوجيا البنيوية لكلود ليفي شتراوس”. تعرف انه قرأ هذا الكتاب مرات عديدة خلال سنوات الجمر، وهي فترة من تاريخ المغرب السياسي. يعود للكلام وهو يبحث في جوهر الفكرة عن أصل اللغات، جميع اللغات أصوات بشرية واحدة وأن التشابه يكمن في المكونات الأولى للذهن البشري.
رواية “نيران طرفي النهار” لا تحمل نهاية أنما جملة تقول: “يسقط من يدها كتاب، من نبحث عنه بعيدا يقطن قربنا!”
هكذا تنتهي لطيفة حليم من كتابة روايتها بعد ان نظرت للتراث الأدبي والجمالي لا بكونه حقيقة ثابتة بل نصوصا متقاطعة تؤدي للتفكير والنقد كما أكدت على موت البطل الواحد، مع التركيز على شخصيات مشتتة متعددة الأصوات مما ألغى فكرة المركزية في الرواية، مع ظهور تقاطع الأزمنة وتداخلها، “ماضي وحاضر ومستقبل” حيث انها خلقت حالة من التشتت المتعمد للقارئ مع زعزعة في المعنى الذي أرادته الساردة من خلال المفارقات والتناقضات التي وضّحتها. لقد أكدت لطيفة حليم ان لكل حقيقة وجها آخر وان النهايات المفتوحة أو الغامضة هي القاعدة كما ان النص المفتوح يحفز القارئ على المشاركة في إعادة بناء النص وفك شفراته بدلا من تلقي الحكاية الجاهزة.
دكتورة لطيفة حليم:
-باحثة جامعية قدمت عدة محاضرات جامعية حول أدب ما بعد جبران
-صدر لها:
أنطولوجيا الادباء والمفكرين العرب في كندا عام 2016
رواية دنيا جات 2007
رواية نهاران 2012
رواية نيران طرفي النهار 2024 وهي مترجمة للغة الانكليزية.





