ميراي شحاده
نلتقي حول كتاب تدور موضوعاتِه في فلك فلسفة بناء الذات، لكنّ أهمية الكتاب ومؤلّفه لا تكمن في انتمائه إلى هذا الحقل فحسب، بل في أنّه يعيد وصل هذا الحقل بجذوره الفلسفية والإنسانية. فهو يذكّر القارئ بأنّ كلّ حضارة عظيمة بدأت بفكرة، وكلّ فكرة بدأت بسؤال، وكلّ سؤال بدأ بإنسان امتلك شجاعة تغيير نفسه قبل محاولة تغيير العالم.
وفي مسيرةٍ من الإخاء الثقافي البنّاء بين مؤسسة زادي ومنتدى شاعر الكورة الخضراء، ومن وحي الإنسان وإنسانيته، استطعنا معًا أن نرسّخ مفهوم النجاح الثقافي من خلال منشوراتنا وندواتنا، والتسلّح بالكلمة الهادفة على امتداد الجغرافيا اللبنانية. فجاء هذا الكتاب، كتاب الأستاذ غسان سعيد نصر، ثمرةً من ثمار هذا المسار الثقافي، ونموذجًا حيًّا لهذا النجاح.
وبالعودة إلى الكتاب ومؤلّفه، نجد أنّه يأتي في زمنٍ أصبحت فيه كتب التنمية الذاتية من أكثر الكتب انتشارًا، غير أنّ كثيرًا منها ينزلق إلى تبسيط النجاح، وتحويله إلى وصفاتٍ جاهزة، وكأنّ بلوغ الغاية لا يحتاج إلا إلى بعض العادات أو الكلمات التحفيزية. أمّا هذا الكتاب، فعلى الرغم من لغته الواضحة والمباشرة، فإنّه يلامس سؤالًا فلسفيًا عريقًا رافق الفكر الإنساني منذ الإغريق حتى الفلسفة المعاصرة:
كيف يصنع الإنسان نفسه؟
فالنجاح هنا لا يُقدَّم بوصفه امتيازًا للنخبة، ولا ثمرةً للحظ، بل بوصفه عمليةَ تكوينٍ مستمرة للإنسان. إنّه ليس نهاية الطريق، بل هو الطريق نفسه؛ ذلك التحوّل الهادئ الذي ينتقل فيه الإنسان من نسخةٍ محدودة من ذاته إلى نسخةٍ أكثر وعيًا، وأكثر قدرةً على الفعل، وأكثر مسؤوليةً تجاه نفسه والآخرين. وما شدّني في هذا الكتاب وأثار إعجابي هو منهجيته؛ إذ يقوم على بناءٍ تصاعديٍّ متماسك يمتدّ عبر خمسة فصول، تتكشّف فيها معالم النجاح بوصفه عمليةً تراكمية. فقد اعتمد المؤلّف منهجًا متدرّجًا ينتقل بالقارئ من بناء الذات إلى بناء الإنجاز، ومن إصلاح الفكر إلى تحقيق الأثر.
وما بين الطرح التأملي والتوجيه العملي، ينجح غسان نصر، بذكاءٍ لافت، في تحويل المبادئ إلى ممارساتٍ قابلة للتطبيق، مستندًا إلى التجربة الإنسانية، وإلى مفاهيم فلسفية تناولت بناء الذات، واكتساب الفضائل، وقوة الإرادة، ومعنى الحياة، كما تتجلّى في فلسفات أرسطو، والرواقيين، وفريدريك نيتشه، وفيكتور فرانكل، وغيرهم من المفكرين الذين جعلوا الإنسان محورًا للتغيير. (راجع تحليل فلسفي)
ولا يدّعي المؤلّف أنّه يقدّم وصفةً جاهزة للنجاح، بل يدعو كلَّ واحدٍ منّا إلى أن يصوغ تجربته الخاصة، انطلاقًا من إيمانٍ راسخ بأنّ لكلّ إنسان طريقه الفريد، وأنّ النجاح الحقيقي يبدأ يوم يختار الإنسان أن يتجاوز ذاته، وأن يجعل من كلّ تجربة، مهما بلغت قسوتها، فرصةً للنموّ والارتقاء. وهكذا يغدو النجاح فعلًا وجوديًا، لا مجرّد نتيجةٍ مادية، ومسيرةً لا تنتهي من السعي إلى الكمال الإنساني.
فالإنسان ليس كائنًا مكتملًا، بل مشروعًا مفتوحًا على التكوين المستمر. لذلك لا تكمن عظمته في التفوّق على الآخرين، بل في تجاوز ذاته؛ أي في قدرته على التحرّر من نقاط ضعفه، وعاداته المقيِّدة، ومخاوفه، وصورته القديمة عن نفسه، ليصبح في كلّ مرحلةٍ نسخةً أرقى ممّا كان عليه.
وأختم بالقول: لا تُصارع سوى نفسك؛ ففي الأرض متّسعٌ للجميع. ولا تُواجه إلا ذاتك؛ فما يستحقّ الانتصار حقًّا ليس الآخر، بل ذلك الإنسان الذي كنتَه بالأمس. فالنجاح الحقيقي ليس أن تتقدّم على الناس، بل أن تتقدّم على نفسك، يومًا بعد يوم.
كن الطريق، وكن السماء
وشمسًا لا تعتذرعن الظلال!
كن النبض، وكن الحياة وامضِ
لآفاق العلى لسدرة الكمال
واجعلْ من الأحلامِ جسرًا
تعبّد بها دروب المحال.
(تحليل فلسفي)
من عبارة سقراط الشهيرة: «اعرف نفسك» المعرفة الحقيقية تبدأ من الداخل.
إلى أرسطو ومفهوم الفضيلة: هي ليست موهبةً فطرية، بل عادة تُكتسب بالممارسة، وأنّ السعادة ليست شعورًا عابرًا، وإنما ثمرة حياةٍ تُبنى على الانضباط والاعتدال والعمل.
إلى الرواقيين، حيث الفكرة نفسها تتخذ بعدًا أكثر عمقًا: فالإنسان لا يستطيع أن يتحكم بما يقع له، لكنه يستطيع أن يتحكم بطريقة استجابته له (الخوف، والفشل، والألم، ليست عوائق في طريق النجاح، بل أدوات لتشكيل الشخصيَّة).
هي إعادة صياغة حديثة للحكمة التي ترى أنّ الحرية الحقيقية هي سيادة الإنسان على نفسه.
إلى نيتشه الذي نقل السؤال من الفضيلة إلى تجاوز الذات؛ فكرة “الخروج من منطقة الراحة” إلى الإنسان الذي يرفض السكون، ويصنع ذاته باستمرار من خلال مقاومة الضعف والتغلب على القيود.
إلى القرن العشرين، مع فيكتور فرانكل وتعريف النجاح من خلال مفهوم المعنى: فالإنسان، لا يعيش من أجل اللذة وحدها، ولا من أجل السلطة وحدها، وإنما من أجل معنى يمنح حياته قيمة. ولهذا لا يبدو النجاح في هذا الكتاب مجرد تراكم للإنجازات، بل رحلة بحث عن حياة أكثر امتلاءً ووعيًا.
إلى عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو والقيمة الحقيقية للكتاب التي تتجلّى عندما نقرأه قراءةً اجتماعية في رؤية سوسيولوجية: فالإنسان لا يبني ذاته في فراغ، بل داخل شبكة من العلاقات والقيم والرموز: لا يعتمد النجاح على الجهد الفردي وحده، بل يتأثر أيضًا بما يمتلكه الإنسان من رأس مال ثقافي واجتماعي؛ أي بالمعرفة، والبيئة، والعلاقات، وأنماط التفكير التي يكتسبها داخل محيطه. لذلك فإنّ دعوة الكتاب إلى الإحاطة بالناجحين، والابتعاد عن البيئات السلبية، ليست مجرد نصيحة أخلاقية، بل تعتبرُ البيئة شريكًا في صناعة النجاح.
إلى فلسفة ميشال فوكو في مفهومه عن تقنيات الذات (Technologies of the Self)، حيث يرى أنّ الإنسان لا يُولد مكتملًا، بل يصوغ نفسه عبر ممارسات يومية من التأمل، والانضباط، والمحاسبة، والعمل المستمر على تهذيب الذات
إلى رؤية حنة أرندت التي جعلت من البدء جوهر الفعل الإنساني: فالإنسان يمتلك دائمًا القدرة على أن يبدأ من جديد، مهما كانت إخفاقاته. وهذه الفكرة تظهر بوضوح في دعوة الكتاب إلى عدم الاستسلام للماضي، وإلى اعتبار كل بداية جديدة فرصة لإعادة كتابة المصير.
***
*ألقيت في حفل توقيع كتاب “الممر الإلزامي” لغسان سعيد نصر في المكتبة الوطنية_بعقلين، برعاية وزارة الثقافة ممثلة بالأستاذ غازي صعب، وبحضور ممثل شيخ العقل لطائفة الموحدين الدروز الدكتور سامي أبي المنى الشيخ فادي العطار ، وممثل مؤسسة العرفان التوحيدية الشيخ سليمان الحلبي وحشد من المثقفين وأهالي كفرنبرخ والجوار ..
قدمت الحفل الإعلامية أميرة حمادة، وشارك فيه إلى جانب الأديبة ميراي شحاده ( رئيسة منتدى شاعر الكورة الخضراء عبدالله شحاده الثقافي)، مديرة مؤسسة زادي الثقافية الكاتبة عبير عربيد، الشاعر زاهي وهبي، الأستاذ غازي صعب (كلمة وزارة الثقافة)، الكاتب غسان نصر .


