قراءة خديجة عسري لأدب منيرة مصباح في المهرجان الدولي للشعر “عبق الخريف”  في مكناس- المغرب

 

 

 

 

قراءة خديجة عسري احتفاء بالشاعرة والناقدة والباحثة منيرة مصباح في الامسية الشعرية التي شاركت فيها ضمن المهرجان الدولي للشعر “عبق الخريف”  في مكناس- المغرب 8 أكتوبر2025 

 

 

مساؤكن سعيد عزيزاتي صديقات أجمل العمر

أود بداية أن أرحب بنجمة هذا اللقاء الشاعرة والأستاذة منيرة مصباح وان اشكر الأستاذة لطيفة حليم علي تنظيم هذا اللقاء 

لا اخفي عليكنّ انه عندما طلبت مني الأستاذة لطيفة تقديم وقراءة في مسار الدكتورة والكاتبة والشاعرة والأكاديمية منيرة مصباح ترددت لكوني لست لا أديبة ولا أستاذة ولا شاعرة وان مساري وتكويني بالأساس علمي ولغة اشتغالي هي الفرنسية والانجليزية ومجالات اشتغالي تتمحور حول البحث العلمي التواصل حقوق الإنسان، وليست لي أي معرفة بضيفتنا.

قبلت لان لطيفة تكن لها حبا كبيرا ولطالما حدثتني عن صديقتها بشيكاغو وأحيلكم على روايتها التي خصصت فيها يوما كاملا قضته بهذه المدينة، قبلت شريطة أن تمدني لطيفة بالمادة لتحضير مداخلتي. لكن لما بدأت بحثي أدركت حجم وكبر المهمة، كيف لي أن أقدم ضيفتنا الأكاديمية والباحثة والشاعرة والإنسانة المعطاءة كأستاذة جامعية للغة العربية في جامعة شيكاغو(Chicago)  أطّرت أجيالا من الشباب من جنسيات مختلفة. كيف لي أن أطّلع على كل إصداراتها وكل ما كتب عنها وكذلك كل  الحوارات الصحافية سواء المكتوبة أو المرئية التي أجرتها معها عدة منابر إعلامية عربيه وأجنبية، ما كان لي إلا أن أغوص في هذا المحيط المعرفي الشيق والممتع رغم أنى لا املك أدوات فك رموزه والغوص في أعماقه. 

أول ما استوقفني الاسم منيرة: “نور”، ويعني المرأة المشرقة والمتوهجة التي تضيء المكان :اسم يدل على النور والسطوع.

 أما أصل لقب “مصباح“؟ فهو اسم علم مذكر يعني القنديل الفانوس السراج وفي التنزيل ﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾ [ النور من الآية 35]

اسم على مسمى فضيفتنا هذا المساء التي رأت النور ببيروت أضاءت فضاء المعرفة بمساهماتها الأكاديمية كباحثه في مجال اللغة العربية الأدب العربي والأوروبي والأمريكي وكشاعرة أغنت بدواوينها المكتبة العربية والعالمية.

تلقت تعليمها الجامعي في مجال الفلسفة ببيروت وفي مجال الإعلام من جامعة الكويت قبل انتقالها إلى الولايات المتحدة الأمريكية لإتمام دراستها العليا –حيت استقرت وعملت في البحث الأكاديمي كما درّست اللغة العربية في مركز الدراسات الشرق أوسطية في جامعة شيكاغو منذ 1998 القسم العربي.

كشاعرة شاركت في العديد من المهرجانات والأمسيات الشعرية والندوات في العالم العربي وفي أمريكا وكان لها حضور متميز في المغرب حيت شاركت في ندوة (المرأة.. التاريخ.. والابداع) بدعوة من جامعة القاضي عياض في مراكش،25 – 26 – 27 نيسان 2005.

سأحاول أن أقدم قراءة في بعض إصدارات الأستاذة منيرة مصباح الباحثة للوقوف على:

 – اهتماماتها الأكاديمية وبعض تصوراتها حول اللغة والشعر، وتقديم شهادات أساتذة ونقاد في خصوصية شعرها، واختم بقصيدة شعرية استوقفتني بجماليتها وسياق كتابتها قدمتها ضيفتنا كهدية لصديقة لها بجامعة شيكاغو كانت تحب فلسطين وتناضل من اجل تحريرها.

مقتطفات من دراسات الباحثة والأكاديمية   

*- سفر الكلمات كتاب في النقد الأدبي 

الإصدار عبارة عن دراسة للعديد من أعمال المبدعين العرب في الرواية والقصة والشعر بالإضافة إلى دراسات في النقد لأبحاث في الأدب العالمي. ينقسم إلى أربعة فصول: 

 الفصل الأول تحت عنوان شموع فلسطينية تضمن دراسات عن 8 مبدعين فلسطينيين أثروا الثقافة العربية.

– الفصل الثاني تحت عنوان دراسات في الشعر عن 11 شاعرا عربيا من مختلف الدول

– الفصل الثالث تحت عنوان دراسات في الرواية والقصة عن 15 روائياً وقاصاً من كافة أنحاء العالم العربي.

– الفصل الرابع تحت عنوان دراسات في النقد عبارة عن 7 أبحاث في الأدب العالمي.

يكتشف القارئ لهذا الإصدار على العديد من مجالات اهتمام منيرة مصباح الشعر والرواية والقصة على الصعيد العربي والعالمي .

*- الاستعراب والأدب 

استهلت ضيفتنا مداخلتها خلال مجمع اللغة العربية في دمشق بان لقوة الخيال وصراع الأفكار واستشفاف الطاقات الخلاقة الكامنة في روح البشر، دور كبير في الكتابة الأدبية وما تتضمنه في كل تجلياتها — أن اللغة الإبداعية الخاصة هي العبور للأخر في كل زمان ومكان.

 والمبدع في اللغة يحاول دائما إطلاق  أفكاره عبر الكلمة ليسير باتجاه المعرفة التي توصله إلى التطور عبر العصور والحضارات..

. . . لكن إذا نظرنا إلى مختلف الثقافات، نلاحظ أن هناك ثمة مساحة بين مناهج العلم المعمول بها في العلوم الإنسانية، كالأدب والفلسفة وغيرها. فالعطاء الفكري الى جانب انطلاق الخيال يرتكز على منهج الإدراك وليس على القوانين والمعادلات فقط، والموضوع ليس صراعا بين الوجدان والفكر، بين الخيال واللغة، فالاثنان ملازمان للإنسان المتمسك بإنسانيته.

 وتضيف منيرة هذا ما وجدته عند عالم اللغات المستعرب “أغناطيوس كراتشكوفسكي”، وعند الأديب الروائي “إيمليان ستانييف”، هكذا الكتابة وكل أشكال التعبير الفني تستلهم الإرث البشري في تجربته الثقافية العريقة لتستفيد من انجازاته، ولتصبح بذلك موقفا تنويريا ينقل تمرد الإنسان على فرادة تشذ في دروب الحياة الثقافية الوعرة والطامحة للارتقاء بمستوى الإنسان فكريا وأدبيا

*- الخيال.. الحدس.. الواقع والأدب

تقول ضيفتنا: كل نتاج إنساني هو تعبير عن لحظة لم تعلم بعد، أو مازالت غير معلومة وبما أن اللغة هي أفضل تعبير عن لحظة الخيال، فهي تأتي من جو ذهني معاصر وموغل في التجربة الإنسانية المعقدة والواقعية. ويدفعنا الشعر إلى التساؤل: من أين ينبع الشعر؟ من الواقع أم من الخيال؟ أم منهما معا؟

إن الشعر يكتب باللغة، لذلك فهو عبارة عن منابع للغات. وبما أن اللغة نتاج اجتماعي وأداة يتواصل بها الناس، ويقنع بعضه بعضا بها، فإن دراسة تلك المنابع ضرورية، ولا تنفصل عن دراسة المجتمع الذي تنشأ فيه..

إن الشعر الذي وجد كنتاج مستقل في الفنون كان أيضا أداة مشتركة لنقل التاريخ والقانون…و سبب ديمومته هو حاجة الإنسان للخروج من محيطه المادي وتحليقه عاليا في سماء الفكر والحدس والخيال واللغة… كما أن الشعر هو الوعي الذاتي للإنسان، ليس كفرد بل كمشارك للآخرين في عالم كامل من التفاعل المشترك، لكنه يحمل لدى كل فرد هدفا مختلفا.

وتضيف برأيي إن كل نشاط ذهني ينبع من الخيال والواقع المحيط بالإنسان، مع اختلاف الإنسان نفسه، وحسب تجليات الفكر لدى كل فرد. وبدون المدركات الحسية هذه والنابعة من المحيط، لن يوجد الفن ولا أي شيء آخر.

فالشعر هو تاريخ إنساني يبرز صراع الإنسان مع الطبيعة، حتى يحدد «إنسانيته… ومن يقول إن الشعر مادي ورمزي في نفس الوقت، فهذا نوع من التوافق الصحيح، لأن المادية ليست ضد الرمزية، فكل منها يكمل الآخر ويعطي مفهومه للآخر. 

إن اللغة في كل نتاجاتها الشعرية والأدبية والعلمية، تحتوي على مزيج من كلا الأمرين. هذه الحقيقة تعود إلى أن الإنسان في حياته الفعلية، يكافح دائما وبنشاط، ليحقق البيئة التي تتوافق مع مجتمعه، وليحقق الاتساق مع الجمال، وكل ذلك ليعيش حريته. لذلك تأتي اللغة مطبوعة بالطابع الإنساني، فيأتي الاتساق ليكون فضيلة العلم، والجمال فضيلة الشعر.

أما الشعر، فيتميز بمشاعر مكثفة، وهي مشاعر جمالية بالطبع، تختلف عن مشاعر ردود الفعل الانفعالية تجاه المعاني.

منيرة مصباح الشاعرة

شهد لها الروائيون والادباء والشعراء بصدقها الفني وعشقها للوطن. قال عنها الأستاذ الدكتور والشاعر عبده بدوي ألذي كتب مقدمة مطولة في أول ديوان صدرلها “سيدة البراعم”:

(في ضوء هذا رأينا الشاعرة تتسلح بالصدق الفني وتدخل بنا عالما جديدا بعيدا عن التزويق والافتعال والصيغ الجاهزة…… وقد كان معنى هذا انها تتعامل مع عالم شقي مليء بالنفي والقهر والغدر والاستلاب والغربة، وما يهمنا أساسا انه عالم جديد متميز ومعاش وانه ضارب في الصميم من عملية الابداع… لقد أعطتنا الشاعرة قضية ايمان رائع ونبيل ب “سيدة البراعم”).  

“أتنفسك حنين

يرى الناقد حسام عقل أن ديوان “أتنفسك حنينا” عبرت من خلاله الشاعرة عن صور شعرية رائعة تعبر عن قدرتها على نحت الصورة الشعرية وأشار إلى أن النيل بالنسبة لها يعتبر شاهدا على تحطيم القيود ولديها بعد علوي مخايل للصورة الشعرية ويقرب للبعد الصوفي كما أكد على أن منيرة مصباح دائمة الإبداع في تصوير المدن والتعبير عن عشقها للمكان فهي مفتونة بسحر الوجدان وهذا يظهر في قصيدة القاهرة عالمك المفتوح وذلك يؤكد تفاعلها وعشقها للمدن. وأضاف أن معجم منيرة مصباح رومانتيكي بحت وذلك يظهر بشكل واضح في اختياراتها للمفردات. 

اما الروائية أمينة زيدان فترى أن الشاعرة تطالب بوجود علاقة حب بين التراث والمعرفة وأن الأماكن تعتبر انعكاسا عما تراه منيرة مصباح وقد يكون بعيدا عن الواقع ولكنه إحساسها الراقي.

كما يرى الناقد د. محمود الضبع أن الشاعرة لديها اكتفاء ذاتي للمشاعر والعطاء الداخلي ويتضح ذلك من عدم وجود من يوجه له الكلام كما هو معتاد في القصائد الشعرية ولكن هي تنقل لنا صوره كاملة وهذا يؤكد له نظرية أن كل رجل بداخله امرأة يلتمس ويستمد منها البعد الرومانسي وأيضا كل امرأة بداخلها الرجل الذي تستمد منه نفس البعد الرومانسي، وبناءا على ذلك فان هذا الذي تتنفسه حنينا هو بعد ذاتي موجود بداخلها ويرى أن هذا يعد تعمق بالبعد الصوفي في تمجيد الذات من خلال المكان.

امرأة في عزلة الرياح

يقول إبراهيم خليل ابراهيم مجلة دنيا الوطن:  ما بين “سيدة البراعم” الديوان الأول للشاعرة منيرة مصباح، و “امرأة في عزلة الرياح” هناك “خضاب الندى” و“ديوان التجليات“، وكلها تحمل قاسماً مشتركاً هو المنفى والاغتراب.

الإحساس بالمنفى في شعر منيرة مصباح ليس ذلك المرتبط بالمكان فقط؛ إنه تلك الحالة القابعة في دواخلنا والتي نعيشها كلما ازدادت معرفتنا الفكرية للحياة وللكون ولصيرورتنا الإنسانية في عالم يضج بالمتناقضات، تلك التي كلما حاولنا التناغم فيما بينها انتابنا ذلك الإحساس العميق بالعزلة الروحية وبالمنفى الجسدي

ويقول الروائي والأديب جبرا إبراهيم جبرا عن شعرها:

*تدهشني قصائد منيرة مصباح، هذه الشاعرة المتجهة بأوجاعها دوما صوب عيون تشرق فيها شمس الأرض التي تعشقها، وتعيش مع حجارتها المتفجرة واشجار حزنها. هذه القصائد الو لهى، الصارخة، الململمة رموزها وصورها من روابي التربة الحمراء، وفضاءات النوارس الحاملات فيض النور على حفافي البحر والليل.

 وتدهشني هذه القصائد بطفولتها وفوضاها، كما بغضبها وضوضائها المنطلقة من سراديب الألم والتوق لكيما تورق الصحراء، وينتشر الخبز والزيتون في الأرض، ويضمحل إثم الزمن المحفور في الوجوه والأجساد.

فشاعرية منيرة مصباح تجمح في كل الاتجاهات، وإذا ما الاتجاهات كلها التقت أخيرا في بؤرة واحدة تجذبها وتطلقها، هي الحب، فالحب هو النابض الكوني أبدا في وجود عاشقة الوطن هذه، وهي التي تريد ان “تنتشر بين شرايين تلك الارض”، كالجذور التي ترفض الموت. وتأتي قصائدها غابات مظلمة ومشتعلة معا، مظلمة بكثافتها، ومشتعلة كالحرائق بتحرّقاتها.

في قصائد ديوانها “امرأة في عزلة الرياح” والتي كتبت في شيكاغو، لم تبتعد الشاعرة كثيراً عن ما قاله عنها جبرا في الديوان الأول باستثناء اختلاف عمق التجربة الشعرية لديها، وتغير المكان والزمان المحيطين بها والذين أضفيا على قصائدها خصوصية التوحد مع الذات ومع الروح.

سأقرأ لكن قصيدة ‘كوني كما أنت وأطلب من شاعرتنا أن تقرأها لنا حتى نتمتع بإحساسها وشاعريتها.             

  كوني كما أنت ترحالاً في البلاد، كي يمنحك الموج، صوراً وحكايات، تاريخاً ينثر في الأرض سحاباً، وأطفالاً باعوا العمر، برعشة مجد،

كوني كما أنت، شاهدة فوق فضاء العدل، كي يعطيك الشجر، هواءً وإضاءات، حلماً في رحلة بحث، ومواويل تبحر، في أسرار اللحظة.

كوني كما أنت، حقيقة.. توقظ في أعماق الناس، طيوفاً وشعاعات، سفراً تحت ظلال الخضرة، زيتوناً في هدأته، روحك تمضي، يسيل مداه فيمحو من فضائك خطو الخوف

كوني كما أنت مرآة للجرح النازف، من خاصرة الأرض، للدم السائل شفيفاً، من ماء الدمع ومن جسد الطفل،

كوني كما أنت، سطراً يحمل حبر الشهداء، زمناً للون الصادق، في الكون الموغل في حيرته، في وطن كاد ليبدأ فيك، نشيد السفر، ويسرق منك غيم الليل، من فجوات العمر

اترك رد