وقَّع الأديب سعيد أبو نعسة روايته الثامنة “شمسٌ قُبَيل الفجر”، خلال لقاء نظمه “مجلس بعلبك الثقافي”، بالاشتراك مع “اللقاء الثقافي”، في قاعة الدكتور حبيب الجمال في بعلبك، بحضور رئيس قسم محافظة بعلبك الهرمل دريد الحلاني، رئيس اتحاد بلديات بعلبك حسين علي رعد، وفاعليات ثقافية وتربوية واجتماعية.
زعيتر
وأشارت عريفة الحفل ريم زعيتر، إلى أن “أسلوب الرواية مختلف، يجعلك تضحك وأنت تتابع حركة الشخوص ونقاشاتهم الفكرية، فلا تشعر بأي ملل.
يقنعك عبدو بنقده الساخر لحياتنا الاجتماعية، وتديّننا الشكلي المناقض للدين، وخلافاتنا المذهبية وتعصبنا المقيت؛ وبتصويره البانورامي لمعضلات حياتنا التي تستعصي على الحل”.
وأضافت: “لم أستغرب تفرّد الرواية بأسلوب كوميدي جذاب، زاوج بين السرد والوصف والحوار، فقد اعتدنا من الأديب سعيد أبو نعسة هذه الطريقة المحببة في الكتابة. أبارك له هذا المولود الجميل والجديد، وأدعوكم جميعا إلى اقتناء الرواية وقراءتها، لانها فعلا تستحق”.
شريف
واستهل رئيس مجلس بعلبك الثقافي الأمسية بقصيدة عاميّة نقتطف منها:
“لا تحتدي ولا تهدي
ولا تروحي بعيد
بتمنى تضلي حدي
تيضل العيد
معقول الهمة تشدي
عنا مواعيد
دواية والحبر مصدي
ومولود جديد
لحيفا كتبت العودة
بمشوار بعيد
لو تعرف شو بدي
خيي سعيد
بطلب من ربي الأزمة تعدي
ويفنى الرعديد
وشمسك تشرق هالمدة
بعمر التوريد
قبل الفجر المندي
البنور يفيض
علينا بالأمل الفضي
المفعم تنهيد
ورحمة تخفف من شدة
بشرحه تسرح وتميد
تنفث بعلاك مصدي
والكره يجيد
وبالآخر منك بدي
وأنت الصنديد
تستبدلها بمودة
والحقد تبيد”.
العفي
وألقت زهراء العفي كلمة “اللقاء الثقافي”، فرأت أن “رواية شمس قبيل الفجر، تتناوبُ فيها اللغةُ الفصحى واللغةُ الشعبيّة، وهذه الأخيرةُ بالذّات هي ما منحَ العملَ نكهتَه الخاصّة ولذّتَه المميّزة. إذ حين يلجأ الكاتبُ إلى لغةِ الناس، إلى تلك اللغة التي تتدفّق من قلبِ اليوميّ والعفويّ، يكونُ قادراً على التقاط ما تعجزُ عنه الفصحى أحيانًا من خلجاتٍ دقيقة وأصداءٍ حيّة. هنا تتجلّى براعةُ الأديب، الذي لا يُخاطبنا من شرفةٍ عالية، بل يجعلنا نشعر أنّنا نجلسُ وإيّاه على مائدةٍ واحدة، نتقاسمُ اللغة كما نتقاسمُ الخبز”.
واعتبرت أنّ “الحبكةَ في الرواية تَسحرُ القارئ إلى حدّ أنّه ينسى أنّه بصددِ حَبكٍ فنيّ، فيصدّق الأحداث كما لو أنّها تقع أمامه للتوّ. سأتركُ للقُرّاء لذّةَ اكتشاف ما أعنيه بهذا، فلا شيء أجمل من أن يتورّطَ القارئ في لعبةِ السرد دون أن يشعر”.
وتابعت: “ما شدّني لمتابعةِ الرواية حتى نهايتِها، رغم ابتعادي عن قراءة الرواية منذ زمنٍ طويل، فهو البناءُ الثقافيّ الرصين والخلفيّةُ الفكريّة التي تفيضُ منها. لقد انشغلتُ طويلاً بالمعرفة في تجريداتها، وكان الشعرُ أو السينما هما ملاذي حين أفتّش عن جمالياتٍ أخرى. لكن هذه الرواية أعادتني إلى الرواية كفنّ، وأقنعتني أنّه حين تُبنى على عمقٍ فكريّ ووعيٍ بالإنسان والتاريخ، تصبحُ القراءةُ رحلةً لا يمكن التخلّي عنها”.
وختمت العفي: “إنّكم أمامَ كتابٍ، مهما بذلَ فيه الكاتبُ من جهد، لن يكتملَ دون القارئ، ودون أن يُلاحقه بأسئلته، ويحوّله إلى طاقةٍ وأفقٍ للبحث. فالروايةُ لا تنتهي عند حدودِ صفحاتِها، بل تبدأ حقًّا حين نقرأها نحن”.
مظلوم
وتحدث المربي الدكتور حسن مظلوم باسم مجلس بعلبك الثقافي، حول مضمون الرواية، مشددًا على “أهميتها في نقد الواقع السياسي المتشرذم والمتفرج على المجازر”، واستفاض في “نقد الواقع المذهبي المتعصب الضيق على لسان الشخوص، دون إقحام للكاتب بنفسه”.
ونوه مظلوم ب”جمالية الأسلوب البسيط الممتنع، والممتع، بكوميدية المؤلّف السوداء وسخريته اللاذعة”.
أبو نعسة
وتحدث المؤلف الأديب أبو نعسة، فقال: “شمسٌ قبيل الفجر،
هذه الروايةُ أرهقَتني كما أرهقَت عبدو بطلَها. خِلته يخرجُ من بين السطور لاهثا يتعقبُني: لماذا اخترتني لهذه المَهمّة؟ وصفتُه في العنوانِ بشمسٍ قبيل الفجر، فهل كان كذلك؟ الجواب عندَ من سيقرأُ الرواية”.
وتابع: “هل سمعتم بشخصٍ يقوم برحلتين مختلفتين في آن واحد؟ عبدو فَعل ذلك… قفزَت فكرةُ الرواية إلى ذهني عندما زارني زوجُ أختي، وهو ألمانيُ الأصل في بعلبك، وراح يسردُ لي قصةَ اعتناقه الإسلام، وما عاناه في رحلةِ الحج؛ ثم حبكْتُ خيوطَ الرواية من المخيلة.
فاجأَني بفهمِه العميق المتقدمِ لجوهر الدين، بل الأديان. وبنقدِه البنّاء للمتدينين تديُّنا مَظهريا شكليا، مهتما بالعبادات، مُهمِلا المعاملاتِ والاخلاقَ والنظامَ والقانون. صارَحني بتحميله المسؤوليةَ كلَّها لرجال الدين من جميع الطوائف، على مرِ التاريخ، وبتساؤلاته التي لا حصر لها، وشكوكِه، واعتراضاتِه المنطقيةِ، التي تستدعي التوقف عندها.
ماذا اكتشف عبدو في رحلته إلى بيروت برفقةِ صديقِه أبو شفيق البيروتي الذي كان سببا في إسلامه؟ وما الذي عاناه خلالَ الرحلة؟ هل كان مسلما مؤمنا إيمانَ العجائز، أم تبحَّر في البحث والدراسة؟ ماذا حصَل، وإلامَ وصل؟ عند الروايةِ الخبرُ اليقين”.
وأضاف: “قد تحبون عبدو، وقد تكيلون له اللومَ والنقد، ولكنكم إن تجرّدتم من عَباءة الجدود، وحطّمتم القيود، فلسوف تقبلون عبدو كما هو، لأنه يقبلُكم كما أنتم.
يقول لكم: هذه وُجهة
نظري المتواضعة، ولا أُلزم بها أحدا. لأن ما يُفرضُ بالقوة، بالقوة يُرفَض.
ستسأل عبدو: هل لك أن تصفَ لنا هاتين الرحلتين بإيجاز؟
سيبتسمُ هازئا: هذا دأْبُك، تعشقُ الملخّصاتِ، وزبدةَ التجارِب، كي تتناولَها كحبة حلوى، سرعان ما تزولُ حلاوتُها، لأن ما يُنالُ بسرعة، بسرعةٍ يزول.
حسنا عبدو، دعني أطرح السؤال بصيغة أخرى: كيف تشعرُ الآن، بعد عَناء الرحلتين؟
سيتنهّد قائلا: أشعر أنني الآن أنا.
تقول له: حبيبي عبدو، لقد عرَفتَ فلزِمت، فهل ليَ أن أعرِف؟
سيُطبطب على كتِفِك: المعرفةُ لا تُلقَّن، إقرأ تعرف”.
وأردف: “لا يُرعبنّكم حجمُ الرواية، لأن الخطَ كبير، والطولَ قصير. هل أبالغ إذا قلت: ستُنْهون قراءتها في جَلسة واحدة، أوِ جَلستين؟ سأترك لكم الجواب، ولكن مهما كان، فلسوف تضحكون في معرِض الجَدِ والفكرِ والنقاشِ المثمرِ بين الشخوص، لأن أسلوبي الذي أتّبعه دائما هو الكوميديا السوداء”.
وختم أبو نعسة: “شمس قبيل الفجر، فُسحةٌ للتأملِ والابتسامِ، للأملِ في التنوير والتغيير، في زمنِ القهرِ والظلمِ والحربِ والدماء. وعسى أن يكون الآتي أجملَ، فننعمَ بالنصر وبالتحرير وبالسلام”.
ووقع الأديب أبو نعسة روايته للحضور.
