منيرة مصباح
في صيرورة الأدب بكل تجلياته الجمالية والخيالية وكافة أشكاله الفنية علاقة متوازية ومتلازمة مع النقد، لكن أحيانا يتمحور النقد ضمن دائرة محددة تمثل النظريات النقدية مع اتجاه الناقد الفكري وانتمائه الأيديولوجي واذا دخلنا الى عالمنا الأولي نرى ان اللغة موضوعا جماليا، لكنه يدخل من باب الحقيقة لعالم لفظي، وبدون الكلمات التي تكوّن اللغة، لا يمكن لخيال ان يعود الى الاشياء المميزة.
من هنا تتحدد قوة اللغة، حين تتحول الكلمات الى أعمق مما تشير اليه مباشرة وترمز الى ما هو غير مباشر، حتى تصبح المعاني فيها رمزا. فكلمة الضوء أو النور مثلا تشير الى ظاهرة فيزيائية يمكن ان تدرك عن طريق العين، لكن الكلمة نفسها هي رمز منذ القدم للمعرفة، للذكاء، للعقل، للتنبؤ، وللحدس المنطقي. وقد أطلق عليها الفيلسوف البريطاني “جون لوك john loke” اسم الضوء الطبيعي. هكذا تصبح اللغة في موضوعها الجمالي بعيدة عن مجرد كونها مجموعة من الرموز، وأشكالها لا ترسو على حد، انما تظهر في أنماط معقدة وتنتج كثيرا من العلاقات المعقدة في معناها، لتصبح صورة عالية من الرمزية. فالكلمات من حيث هي رموز لا تعني الأشياء بقدر ما تعني الأفكار الخاصة بهذه الأشياء.
وفي هذا المعنى فان الناقدة والباحثة في الجماليات “سوزان لانجر Susanne langer” تعتبر الكلمات كأنها إشارات، لكن هذا النوع من الاستخدام لا يعتبر الدور الأساسي للكلمات، لأن الدور الاساسي لها، هو استخدامها كرموز لا كإشارات، فالكلمات في العادة ترافقها الأفكار. ان اللغة عند لانجر هي جهازا جماعيا لا تنتقل من العاطفة الى ذلك الجزء المشاع فيما بيننا جميعا، إنما هناك جزء هام من الحقيقة، هو ما نطلق عليه حياة الوجدان أو العاطفة، وهذا ما تقوله “سوزان لانجر Susanne langer” من ان اللغة لا تستطيع ان تعبّر عنه. لكن نتساءل لماذا تكون اللغة عاجزة عن التعبير أحيانا، ليس السبب ان الوجدان والعاطفة لا يدخلان خانة العقل وهما ليس عقليين، انما لأن اللغة لا تساعد على جعلهما مدركين.
لقد كان الشاعران الرمنطيقيان “صموئل كولريدج Samuel coleridge” و “وليم وردزوورث William wordsworth” وغيرهم كثير من المبدعين في العالم يعملون بأشكال متنوعة على جعل اللغة غريبة قادرة على إثارة تجربة جمالية، وكان أحدهما يخلع الغرابة على المألوف والعادي، ويسعى الآخر لجعل المدهش أليفا، لذلك جاءت حركة الشعر بعدهما، لتزيل كل ما هو استجابة آلية، في محاولة لتجديد اللغة والسعي الى الإدراك المرهف والشفاف. لكن الى اي مدى وصل التقييم النقدي؟ أعتقد ان التقييم لا يحدد لأنه نسبي، وهذا ما قام به معظم نقاد الحداثة في هذا العصر.
اذا ذهبنا الى “جان موكاروفسكي jan mukarovsky”، نراه يقول: لا يوجد قانون جمالي، لأن ماهيته هي الخروج عليه، فما من أسلوب شعري الا ويحتفظ بطابع الغرابة. لذلك ووفق مبدأ “موكاروفسكي” يمكن للاعمال الادبية ،ان تفقد وظيفتها الجمالية، ان كان لها وظيفة، ثم ربما تستعيدها فيما بعد حين يغدو المألوف جدا مرة اخرى غير مألوف. هكذا كلما تقدم الزمان بتاريخ الادب، يعود بعض الشعراء غرباء ويبقى آخرون مألوفين.
ان السامي والمميز يُدخلان في علم الجمال ما يبدو غير جمالي، فالمأساة تعطي صورة معبرة للمؤلم، بينما الملهاة تُفتن في القبيح، لذلك نرى ان الاشياء الجميلة الاكثر سهولة تتفق في موادها وفي اشكالها المجسمة، بينما جمال الألم لا يحمل سوى صورة واحدة معبرة. هكذا يظهر الجمال المؤلم مع العظمة الفنية متعادلين، هنا نتساءل مرة اخرى، أين تكمن بؤرة القيم الفنية؟ في المبدع، أم المتلقي، أم يرجع للعلاقة بين الاثنين.
ان احتمال وجود القيم الفنية في البنى الأدبية جماليا تتحقق بمقدار ما يتأملها المتلقي الذي تتوفر فيه الشروط المطلوبة في تحديد القيمة، بالجمالية التي تقدم نفسها بشكل غير مشروط، وبالتالي توصلنا الى الموضوع الجمالي للغة الباحثة عن عالم الحقيقة اللفظي.
ان “سوزان لانجر” تطرح معنى لكلمة الحضارة في العمل الابداعي، وهذا مقابل كلمة “المدنية”، وذلك للبحث عن الأسس الجوهرية التي تتشكل منها هذه الحضارة. فبرأيها ان المدنية والحضارة ليستا شيئا واحدا لان ذلك يرجع للحقيقة التي تقول بوجود حضارة بدائية، رغم ان هذه الكلمة تبدو وكأنها تحمل تناقضا في المعنى. لكننا نقول انه يمكن ان توجد ثقافة بدائية، وهي التي تعني الفن بكل ما تحمله هذه الكلمة من معاني، والتي تتميز بها ثقافة المجتمعات البشرية. ان لكل مجتمع من المجتمعات ثقافة خاصة به، لكن ليس بالضرورة ان يكون لكل مجتمع مدنية، تلك التي تمثل نمطا معينا من التطور. والحضارة كما يتفق على تعريفها معظم الباحثين هي أسلوب معين في الحياة يعيش عليه مجتمع من المجتمعات ويتميز به عن غيره. وعندما يصل نظام وأسلوب مجتمع من المجتمعات الى الوحدة، عندئذ نستطيع ان نتحدث عن ثقافته. ولتوضيح معنى هذه الكلمة المرتبطة بتاريخ وحياة البشر لا بد من ان نرجع الى اصلها اللغوي اللاتيني، والمشتق من كلمة (culture) التي تعني فن حراثة الارض. وبهذا المعنى فان الثقافة هي فن تهذيب العقل، بعد ان كان اللفظ نفسه يتصل بفن تشذيب الارض او الزرع، وعلى هذا نستطع ان نميز بين مفهومي الثقافة والحضارة.
أما اذا دخلنا في تحليل المفهومين، نرى ان الحضارة تكون المضمون والثقافة تكون الشكل الذي يعكس صورة هذا المضمون المادي في نمط من السلوك الاخلاقي او الفكري او في التعبير الفني. لذلك فان الثقافة تعبير عن الطابع النمطي للوجدان، وهو الذي يميز جماعة من الناس عن جماعة اخرى غيرها.
اما الحضارة المدنية فهي ظاهرة مختلفة، دائما ما تكون انتاجا عاليا، لا يرتبط بالبعد الرمزي للسلوك، انما يكون النمط الخاص للحياة العملية.
تقول سوزان لانجر: “اننا نرى بداية الحضارة الحقيقية حين أمسك الخيال بالنار، وعندما اصبحت الاشياء هي رموز الحياة”. من هنا كانت الحضارة، ليس فقط اضافة او زيادة في العناصر، انما ادخال تعديلات في التفكير العقلي الذي هو أكثر من مجرد معرفة، حتى نصل الى التعبير الرمزي المتطور عن طرق الوجدان. وإذا أردنا معرفة هذا الوجدان نرى ان الفن نفسه هو الراعي لحضارة جديدة وبالتالي فان الحضارة تسجيل موضوعي للتطور الوجداني.
وفي هذا المفهوم يقول “هربرت ريد” ان الملكة الفنية هي الوسيلة الأساسية للتطور البشري.
لكن يبقى معنى الحضارة داخل نمط معين في الفكر والسلوك والحياة، يرتكز على الفن رغم ان الحضارة اوسع كثيرا من الفن. لذلك نرى “لانجر” في بحثها الجمالي تركز على الاهمية الحضارية للفن، من منطلق ربطها له بالقيمة المعرفية. لذلك فان للفن دورا ثقافيا وحضاريا.
ان كل النظريات التي حاولت تفسير الفن خاضت بالأهمية الحضارية له. فالأشكال الفنية بكافة التعبيرات يمكن ان تستخدم ايضا في تخيل الوجدان وفهم طبيعته، هذا الى جانب معرفة الذات للبصيرة في كل مراحل الحياة، تلك التي تنبع من الخيال الفني والتي تحمل قيمها المعرفية.
يقول الناقد والفيلسوف الجمالي في هذا السياق (الكسندر بومغارتن alexander bawmgarten): “الأدب عالم مغاير”.




