هو ليس وَليد مَسْعود الذي أوْدَعَهُ المُبْدِعُ الراحِلُ جبرا حَيواتَه كلها، وتَنَقَّلَ به من طَبَقاتِ “الأرستقراطية” الى صُفوفِ العامَّة، حيث اخْتفى خَلْفَ أسْرارِه في أحْجِيَةٍ رِوائِيَّةٍ…..
هو ليس مصطفى سعيد في “موسم الهجرة الى الشمال” لدى الطيب صالح،
الذي أحالَ صَقيعَ لندن الى رمادٍ حَوْلَ جَمْرِ أبَنوسَةٍ…..
هو ليس “الأمير” الذي فَلْسَفَ السِياسَة بِمَقْوَلَةِ (مكيافيلي)،
“الغايةُ تُبَرِّرُ الوَسيلَة” في عَصْرِ ما قَبْلَ النَهْضَة…
أنه الفلسطينِيُّ.. الذي شارك في ثوْرَةِ فلسطين عام 1936 …
هو المَلْدوغْ بِرَغْبَةِ المُكوثِ في المكان،
يُفَسِّرُ كل المَفاهيم الكلاسيكية للوَطَنِ والمَنْفى معًا…
يوْمًا، رَحَلْنا سَوِيًّا في حلم.. نسيرُ على موسيقى هذا البَوْح،
حيثُ يَخْفي صَوْتَه المُكابِرَ نَشيجَ البِحارِ.. قلت بعد حِوارٍ طويلٍ:
من أين جاءَنا هذا التَجْريد في السِياسَة،
في الوَقْتِ الذي لا نَتَقَبَّل فيه تَجْريدَ الأفْكارِ والفُنون..
قالَ: لا لَيْسَتْ السِياسَة وَحْدَها التي أغْوَت هذا العَقْل، فانْسَلَّ نحو التَجْريد..
كل شَيْءٍ قابِل للغوايَة، حين تَذوبُ الكلماتُ حَنينًا لهذه المَدينَةِ أو تلك…
ذكَرَ لي كيف ضاقَ فَيْلسوفُ المَنْطِقِ و”الإبريق الكوني” ذات يومٍ “برتراند راسل”
بالأرْقامِ المُجَرَّدَةِ.
(لا أعْرِفُ عن أيْ شَيْءٍ نَتَحَدَّثُ أهي أزهار! أم فراشات! أم بلابل! أم أوطان!) ….
كان النهارُ قد أوْشكَ على نِهايَتِهِ، عندما تَذكَّرْتُ قَوْلَ أحد الكُتّاب يقولُ:
“أن حرف (لا) يصل حتى الأقاصي،
بعكس (نعم) التي تنتَهي بالسُكونِ والصَمْتِ”.
والتعبُ بعد يومٍ مُجْهَدٍ للعقلِ يُشْبِهُ لا نهائية…..
ويقولُ العُلَماء: في كِلا الحالَتَيْن، هناك تَوْقٌ للأوكْسيجين..
واسْتَمَرَّ الحَديثُ بَيْنَنَ…..
في ذلك اليَوْم تكَلَّمْنا عن الأوْطانِ بما يَكْفِي لإنْشاءِ كَوْكَبٍ جَديدٍ،
وأعْتَقِد كُنَّا نَعْني شيئًا آخرَ، مِثْلما تَكَلَّمْنا عن الديمُقْراطِيَّة والحُرِّيَّة،
وكنا نَقْصِدُ ديمُقْراطِيَتنا في السَماحِ للآخَرينَ بِتأْييدِنا..
وقَبْلَ ان نَسْتَسْلِمَ لِغِوايَةِ التَجْريدِ في التاريخِ أيْضًا،
كانت السَماءُ الشَرْقِيَّةُ خالِيةً من العَصافيرِ..