المكوث في البوح

                 

 

               

   منيرة مصباح

 

سأبقى على عَهْدي مع من أهْداني قَلَمًا ورَحَل…….

خَبَّأتُهُ في عُلْبَة أحْلامي الثَمينَةِ خَوْفًا من الفَقْدِ…….. 

حين الْتقَيْتُهُ، أصْبَحَ لَه……

عنْدَما تَخْتَفي الكَلِماتُ يَتراقَصُ النَظَرُ بين السُطورِ، 

تَنْتَظمُ الحُروفُ التائهَةِ حَوْلَ القَلَمِ مشكِّلَةً واقِعًا تَراهُ العَيْنُ،

انه الحلمُ فوق الأوْراقِ البَيْضاءِ في سابِقِ الزَمَنِ 

 وفوقَ الشاشَةِ المُضاءَةِ في حاضِرِهِ..

 

هذه المَساحَة المُشْرِقَة لَيْست في الكيمياءِ، ولا في الرِياضياتِ، ولا في الذَرَّة، 

انما هي في الذاكِرَة، تلك التي تُشْبه “الميتفيزيقا”، 

في صَميمِ الزمنِ الذي نولَدُ فيه.. ونَعيشُ فيه.. ونَنْتَهي فيه …….. 

انه هذا التَضاد بين المَلامِح.. بين الأسْماء.. بين الأشْخاص.. 

بين الألوان وبين جَوازاتِ السَفَر.

قَبْلَ أعْوامٍ أخَذَهُ التاريخُ من مَدينَةٍ أعْرِفُها ولم أزُرْها.. 

حَمَلَتْهُ اليها ريحٌ غَريبَةٌ، فقرَّرَ أن يولَدَ ثانيةً باسْمٍ وعُمْرٍ آخر…… 

 

هو ليس وَليد مَسْعود الذي أوْدَعَهُ المُبْدِعُ الراحِلُ جبرا حَيواتَه كلها، وتَنَقَّلَ به من طَبَقاتِ “الأرستقراطية” الى صُفوفِ العامَّة، حيث اخْتفى خَلْفَ أسْرارِه في أحْجِيَةٍ رِوائِيَّةٍ…..

هو ليس مصطفى سعيد في “موسم الهجرة الى الشمال” لدى الطيب صالح، 

الذي أحالَ صَقيعَ لندن الى رمادٍ حَوْلَ جَمْرِ أبَنوسَةٍ…..

هو ليس “الأمير” الذي فَلْسَفَ السِياسَة بِمَقْوَلَةِ (مكيافيلي)، 

“الغايةُ تُبَرِّرُ الوَسيلَة” في عَصْرِ ما قَبْلَ النَهْضَة…

أنه الفلسطينِيُّ.. الذي شارك في ثوْرَةِ فلسطين عام 1936 … 

هو المَلْدوغْ بِرَغْبَةِ المُكوثِ في المكان، 

يُفَسِّرُ كل المَفاهيم الكلاسيكية للوَطَنِ والمَنْفى معًا… 

يوْمًا، رَحَلْنا سَوِيًّا في حلم.. نسيرُ على موسيقى هذا البَوْح، 

حيثُ يَخْفي صَوْتَه المُكابِرَ نَشيجَ البِحارِ.. قلت بعد حِوارٍ طويلٍ: 

من أين جاءَنا هذا التَجْريد في السِياسَة، 

في الوَقْتِ الذي لا نَتَقَبَّل فيه تَجْريدَ الأفْكارِ والفُنون..

قالَ: لا لَيْسَتْ السِياسَة وَحْدَها التي أغْوَت هذا العَقْل، فانْسَلَّ نحو التَجْريد.. 

كل شَيْءٍ قابِل للغوايَة، حين تَذوبُ الكلماتُ حَنينًا لهذه المَدينَةِ أو تلك…

ذكَرَ لي كيف ضاقَ فَيْلسوفُ المَنْطِقِ و”الإبريق الكوني” ذات يومٍ “برتراند راسل” 

بالأرْقامِ المُجَرَّدَةِ.

(لا أعْرِفُ عن أيْ شَيْءٍ نَتَحَدَّثُ أهي أزهار! أم فراشات! أم بلابل! أم أوطان!) ….

 

كان النهارُ قد أوْشكَ على نِهايَتِهِ، عندما تَذكَّرْتُ قَوْلَ أحد الكُتّاب يقولُ:

“أن حرف (لا) يصل حتى الأقاصي، 

بعكس (نعم) التي تنتَهي بالسُكونِ والصَمْتِ”.  

والتعبُ بعد يومٍ مُجْهَدٍ للعقلِ يُشْبِهُ لا نهائية…..

 ويقولُ العُلَماء: في كِلا الحالَتَيْن، هناك تَوْقٌ للأوكْسيجين..

واسْتَمَرَّ الحَديثُ بَيْنَنَ…..

في ذلك اليَوْم تكَلَّمْنا عن الأوْطانِ بما يَكْفِي لإنْشاءِ كَوْكَبٍ جَديدٍ، 

وأعْتَقِد كُنَّا نَعْني شيئًا آخرَ، مِثْلما تَكَلَّمْنا عن الديمُقْراطِيَّة والحُرِّيَّة، 

وكنا نَقْصِدُ ديمُقْراطِيَتنا في السَماحِ للآخَرينَ بِتأْييدِنا..

وقَبْلَ ان نَسْتَسْلِمَ لِغِوايَةِ التَجْريدِ في التاريخِ أيْضًا، 

كانت السَماءُ الشَرْقِيَّةُ خالِيةً من العَصافيرِ.. 

والرِياحُ تَعْصِفُ في مَداخِلِ الدُروبِ، 

وثَمَّةَ غَيْمٌ داكِنٌ يُشْبِهُ المُدُنَ المُعْتِمَةِ، 

مُحاصَرٌ بالأخْضَرِ مِثْلَ غابَةٍ.. 

 

كان علينا أن نُصَدِّقَ أن الحَنينَ القابِعَ في الصَدْرِ الى مَدينَةِ رابِضَةِ خَلْفَ التِلالِ، 

هو الحلمُ الذي ما زال قائِمًا في زَمَنِنا دون تَحَقُّق……….

سَلامٌ لمن لا نَراهم إلَّا حين يَهُزُّ الحَنينُ وِجْدانَنا.. 

هناك ما بين التِلالِ القَريبَةِ من الغيم في أحْلامِنا.. من يَنْتَظِر، من يَقْرَأ، 

يَتِراسَم مَلامِحَ فَرَحِنا وأَلَمِنا، يَتَدامَعُ مع كُلِّ تَنْهيداتِ قُلوبِنا، 

هو يَتَشارَكُ في أنْفاسِنا، نحن آيَتُه…. وبِكُلِّ ما فينا هو….

 “الى والدي في عالمه حيث ينتظر عودتنا الى تلك الارض”.

اترك رد