د. غالب غانم
(رئيس مجلس شورى الدولة سابقاً ورئيس مجلس القضاء الأعلى سابقاً)
هاءنذا وجهي إليك، مرّةً بعد مرّة، لأَحفُوَ مع المحتفين بقطاف موسمٍ جديد من مواسم قلمك. ولا بُدَّ للقِطاف، إذا كان الكرّام زحليّاً، من أن يحملك فوراً إلى أجاجينِ الخمر، وأجاجين الكتابةِ التي لا تستكين إلّا إذا جعلتِ الكلمات تتغاوى على سهول الورق، وتنتشي وتمدُّك بالنشوة، وتجعلُ ما بين جسدها وروحها مؤالفةً كالتي بين الزهر وأريجه، أو بين الذاكرةِ وأنسامها وفرسانها وصناديقها المرمريّة.
من العصيّ، في خطّ هذا التصوّر، أنّ نعثرُ على أدبٍ مصدرُهُ تلك المدينةُ “وذلك النّهر وهاتيك الرُّبيُّ والمنحنياتُ والمساحبُ الخَضِلة، إلّا إذا كان ملعباً للجمال، وللسّلام، ولقيمٍ علا سُلّمها وفاضت شلّالاتها…
حول كتاب “مِنْ نسم الذاكرة” للدكتور أنيس مسلّم، الحركة الثقافية-انطلياس، الخميس 12/5/2016.
أقاصيصُ، مشاهداتٌ، وجوهٌ وشخصيّات، طفولةٌ وأمومة، متوحّدون وثرثارون، أريافُ ضيق وضفافُ رحابةٍ ورخاء، قبضايات ومحاضرُ أمنيَّة تمنحهم صكوك براءة، عصاميّون وعصاميّات، أزواجٌ متحابّون حاول أصحابُ الغِيرة تفريقهم، مِهنٌ وحِرَفٌ وحلّاقٌ وممرّضة وخيّاطة، ذوو عوزٍ على إباءٍ وطموح، كرومٌ ودروب… كلّ ذلك، وما اليه، يُطالِعنا في “من نسم الذاكرة”… ولكنّ وجهتي ستكون إلى ما يميّز بيئتهُ وتراثها الأدبي والإنساني، من حَدبٍ على الجمال، ومن غيرةٍ على المُثُل.
ما أنا وحدي أذهب إلى ذلك، لقد ذهب اليه الكاتب من قبلُ حين قال:
“ثمّ إنّ التاريخ يبدو، غالباً ، غير منطقيّ، فيما القصّةُ القصيرةُ، عكس ذلك، تدخلُ الكتبَ كنسيجِ رداء، متناسقةً، متكاملةً، مثيرةً، جميلةً، وجذّابة، وهي كالقصيدة لها مفاصلُ وإيقاعٌ ومُناخ، وهما تمتازان بالتجاوز والاستعارة والتخيّل والتفنّن، وتتوقفانِ مطوّلاً عند القيم…”(من المقدمة، ص 31).
***
· أجل، القصّة القصيرة… قصّتُهُ هو على الأقلّ… كانت كالقصيدة. وأن تكون على هذه الحال، فقدَرُها ألّا تتثاءب، وأن تَعِدَك بما هو أبعدُ من الظاهر، وأن تحفظ مكاناً للنّجاوى والمواجيد، ومكاناً آخر للغبطةِ ولِكُوَمِ الورد… وأنْ تقبضَ على أسرار القلب، ولا تخلطَ ما بينَ البوحِ والإخبار، وما بين السّكينةِ والانعزال. وأنْ تذهبَ بعيداً مع خطراتِ البال ومع طوالِعِ الأساطير ومواسمِ الرّياح…
يقول في إحدى الأقاصيص:
“فلطالما نسجتِ الأسماء أساطير أصحابها، ومثلَ الرياح في المواسم، تُسافرُ إلى أقصى أقاليمِ المخيّلة حاملةً معها أطراف الروايات وأمتعها”(من قصة “صوفيا” ص 145).
صوّرت أقاصيص الكتاب حالاتٍ شتّى تناوب فيها الراكدُ والفائر، الطفوليّ والأقلّ براءةً، المألوف والطريف، الرسّامُ المنكود الحظّ الذي باع صورة مار جرجس بقنّينة زيت انكسرت وكَرَمَ النفس لدى جارٍ ينتصر للفنّ (قنّينة الزيت، ص91). ومن هذه الحالات أيضاً لحظات تداخل فيها الزمان والمكان، والحضور والغياب، والوجهُ الباقي على الورق وما كان عليه قبل الرحيل من جمال مُحيّا وليانِ قلبٍ واندفاقِ ينابيع. تلك كانت حال المهاجر الذي ترك وطنه بفعل الحرب ثمّ عاد ليعثر في المنزل على صورةٍ صغيرة تمثّل وجه أمّه، حرّكت مشاعره، ولكنْ شتّان ما بينها وبين الممتلئة حياةً ونضارةً:
“وجه أمّه كان أجمل من هذا… كان أبسط وأرقّ وأقرب إلى القلب…
ببساطةٍ كانت ترتسمُ الابتسامة على شفتيها، فتظنّها أغنيةً ريفيّة أو زهرةً بريّة أو حبّةَ ندى. تظنّها داليةَ عنب، أو نصبةَ وردٍ جوريّ، أو نبعاً رقراقاً يتدفّقُ من أحشاء صخرة (الصورة، ص68).
· وأن تكون القصّة على هذه الحال، تدخُلُ الكتبَ كنسيجِ رداء، كما يقول، فهذا يعكِسُ خياراً من الخيارات التي تنحازُ إلى مفهومٍ جماليّ للعمل الأدبي الذي لا يستقيم إلّا إذا حملتِ الكلمةُ كثيراً من الماء والرونق على ما ذكر الأقدمون… إلّا إذا لطّفت الشاعريّةُ إملالَ السَّرد وواقعيّةَ الحدث… إلّا إذا كانت الكتابة حديقةً لا يُدرَكُ ما فيها من أصولٍ وجذور وبذورٍ مبثوثةٍ لتصنعَ الحياة وتستعيد الفجرَ والخلائقَ الأبكار حتّى تظهر الطوالعُ ويكتملَ التفتُّقُ…
عن حديقة زوجين متحابّين حبَّ العشّاق متكاتفين تكاتُفَ ذوي الكفاف، يرسم لوحةً ما علينا الاكتفاءُ بالوجه الوصفيّ فيها، لأنّها، في البُعدِ الأقصى، تشهد لنقاءِ الطوّيتين، وفرحِ القلبين… وتشهدُ لجيلٍ من أبناء الأرياف قرأ السّعادة قراءةً خاصّة، وصنعها بيديه، ولم يخدّش وجهها الجميل بالتنظير والتفلسف ومقارعةِ المستحيل.
أتمثّلُ على ما أقول بما جاء في أقصوصة “الرسالة”:
“أمّا الأعمالُ الرجوليّةُ، فلم يقم بها مرّة وحده في البيت. فالحديقةُ الصغيرةُ، ما أنبتت ورداً وفلّاً، ولا بنفسجاً وزنبقاً، ولا شعّ الأقحوان في الدار كألف مصباح ومصباح، إلا بعد أن أعمل هو معوله والشوكة والرفش والمجرفةَ في أرض الحديقة وامتدّت يداها الطريّتان تداعبان التربة وقد غدت أنعم وألين بعد ضربات الزوج، فتأخذ بذور الحبق ترشّها، على هواها، في المساكب، وشتول الورد تغرسها في الأمكنة التي أعدّتها لها، وهكذا قُلْ عن الفُلِّ والأضاليا، فيطلع الربيعُ في حديقتهما غيره في الحدائق، واذا للبنفسج والياسمين عندهما أرج وبوح واطلالات فريدة النكهة والإيحاء.”
· وأن تكونَ القصّةُ، قصّتهُ هو، على هذه الحال… تتوقّف “مطوّلاً عند القيم”، فذلك يعني أنّ الثالوث الأبديّ المتمثّلَ بأضلاع الحقّ والخير والجمال هو غاية من غايات الأدب، ومن غايات الحياة. وإذا كان الكلامُ عليه يسيراً، فتتبّعُهُ وتلمُّسهُ والاحتماءُ في ظلاله والتقرّب منه مسلكاً وعملاً مسألةٌ فيها نظر.
على أيّ حال، كان لهذا الثالوث حضورُهُ الدّائم في الآداب العالميّة، وكان موضعَ جدلٍ في الفلسفات، وسيظلّ…
وما يهمّ، في اللحظة الراهنة، ضبطُ بعضِ الإشارات الدائرة في مناخه، وفي مُناخِ الأقاصيص المعنيّة، على أن تكون، نظراً لضيق المقام، مقتصرةً على قيمتين كُبريين أو على ديوانين من دواوين الحقّ والخير والجمال، هما ديوان الأمومة، وديوان الأرض.
الأمّ، في بعض أقواله، هي “نعمةُ البيت… ومثلَ كلّ نعمة يحسبُها صاحبُها أبديّة ولا يشعُرُ بأهميتها إلّا حين يفقدها” (ص42) وفي بعض آخر: “كانت توحي بنظرتها، تستغني عن الإفصاح. وجهها يُشبه الصبح، حيناً، والعصرَ حيناً آخر… يداها كانتا ناصعتين، نصاعة الزّنبق، وحدْبها منعشاً مثل نسمات الوادي ومائِهِ الرّقراقِ اللّالاء” (ص65).
وديوانُ الأرضُ في أقصوصة “الكرم”، خاتمةِ الأقاصيص، شارك ديوان الأمومة في منحِ الغبطةِ وفي جعل الدمعِ يطفرُ يومَ باع ربُّ العائلة كرماً عزيزاً في لِحفِ الجبَل، وفي شريطِ الذاكرة.
“…كانتِ الأرضُ ديوانُهُ المفضّل. كلُّ قطعةٍ منها قصيدةٌ قائمةٌ بذاتها. كان يحفظها عن ظهرِ قلب. وكانت سعادتهُ أن يسلُك الدروبَ إلى أراضيه مع الفجر(ص165).
وهكذا يُنهي الأقصوصة والكتاب:
“أخذت أمّي العنقود، تأمّلتْهُ، قبّلتْهُ:
ثم غمرتنا بحنانٍ حارق، كما لم تفعلْ مرّةً من قبل.
نظرتْ إلى وجه كلّ منّا، تمادتْ، حتى طفرتْ من عينيها دموع، أظّنها عجزتْ عن حبسها، وهي تُتمتم: لقد باع والداكم الكرم، وغداً يُسلّمه إلى الشاري”.
***
ويبقى، بعد هذه النظرةِ العجلى، أن يغوصَ المتبحّرون في عالم القصّة على ما في الكتاب من كنوزٍ إنسانيّة واجتماعية ونفسيّة، وهي كثيرة. ومهما غاصوا، لن يسهى عن البال أنّ قلمَ صاحبنا ما ينفكُّ يُعلنُ عن هويّته مجاهراً بانتمائه إلى مدرسةِ الجمال ومدرسةِ القيم.
*****
(*) ألقيت في الندوة حول كتاب الدكتور انيس مسلم في الحركة الثاقفية انطلياس.


