حول كتاب «شعراؤنا صانعو مجد أرمينيا»

بقلم: د. عبده لبكي

 سؤال يشغل الوجدان الأدبيّ في هذا العصر، كما يشغل من الإعلام حيّزًا، في مقالات وأحاديث ومقابلات، ألا وهو: ما مستوى حضور الكتاب، وما أثره في حمأة julie coverالهَوَس المتمادي، بوسائل الاتصال الالكترونيّة، بعدما احتلّت الأجواء، وسكنت اهتمامات النّاس في عيشهم اليومي، حتّى أثناء قيادتهم السيارات، وعشّشت في ذرّات الهواء، ودقائق الفكر…

ويكاد هذا السّؤال، يفقد بعضًا من أهمّيّته، عندما يقع نظرك على المجلّد الفخم، الّذي يبهرك مظهره كنموذجٍ لفنّ صناعة الكتاب، إذ يقدّم ذاتِيّته في حلّة نسيجها احترام القيم في سلّمها، ولاسيّما الجماليّة. ثمّ تَلِجُ عالمه – أي هذا المجلّد – فإذا أنت في الصّميم الّذي تشتهيه الرّوح…

الكتاب عنوانه: «شعراؤنا صانعو مجد أرمينيا» الصادر عن دار المراد – بيروت 2013، من إعداد جولي مراد، وقد خصّته بسنوات طويلة من الاختيار، والتذوّق، والترجمة، والتدقيق، والتنسيق، والتبويب. وأكثر من هذا خصّته بالحبّ، الّذي ينعشك رحيقه في كلّ قصيدة، تمّت صياغتها من جديد باللّغة العربيّة، ولكن بحجارة كريمة، هي ملكٌ للّغة الأرمنيّة الأصيلة.

تجالس الكتاب فتشعر بوزنه ذهبًا، إذ تتناوله بكلتا يديك. ثمّ تتلمّس صفحاته، فإذا بحرارة الرّخام تسري في الأنامل، حتّى لكأنّ النّطق يتجاوز الكلمة، فلا تعود المادّة خرساء في الورق المشبّع بالرّهافة صقيلًا، وهو يحتضن بخشوع، تلك الروائع بل تلك المرايا من الإبداع، تنعكس فيها التجربة الإنسانيّة بأبعادها المنفتحة على الزّمن.

إنّه الشّعر الأرمنيّ في عهوده المتعاقبة، النّابع من الأغوار، العائد بإنسانه ممّا غاب عن النّظر، والمظهر لإنسانه الطّالع اليوم من أرض الصراع، وكلاهما ماثلان في الذّاكرة؛ إنّها الأصالة الّتي تتغذّى بالشّعر، لكي بدورها تغذّي جسد شعب مُحاصَر، اختبر الإبداع في الألم المصيريّ، بالقلم، والريشة، والوتر، والإزميل، فكان مُجلّيًا، مُضيفًا، مُتمَيّزًا، ومُدهشًا.

وتسحرك القصائد المختارة في الكتاب، وتحرّرك من الأزرار الإلكترونيّة، لتدخلك لذّة الحلم، وعبر تلافيفها، يجد الخيال نوافذه، فلا تنقطع عليك أنغام الينابيع الرقاقة في حنايا الشعر.

يخطَفك هذا الشّعر الأرمنيّ المتجاوز إلى الكونيّة. لا ليبتعد بك عن نفسك، بل ليعيدك إلى الذات المتجذّرة في عمق التربة الإنسانيّة، وينقذك من متاهة الأسلاك…

ويزدان الكتاب بصفحاتٍ، تتصدّرها رسوم ولوحات فنيّة، بعضها يرشح زيت القداسة، وقد تمّ اختيارها بذوق، ودقّة متناهية، فضلًا عن صور فوتوغرافيّة وشمسيّة، تمثّل شخصيات الشعراء. ثمّ جرى ترتيبها في سياق موضوعاتٍ، بعضها تاريخيّ حدّثيّ، وبعضها ذو أبعادٍ وجوديّة إيمانيّة، لكنّها جميعها تؤكّد نضال شعبٍ، حافظ على عقيدته وحضارته، بلون دمه وألوان طبيعة بلاده.

ولا شكّ في أنّ تنوّع المدارس الفنيّة الّتي تنتمي إليها تلك اللّوحات، بين كلاسيكيّ، وانطباعيّ، وتشكيليّ، قد أضفى على الكتاب حالة من الشعور بالدّيمومة، هي شاهدٌ على صدقيّة المعاناة، والصمود، وكأنّنا أمام ملحمة المأساة الإنسانيّة، الّتي تتداخل فيها العناصر الخلّاقة، ولكنّ تناقضها عناصر العداء – وحتمًا خاسرة – في مسيرة لا بدّ من أن تؤدي إلى السّلام.

وكان لا بدّ من أن يجتمع «صانعو مجد أرمينيا» من الشّعراء، يرافقهم فنّانون، بين دفّتي كتاب، ويلتقون في مشهد متتابع الفصول، لعلّ من عُنيَ بإعداده وإصداره، أراده هيكلًا لهم، نقرأ قصائدهم، فنحرق أمام كلٍّ منهم، بخّور الإعجاب، ثمّ نحتسي نبيذ الفرح للاحتفال…

«شعراؤنا صانعو مجد أرمينيا»، صُنع بشغاف القلب، وقشعريرة الاحساس بالجمال، ودهشة الطّهر أمام العبقريّة. وجميل أن يستقرّ بك كتاب، يعيد الشّعر إلى حقّه، في زمن لم نعد ننظر فيه إلى السماء، لنتأمّل النجوم في اللّامتناهي، ولم يعد يعنينا من الأرائك غير جدّة القماش أو تلك الّتي لا تتحرّك أمام الشّاشة

اترك رد