بقلم: د. عبدالله بوحبيب
يتكهن كثيرون حول العلاقات بين واشنطن ودول المنطقة، خاصة دول ضفتي الخليج، بعد الاتفاق الأولي حول ملف البرنامج النووي الإيراني. فهناك من
يدّعي ان العلاقات الأميركية الإيرانية ستعود إلى ما كانت عليه في عهد الشاه، وآخرون يعتقدون ان العلاقات السعودية الإيرانية ستتحسن نتيجة للضغوط الأميركية على الدولتين.
يوم كان شاه إيران صديقاً حميماً للولايات المتحدة، وخاصة لهنري كيسنجر في عهد الرئيس ريتشارد نيكسون، كانت واشنطن أيضاً صديقة حميمة للمملكة العربية السعودية، كما كانت إيران الشاه خصماً ومنافساً قوياً للسعودية. فواشنطن تستطيع ان تكون صديقة خصمين في منطقة الشرق الأوسط وغيرها من مناطق الكرة الأرضية. وواشنطن كانت حليفة إسرائيل وحليفة العرب أو معظمهم يوم كانت القضية الفلسطينية متعلقة بالنزاع العربي ـــ الإسرائيلي. واليوم وقد أصبحت القضية نزاعاً فلسطينياً ـــ إسرائيلياً، تبقى واشنطن حليفة إسرائيل وصديقة السلطة الفلسطينية والداعمة الرئيسية سياسياً واقتصادياً لهما. كما استطاعت الولايات المتحدة ان توقف الحرب بين حماس وإسرائيل بمساعدة حكومة الإخوان المسلمين المصرية في كانون الأول 2012.
ويبدو من مراجعة العلاقات الأميركية ـــ الإيرانية ان هناك على الأقل أربعة ملفات رئيسية عالقة والمفروض حلها قبل التكهن بتحسن العلاقات بين البلدين:
÷ الملف الأول هو برنامج إيران النووي الذي يبدو على طريق الحل، خاصة وان الطرفين أبديا النية والالتزام بالوصول إلى حل يرضي كلاً منهما، كما شهد الشهر الماضي في جنيف الاتفاق الأولي حول هذا الملف.
÷ الملف الثاني يتعلق بالقضية الفلسطينية و«حزب الله» و«حماس». فعلى الرغم من اعتدال الرئيس الإيراني حسن روحاني وعدم مهاجمته إسرائيل منذ استلامه مهام الرئاسة، إلا ان إيران ما زالت ملتزمة بـ«تحرير فلسطين» من «المحتل الإسرائيلي»، وهذا يتناقض بقوة مع الموقف الأميركي الثابت بالالتزام بأمن إسرائيل وسلامتها. ويتناقض الموقف الإيراني أيضاً مع موقف معظم الدول العربية الداعي إلى حل سلمي للنزاع الفلسطيني ـــ الإسرائيلي، حسب مشروع الملك عبدالله الذي أقر في القمة العربية في بيروت العام 2002.
كذلك، تنطلق المقاومة الإسلامية اللبنانية أو «حزب الله»، من الأهداف الإيرانية ذاتها في ما يتعلق بإسرائيل، وان دخول «حزب الله» الحرب السورية، حسب تصريح قياديين من الحزب، يهدف للحفاظ على المقاومة. وإضافة إلى ذلك، الدعم الإيراني لحماس قد عاد، بعد ان انقطع لفترة تبعاً لاستلام الإخوان المسلمين الحكم في مصر وانتقال حماس من دمشق إلى قطر بعد بدء «الصراع السني ــــ الشيعي» على سوريا.
÷ الملف الثالث يتعلق بالحرب السورية حيث الموقف الأميركي يختلف جداً عن الموقف الإيراني. فواشنطن ما زالت تعارض حضور إيران مؤتمر جنيف 2 حول سوريا وتريد أيضاً ان ينتهي المؤتمر وعائلة الأسد قد اعتزلت السياسة السورية.
÷ وأخيراً وليس آخراً، اتهام واشنطن طهران بممارسة الإرهاب ودعمه حول العالم، وما اتهام واشنطن للحرس الثوري الإيراني بمحاولة اغتيال السفير السعودي لدى الولايات المتحدة سوى دليل ساطع على الموقف الأميركي بما يخص هذا الملف. كذلك، لا يغيب عن بال الأميركيين بأن لإيران نفوذها في اليمن فهي تدعم الحوثيين وحركة الجنوب الانفصالية، اللتين تعاديان الحكومة المركزية الانتقالية التي تدعمها واشنطن والرياض.
ومن جهة أخرى، هناك الصداقة والتحالف الأميركي ــــ السعودي الذي تأسس وتثبت باجتماع الملك المؤسس عبد العزيز بن سعود والرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت (صورتهما تتصدر قاعة استقبال السفارة السعودية في واشنطن)، العام 1945. وبرغم البرودة التي تهيمن حالياً على العلاقات بين البلدين، خاصة بعد الموقفين الأميركيين حول ملفي الكيميائي السوري والنووي الإيراني اللذين تعارضهما المملكة السعودية بقوة، تبقى الولايات المتحدة الحليف الأمتن والأقوى للسعوديين، ومن ثم لا مجال للشك في الدعم الأميركي للسعودية في حال قيام نزاع مسلح في الخليج.
وأخيراً وليس آخراً، لبنان. أين واشنطن من معظم الملفات اللبنانية العالقة وأهمها اليوم تنشيط مجلس النواب والاتفاق على قانون جديد وعادل للانتخابات وتشكيل حكومة تأتي بالاستقرار لكل لبنان؟
إن لهذه الملفات امتدادات مذهبية، سنية وشيعية، وإقليمية، سعودية وإيرانية. الموقف الأميركي الظاهر كان ضد التمديد لمجلس النواب لكنها اليوم مع تنشيطه واتفاق اللبنانيين على قانون للانتخابات وتشكيل حكومة تعزز الاستقرار والطمأنينة وتجنب لبنان تداعيات الحرب السورية. السياسة الأميركية في المنطقة لن تصل إلى إمكان الطلب من إيران الضغط على «حزب الله» للموافقة على حكومة حيادية لا تضمه. كما ان الدفء لن يعود قريباً إلى العلاقات الأميركية السعودية الباردة، إلى حد الطلب من الرياض بأن تسمح لحلفائها في لبنان بدخول حكومة اتحاد وطني تضم كل الأحزاب والتيارات اللبنانية الرئيسية، ومنها «حزب الله».
إن التحليلات التفاؤلية التي نقرأها ونسمعها ونراها في أجهزة الإعلام اللبنانية، المكتوبة والمرئية والمسموعة، وبعض الأجهزة الإعلامية الإقليمية، هي مجرد تمنٍ ينبع من تعلق اللبنانيين بـ«حبال الهواء» بانتظار تطورات إقليمية ودولية تخلصهم من خلافاتهم الداخلية وانعكاسات الاختلافات الإقليمية عليهم.
لذلك على اللبنانيين ان يتدبروا أمورهم لأن خلافاتهم ليست أولوية على شاشات القيادات الإقليمية والدولية.
***********
(*) السفير، الخميس 12 ديسمبر 2013