مسافات: “نهر على سفر”.. في أدب الرحلات

 

  منيرة مصباح

 

في هذا العصر الذي أصبحت فيه المعلومة تصل للباحث عنها بنقرة على اللوحال الكتروني وبالذكاء الصناعي أتساءل هل تطورت كتابة أدب الرحلات عن مفهومها لكي تواكب هذا العصر؟ وهل مازال هناك فائدة من الكتابة في هذا النوعالأدبي؟ نعم وجدت هذا في كتاب “نهر على سفر” أعجبني حين قرأته، وقررت الكتابة عنه بعد أن رأيت نوعا من كتابة ما بعد الحداثة في هذا الحقل الأدبي الشيق.

ومن العنوان نستطيع أن نستشف شاعرية الكاتب والروائيوالباحث أشرف أبو اليزيد في كتابه الذي وثّق فيه رحلاته العديدة التي قام بها والتي امتدت من أوروبا الى آسيا الى أمريكا الجنوبية والى افريقيا الجنوبية وغيرها كثير من الدول التي زارها على هذه الكرة الأرضية. يتضمن الكتاب 13 فصلا كل فصل أخذ عنوان صفة أو لقب لهذه المدن والدول التي كتب عنها وعن شعوبهاوهي:

قرطبة… القلعة الحرة،

برلين… وردة بيضاء… عاصمة موحدة،

بيشيليه… شعوب المتوسط… فنون العالم،

تتارستان… كتاب البهجة والأحزان،

بلغار الفولغا… على خطى أحمد بن فضلان،

تحت سماء كوجرات،

عرش السلطان أكبر،

جوانج جو عاصمة الثقافة الأسيوية،

أوزباكستان… مزارات وبازارات، شنغ يانغ… الصين المسلمة،

كوستا ريكا… قصيدة الفردوس والبركان،

يوتوبيا… وفوبيا مانديلا لاند،

فن المنمنمات… الأدب والتاريخ والأسطورة.

 

وإذا عدنا الى هذا الأدب في الماضي نراه أدب خاص بذاته، فهو لم يكن برواية ولم يكن بشعر، كان نصًا واقعيا يحمل معه معرفة البشر والمجتمعات وكل ما يحملونه من عادات وتقاليد وأفكار ومعتقدات، وفي كل مكان ينزلفيه الرحّالة يوثقه فيكتاب يجمع مابين التاريخ والجغرافيا وعلم الاجتماع. لكن ما أضافه أشرف أبو اليزيد في كتابه هو السرد الثقافي والقصصي والشعري والموسيقي أحيانا بأسلوب شيق وممتع.

بدأ الرحلة الأولى من الاندلس ومن قرطبة بالذات التي عاشت مجدها التاريخي قبل أكثر من ألف سنة، ليعيدنا الى حاضرها الذي أصبح مكانا يعج بالسائحين الذين يريدون معرفة حضارة هذا المكان من خلال ما بقي من آثار ذلك الزمن المنصرم.

 

وهو حين شاهد كثرة السيارات في طريقه الى قرطبة بدأ خياله يذهب الى ماكانت عليه وسائل النقل عبر الخيول والتي أصبحت الآن تجر عربات صغيرة تحمل السائحين المتنزهين في الساحات الضيقة. يقول الكاتب: “وهكذا انتقلت وظيفة الخيول ودارت دورتها مع التاريخ والبشر والحكايات، ويضيف ألا تختزل رحلة هذه الخيول رحلتنا نحن العرب في هذه الأرض”؟

ان الكاتب في رحلته هذه يلج كتاب التاريخ العربي في أوروبا لأنه يقول كان يحلو له وهو يتابع اللافتات على الطريق أن يخمّن نطق أسماء المناطق والمدن والقرى الصغيرة التي عبرها في طريقه الى قرطبة، ليردها الى أصولها العربية قبل أن تحرفها السنون وتحرق أطرافها الأحداث وتستبدلها بحروف أبجدية جديدة.

 

في هذا الفصل من الرحلة يستحضر الكاتب الأندلس بشكل رائع مما شاهده في الحاضر الذي يعيده الى الماضي على موسيقى “الفلامنكو” من خلال اقدام امرأة تعطي إيقاعا موسيقيا والعرق يتصبب قطرة بعد قطرة على جبينها مثل نهر الذهب فوق الوجه البرونزي تبخّر من فلْج حفرَه جدّه قبل ألف عام في قرطبة.

هكذا يعود الكاتب في هذا الوصف الأدبي الشاعري الجميل الى الماضي ليقولربما هذه الموسيقى التي حركت المرأة الى حافة المسرح والقلب كتبها زرياب في لفافة خبأتها شاعرة عاشقة في قميص التاريخ. ولعل الثوب الذي ترتديه من شجرة قطن نبتت بذرتها في الشرق قبل أن يحملها فارس عبر المضيق. لا أذكر غير اسم الرقصة “فلامنكو”، فمن منكم يتذكر فتاة من كتاب الأندلس؟

هذا التصوير الأدبي الرائع لم يأت الاّ من أديب شاعر وراوي هو أشرف أبو اليزيد.

لكن الكاتب لم يتوقف هنا انما تناول الكثير الذي لا مجال لذكره بالتفصيل عن الاندلس في هذه الرحلة، بل أذكر بعض فصولها التي تمثلت في حدائق قرطبة المعلقة وتفاصيل البيوت من الداخل والخارج والى مسجدها الذي تحول الى كنيسة.

 

هكذا الكاتب يعيد القارئ الى الحاضر ليربطه بالتراث حين يسمع صوت أم كلثوم قادما من أحد المقاهي يصدح بأغنية ” وعايزنا نرجع زي زمان، قل للزمان ارجع يا زمان”. لكن ما أراده أشرف هنا ليس استعادة الماضي انما روحه الوثابة للسفر والرغبة الوقادة للعلم والمعرفة.

ولا يغفل الكاتب أن يذكر بعضمن شعر ولّادة بنت المستكفي والوزير ابن زيدونكما انه لم ينس ان يذكر ما قاله الكاتب الاسباني “الفارو”، ان قصر الحكم في قرطبة قبل أكثر من ألف عام كان يضم أعظم مكتبة أنشأتها دولة إسلامية في العصور الوسطى، وتضم فهارسها 44 كراسة لا تضم سوى العناوين، بينما قدر المؤرخون عدد كتبها قرابة نصف المليون مجلد، حتى أن مصنعا خاصا لتجليد الكتب قد تم تأسيسه لخدمة هذه المكتبة وحدها فضلا عن عشرات النساخين والمراسلين الذين يقتنون لها الكتب من كل حدب وصوب…

ان الرحّالة كثيرا ما يواجه في رحلته من غرائب ومواقف الى جانب القيمة المعرفية التي تعد وثيقة تاريخية وجغرافية يسجل من خلالها أحوال المدن والبلدان في زمن محدد.كما يساهم في التواصل الثقافي وفي تقريب المسافات والتعارف ما بين الحضارات المختلفة. ومن أهم وأبرز الرحالة في التاريخ العربي ابن بطوطة صاحب كتاب “تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار”.

ثم ينتقل بنا الكاتب الى المانيا الموحدة التي يطلق على عاصمتها برلين اسم الوردة البيضاء حيث يعود هذا الاسم الى حركة كانت مناهضة للنازية في الماضي، وكيف أن الأفكار الفلسفية والسياسية قد قسّمتها الى شطرين شرقي وغربي ومزقت نسيج الأسر والعائلات ما بين الشطرين بجدار لعاصمتين برلين وبون. يقول: خريف برلين شمس خجول يحييها مطر خفيف يتسلل من سماء نيلية، ولم يعد هناك ما يميز قسمي المدينة سوى شواهد الذاكرة حين سقط جدار برلين يوم 9 من نوفمبر 1989 قبل أن تعود برلين عاصمة لألمانيا الموحدة.

هنا يبدأ الكاتب بذكر تاريخ ألمانيا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وكيف توزعت الأرض بين نظامين اجتماعيين وسياسيين، في الغرب الألماني كان هناك نظام ديمقراطي باسم جمهورية ألمانية الاتحادية وفي الشرق نطام الحكم الشيوعي. وهو حكم ديكتاتوري أنشأ جدار برلين عام 1961،ثم يعود للحاضر ليقول ان هذا الجدار أصبح شبحا ينتمي للماضي.

هكذا ينتقل من زمن الى آخر ليعود يتكلم عن تاريخ تأسيس مدينة برلين التي أنشئت عام 1237 م وبقيت لمئات السنين مجرد قرية لصيد الأسماك وملتقى التجار القادمين والذاهبين الى مركز الدولة البروسية ومع تنامي اقتصادها أصبحت المدينة بعد تأسيس الرايخ الألماني عام 1871 مركز المانيا الثقافي والصناعي والعلمي والسياسي الى الآن …  ثم ينتقل الكاتب الى سرد تاريخ الفنون وهو يشاهد تمثال الشاعر “فريدريك شيلر” الذي يقول:

” لديّ ثلاث كلمات سأكتبها بقلم يحترق

لأصل بها الى الضوء الخالد

ثلاث كلمات عن قلوب البشر

فليكن عندنا أمل” الى آخر القصيدة.

وبرلين تجمع الشعراء من كل أنحاء العالم من أمريكا الى الهند الى أفريقيا وغيرها. وينهي أشرف رحلته الى المانيا بشعر فريدريك شيلر الذي يقرأ قصائد الحب، لعله يلمس فؤاد العابرين من نهر “شبريه” الى أنهار الفرات والعاصي والنيل.

الرحلة التالية الى “بيشيليه” وهي مدينة إيطالية تقع في الجنوب على شاطئ البحر الادرياتيكي يقول عنها بهذا الوصف الادبي، تمد قدميها في المياه التي تصلها بالبحر المتوسط، وتمد كفيها بقنينة زيتون وحفنة كروم وكرز وحلوى ابتكرتها قبل خمسة قرون. وحين يعود الى الحاضر يوثق احتفاليات مهرجان شعوب المتوسط المقام فيها والذي شاركت فيه العديد من الدول العربية في مجالات فنية عديدة من مسرح وشعر وموسيقى وغناء. هكذا وجدت حساسية الكاتب في نظرته للمكان حيث يعطي السمات الخاصة لكتابه في أدب الرحلة لهذا العصر الجديد. كما ركز الكاتب على تبادل الثقافة والتفاعل الإنساني بدلا من التسجيل المادي فقط الى جانب حضور أصوات متنوعة في تجارب الشعوب التي يحتك بها في رحلاته.

وإذا حاولنا ان نقوم بعمل مقارنة بين الرحالة العرب والغربيين في الماضي نرى ان أمثال ابن بطوطة وابن جبير وابن فضلان كانوا أصدق في نقل المعارف والثقافات والعلوم للاستفادة منها، بينما الغرب الذي تأثر بألف ليلة وليلة وبفكرة الاستشراق لم يكن صادقا بما يكفي لأنه كان يعمل لغاية استعمارية في كثير من الأحيان، إلا القليل منهم.

 

نعود الى كتاب “نهر على سفر” والى جمهورية تتارستان التي يطلق عليها اسم كتاب البهجة والأحزان. حيث كان على هذا المسافر ان يعبر عناوين الكتب الى متونها وألا يكتفي بما هو مسطر في أسفار التاريخ فقط بل الى الباحثين التتريين الساعين الى الحفاظ عن تراثهم الشفاهي والمكتوب.لذلك فقد حلق أشرف مع الحالمين بغد أفضل في جمهورية إسلامية عريقة احتفلت عاصمتها “قازان” منذ مدة قصيرة بمرور الالفية الأولى على انشائها عام 2005م. وهي تتوسط جمهوريات الاتحاد الروسي، وفيها 500 نهر مما يجعلها تحتفظ بمصادر هذه المياه الى جانب 300 بحيرة، كما ان النفط والغاز من اهم مصادر ثروتها في العصر الحديث.

ومع وسائل التواصل أصبح الرحّالة يستخدم هذه الوسائلكسمة أساسية في السفر، كما أصبح نصه عابر للأجناس الأدبية من شعر ورواية الى جانب التوثيق. وهو يكتب من الأنا الى الآخر عن هذه الشعوب والأماكن،ويركز على المثاقفة والتفاعل الإنساني البعيد عن التسجيل المادي فقط. كما وان الرحالة في هذا العصر قد تحرر من الكتابة التقليدية لصالح اللغة الأدبية المرنة التي تتداخل فيما بينها لغة السرد والتوثيق والخواطر.

وقد اشتهر أدب الرحلة في التاريخ العربي في فترات توسع الدول الإسلامية الى أطراف العالم مما أدى الى الكتابة عن ثقافات وعادات تلك الشعوب. وكانت تلك الدول تشجع على ذلك للأخذ بما يزيد من معرفتها بأحوال هذه الشعوب للكشف والاستفادة وللحصول على المعارف والانفتاح على العلوم بكافة حقولها لتطوير المجتمعات الإسلامية.

وينهي الكاتب مجموع رحلاته في الكتابة عن المنمنمات التي اشتهرت بها الشعوب الأسيوية وهي تعبر عن لوحات فنية مصغرة، ويعود تاريخ هذا الفن الى ما قبل القرن السادس الميلادي حيث كان أول ظهور لهذا الفن في المخطوطات الدينية البيزنطية. لكنها أيضا أسلوب اعتمدته فنون رسم أخرى ازدهرت في ثقافات مغايرة خاصة في آسيا كالفنون الفارسية والعثمانية والهندية.

ان هذا الكتاب المعرفي الذي بين يديّ والصادر عن مؤسسة العربي من وزارة الاعلام الكويتية، صالح لكل زمان ومكان للأخذ منه بمعايير محددة، خاصة المعايير التاريخية التي يجب أن تكون متعددة السمات المعرفية. وما وجدته في هذا كتاب للشاعر والكاتب أشرف أبو اليزيد ارجعني الى كتب رحالة عالميين أمثالالإيطالي ماركو بولو، والبرتغالي فاسكو دي غاما وغيرهم….

أشرف أبو اليزيد:

روائي وشاعر ومترجم وصحفي من مصر

  • له العديد من الروايات منها شماوس، وحديقة خلفية
  • له عدة دواوين شعرية مترجمة منها وشوشة البحر، الأصداف، ذاكرة الصمت، ذاكرة الفراشات، فوق صراط الموت، وغيرها
  • هذا الى جانب العديد من كتب الدراسات والترجمات وكتب الأطفال وغيرها
  • رئيس تحرير “آسيا إن” العربية، رئيس جمعية الصحفيين الأسيويين (AJA)
  • حاصل على جائزة مانهي للأدب عام 2014 في كوريا الجنوبية
  • درع نجيب محفوظ للإبداع عام 2014
  • نهر على سفر كتاب صادر عن وزارة الاعلام الكويتية

اترك رد