مسافات: لمن يهمس الصباح

 

  منيرة مصباح

 

اذا اعتبرنا ان مفهوم تطور الشعر مرتبط بتطور البناء اللغوي في الكتابة الابداعية لا نستطيع ان نبتعد عن الخصوصية الفردية للشاعر. فتطور مجتمع من المجتمعات يكون جماعيا، أما الشعر فلا يقبل الا التفرد والفرادة.  

في ديوانها الأول بالعربية وهي التي تكتب الشعر بالفرنسية عادة كما قالت لي، تخرج الشاعرة المغربية “صباح الهزاز” على مجتمع الشعر بلغة مشرقة كإشراق الصباح في بلدها المغرب، وبلغة عربية جزلة تكتب صباح هزاز ديوانها الاول عن بعض حالات المرأة في مسيرة حياتها، ألامها، معاناتها وأحلامها الكبيرة والصغيرة. كما تكتب شعرا فيه الكثير من القضايا الإنسانية من بوح ومن سفر ومن ذكريات الطفولة الى النسيان وكل ذلك في علاقة مع الطبيعة وما حولها من الحان وموسيقى في عالم يندمج مع عوالم الشاعرة الداخلية.   

 

وما بين الشعر بكل تجلياته وأشكاله الفنية القديمة والحديثة تبقى اللغة هي الموضوع الجمالي الذي يمكن ان يدخل من باب الحقيقة لعالم لفظي. وبدون الكلمات التي تكوّن بناء اللغة الشعرية لا يمكن لخيال ان يذهب الى الأشياء المميزة. تقول صباح في قصيدة لمن يهمس الصباح وهي عنوان الديوان:

“هي لحظة عشق

لاح الدفء واشرع جناحيه في ولع 

صوت فيروز ينثر الحنان… قلبي يأخذ كل الألوان…

كل حنان الدنيا يطرق بابي دون استئذان.”

في ديوان صباح هزاز تتحول اللغة الى أكثر مما تشير اليه شعرا مباشرا، هي ترمز الى معاني أعمق تحيلنا في قصيدة “يا نور السماء” الى الضوء الذي يشير الى ظاهرة فيزيائية تدرك عن طريق العين، وهي نفسها رمز منذ القدم للذكاء، وللعقل وللتنبؤ وللحدس المنطقي.

فالكلمات ترافقها الأفكار لتكوّن المعنى المستهدف منها، وفي شعر صباح الذي اعتبره من السهل الممتنع الذي يستحوذ على العاطفة باثارة تجربة جمالية تطرح الغرابة على المألوف وتسعى لجعل المدهش أليفا، والادراك شفافا.

(يا نور السماء انهمر.. على تلال الورد والياسمين.. على كل عيون الحائرين..

على الساجدين والواقفين للمحبة.. للإخاء.. للصفاء….

أسدل دلالاتك على البحور والجبال… باسمك يسبح للواحد المبدع الخلاق…) 

واذا أخذنا بقول “موكاروفسكي” بان (الضابط الجمالي لا وجود له لان ماهيته هي الخروج عليه) فان صباح احتفظت بشعرها بالسامي والمتميز لتعطي صورة معبرة للمرأة المغربية حين تقول: 

(هي الحب الجارف، دلال رقة وجمال، 

عطاء إحساس ومبادئ، وفية بهية رمز البناء، 

ترفض فتاوي الظلام، فتاوي تعرقل الخطى.. 

وتوقف الروي من السحاب، هي المرأة المغربية.. )

ان الضوء موصول دائما في قصائد صباح هزاز، ربما يأتي من دواخلها المتألمة لينعكس في القصائد، ذلك لوجود قيم إنسانية وفنية تظهر في بنية القصيدة التي تبوح دائما لتقدم نفسها بلغة غير مشروطة، توصلنا الى شعر جمالي يبحث عن عالم متغير يسير نحو ما بعد الحداثة. وحتى لا تنتشر كلماتها في شتات القصيدة مثل بعض الأوطان في كل مدارات الأرض، لا بد من ان نتبع هذا الديوان في كل صفحة من صفحاته الشعرية الأولى بالعربية التي تشرق من وراء تلال اللغة لتدخل الى أعماق الروح التائقة الى الشعر. 

 في قصيدة (مصباح… مصباح)، صباح تصرخ في وجه العتمة تنادي النور نور المحبة نور الحياة في عالم مليء بالحروب، بالموت وبالدمار. 

(ما حان الوقت في ذاك الليل الطويل…. صاخب بآلام الموجوعين….

قدماي كالسحاب على البحر.. يبحثان عن الضوء الشريد

مصباح يبكي بإحساس فريد.. كأنه عصفور جريح.)

ولفلسطين نصيب في هذا الديوان فهي لا تغيب عن فكر هذه الشاعرة المغربية، القدس تهز كيانها انها كل التاريخ في هذا الخارج من الجرح المتشكل في نزيف فلسطين، ان في شعر صباح حزن شفيف للقدس وما بالإمكان الوصول اليها فبدءا منها أصبح يؤرخ للتاريخ ولفقداننا فلسطين. ان صباح تثور على لغة الهزيمة لتعطي لتمردها لونا أخر جعلت من القصيدة صفعة موجعة للغة الهزيمة. وفي ضوء كل ما يحصل ينفتح جرح أمهات الشهداء على كل المعاني التي تؤلف صورة الوطن. هكذا صباح في واقع الشعر والشعراء تكوّن قضية آخر ما فيها صرخة رافضة تهز أعماق النسيان لتبقى الأرض شاهدة على المأساة الفلسطينية.                       

في قصيدة “فلسطين حبيبتي”: 

(يا أرض توقفي.. ويا ماء تجمّد.. 

القدس حبيبتي……. لن نقبل ان تهان 

جعلوك يا قدس مدينة الاحزان

وانت معقل الحب والأمان.) 

 

ان قصائد هذا الديوان هي من الاشكال الشعرية الاكثر سموا وإنسانية، حيث تُبرز الشاعرة في مضامينها علاقة الانسان بأخيه الانسان وضرورة ترابط هذه العلاقات بما يحيط بها من تفاعل لإنتاج مجتمع قادر على مواجهة ما يعتريه من دمار في نفوس البشر.

  • تضمن الديوان 41 قصيدة مع مقدمة للكاتب والروائي حسن الامامي ومقدمة أخرى للكاتبة والناقدة مجيدة السباعي اقتطف منها هذه الكلمات: (انها الشاعرة الفذة خفيفة الظل جميلة الروح والحس والكلم، صباح الهزاز صوت شعري ناعم بارع في تسخير الحرف وتطويعه بالعربية والفرنسية.. حروف معتقة شاهقة ساحرة آسرة، تضج صدقا وصفاء يفوح بطعم انتعاشة الصباح وصفاء الكون وطهر القلب والمشاعر).
  • أما الكاتب والروائي حسن الامامي فيقول في مقدمته: (في حضور بهي وشفاف كالماء في صفائه ومجراه كالنهر في هديره تعزف بوجدانها على إيقاع الشعر والموسيقى والفن والحب والانسانية……. ربما ما نتوخاه في أنفسنا تقربه منا روح الشاعرة صباح الهزاز..) 
  • أما الشاعر عبدون اسماعيلي فقد قال: (كل ما كتب ويكتب وكل مداد نزل وتبزل من عيون الأقلام حزنا كان أم فرحا في أي زمان وأي مكان هو فعل محمود…. أما ان كان التوقيع بصيغة المؤنث فالفعل محمود صادق فطري يحمل بين طياته هم التقويم أو التغيير أو هما معا. 
  • وما اجتمعت النقاط الثلاث الا كان العمل من القلب الى القلوب.. والهمس أقدم وأنجع وسيلة وأرقاها لوصول الرسائل خالية من شوائب الضجيج، خاصة ان كان الهمس في الصباح ومن الصباح، ولا يتقن فن الهمس في الصباح الا الانثى: الانثى الام.. الانثى الزوجة.. الأنثى الأخت.. ولكن…)
  • كما أرفقت الشاعرة في مقدمة ديوانها كلمة لجبران خليل جبران: “لا قيمة لعطائك ان لم يكن جزءا من ذاتك…”
  • وكلمة أخرى للشاعر الصوفي جلال الدين الرومي: “لا تترك هذا الصباح لا تتركه يمر من غير ان تلقي نظرة على قلبك… فالذي نسوا قلوبهم في الصباحات نسوا شمسهم التي لا تغيب…..”        
  • عناوين القصائد:
  • لمن يهمس الصباح***يا نسيم الصباح***المرأة المغربية***كن لي وطنا*** 
  • يا نورالسماء ***سأقول لك سرا سيدتي***هي البدايات***عالم لم يولد بعد***
  • للأمل أشدو***لعبة الصمت***صديقتي أحبك***أنت يا قمر*** مع قهوة الصباح***
  • دعوة***الصمت ***هي امرأة خمسينية ***مرحبا برمضان*** للحب ألوان شتى***
  • وحدة الليل*** أيها الوجع المرير*** سلام*** ميلاد.موت.ملاذ*** حب لا محدود***
  • قصائد لروحي*** جمال شعرك سيدتي *** عاشقة المطر*** مرايا ***أيها المطر*** 
  • البوح المستحيل 1*** وحيدة في المحطة*** أرقب الاحتضار*** هي والسفر*** 
  • لذكرياتي.. لون آخر *** لماذا؟؟؟ *** وشوشات صاخبة *** دقيقة صلح ***
  • فلسطين حبيبتي*** العودة للصغر*** البوح المستحيل***مصباح.. مصباح***

اترك رد