مسافات: رغم رحيلها ما زالت لطفية الدليمي معنا في عالمها الابداعي

 

  منيرة مصباح

 

كثيرا ما دفعتني كتابات لطفية الدليمي واعمالها الروائية وترجماتها للبحث عن إجابات لأسئلة كثيرة كانت تنتابني بعد كل عمل اقرأه لها، كما كانت كلماتها تسير بي نحو الإحساس بجدوى وقيمة الكتابة في عالم يموج بالحروب، ويجعلنا نخلق تساؤلات أخرى مع اجاباتها..

كما أن الاحداث التي نعيشها يوميا على الصعيد السياسي والصحي والعلمي والتكنولوجي والثقافي والاجتماعي الذي يعم الكرة الارضية، لا تدفعنا للتنحي انما لزيادة معرفتنا، أزاء طرح أي قضية أدبية أو فكرية. وبرحيل الكاتبة والاديبة والمترجمة العراقية الكبيرة لطفية الدليمي فقد خسر المجتمع الثقافي العربي قامة إبداعية أدبية لطالما انخرطت في الدفاع عن قضايا المرأة بمشاركاتها الدولية العديدة. وهنا سوف أكتب عن مجموعتها القصصية “مسرات النساء” التي تقول هي نفسها بانها الأكثر تمثيلا لتجربتها في السرد القصصي. 

 لقد وجدت في هذه المجموعة  قليلا من الفرح الممزوج بالألم والحزن، وكثيرا من الحياة التي تقاوم الموت في عالم يصنع الموت في كل مكان، وكما من الثقافة التي سوف يتلقاها القارئ من هذا الكتاب الذي اسمه “مسرات النساء”. 

 

في هذه المختارات تحكي الكاتبة عن العراق وناسه عن معاناة المرأة والرجل في بلد محتل، بلد فيه الموت يوميا تتحمله المرأة بصبرها كما الحبيب والابن والاخ والزوج. كما تصوغ بعض قصصها عن المهاجرين ايضا، بخيال يفوق الواقع في مجتمعاتنا. هذه المختارات بعد الانتهاء من قراءتها شعرت وكأنني قرأت رواية عن العراق وعن الانسان. فكل القصص تدور في نفس المكان والزمان مع الرجوع الى الماضي أحيانا ومع اختلاف الاسماء أحيانا أخرى، كما ان عناوين القصص كأنها فصول لرواية. 

عندما بدأت قراء القصة الأولي وهي قصة حب والم يخفيه الحبيب عن حبيبته كي لا تسقط في شرك الألم معه، ذلك الألم في اليد التي تتشنج بسبب اصابتها، كما الألم الجواني الناتج عن الدمار الحاصل في العراق، انه ألم هي تعرفه، ولكن حبهما يضعانهما في بوتقة اللحظات السعيدة والجميلة، في عالم يحيطهما بكل انواع البشاعة المدمرة التي يقوم بها البشر، من تدمير الأنفس الى تدمير المدن الى تدمير التاريخ والأرض والوطن. فكيف يكون للنساء مسرات في هذا العالم الدامي؟ لنذهب الى سرد الروائية لطفية الدليمي.   

تقول في قصة “السيكلوب الأزرق”: منغمسا في الحياة، وكأنه يكتشفها أول مرة، يغبط عمران نفسه على الحب، هذا الحب الذي لا يدرك نعمته غير الذين استغرقوا دهورا في الكوارث….. في مدينة لا يعرف أحد فيها البشاشة ولا تشع عيون أهلها بالزهو…. ولذا ينغمس عمران في حب رابية وكأنه يطيل أمد حياته، فلا تتخمر المأساة في لحمه، في مدينة الألم والمحرمات. هكذا كان عمران يسترق الحب وسط آلامه مع رابية الحبيبة التي كان يقضي لحظات السعادة معها.    

 هذه المجموعة القصصية شديدة الخصوصية والمتميزة والمختلفة، والتي تحمل بصمة عالم الكاتبة لطفية الدليمي، وقدرتها العالية على التكثيف، مع التقاط لحظات القص الخاصة جدا بأحوال العراق، والتعبير عنها بابداع لغوي في سردها الادبي. 

تتضمن القصص العناوين التالية: “السيكلوب الأزرق، جياد في الليل، حمامة في الظهيرة، للنساء مسرات الغياب، نبرة الفراديس المؤقتة، كابوتشينو، سكان الفورمالين، برتقالة سمية، تقتلون التنهدات وأحلامنا، ما لم يقله الرواة عن شهرزاد، مسرات الغرف الذابلة. 

لطفية الدليمي تطرح قضايا فكرية وعلمية مرتبطة بهذا العصر في هذه المختارات، منها التقدم الطبي في علاج يد عمران المصابة بسبب من الشظايا في الحرب القميئة في بغداد، فالقراءات الفلسفية والعلمية تعطي بعدا للكتابة، وقد وعت الكاتبة هذا الأمر ووظفته في السرد القصصي، لذلك ظهر في كتاباتها اطلاعها الواسع على العلوم الموسوعية، حيث أن المعرفة العلمية أصبحت متقاربة مع الكتابة الأدبية، فهي تقترب من الرؤيا للإنسان وللعصر، وهي بالتالي تعطي الادب فكرا معاصرا، وتعمق النظرة للواقع وللانسان وللسلوك البشري. وحين تتطرق لمعاناة الرجال والنساء والأطفال، نستشف مدى ثقافتها في علم النفس وما يختلج في نفوس أبطالها من مشاعر، كآبات وحزن وألم، كل ذلك بسبب احتلال بلدها العراق الذي تراه يتألم بناسه وأرضه، لكنها مع ذلك لا تنسى الحب. تقول في قصة “للنساء مسرات الغياب”: 

كنت أسمع أصوات الانفجارات، وصرخات النساء المروعات في شوارع بغداد، يبحثن عن رجالهن وأبنائهن بين الجثث الملقاة على الارصفة…… لا أبدا ما كان سيسمع ندائي، ولن يجدني امرأة مجسدة لها حضور مادي في المكان والزمان المتحولين الى جحيم.

في مجموعتها هذه توغل الكاتبة في عالم التجديد حيث تُدْخل كل انواع الفنون الى الافكار المركزية في قصصها من لوحة تشكيلية الى لحن كونشرتو الى مشهد تمثيلي لتصبح قصص ممسرحة كاننا نشاهد مسرحا قائما أمامنا ونحن نقرأ هذه السرديات، فهذه المسرات غائبة في الحقيقة والواقع لكنها موجودة في خيال شخصيات نسائها. تقول على لسان الساردة للقصص: “فتحت التلفزيون ورأيت عازفة يابانية، تعزف كونشيرت البيانو رقم 4 لبتهوفن، سحرني عزفها، وغمرني نوع من السلام النادر، وتناءيت عن الارض وما فيها وملأتني الموسيقى بفيوض من الغبطة….. وخيل الي أن جسدها الابيض يمتزج بأسود البيانو، وسواد ثوبها يتلاشى في الملامس البيضاء، حتى اختفى الجسد تماما..” 

هنا أتساءل هل الزمن هو المسافة الفاصلة ما بين الميلاد والموت، ام هو مقدار الحركة في المكان كما يقول “أرسطو” أم هو الفناء.. أم هو الحياة.. أم هو وعي الحضارات للزمن؟ وأجدني اتوافق مع ما قاله ارسطوأنه مقدار الحركة في الزمان، فالزمن هو الفاعلية في الحياة. لكن المسرات عند شخصيات هذه الحكايات لا تنتهي عند سماع الموسيقى انما الموسيقى بداية لمسرات أخرى حسية وجسدية خيالية في حياة نساء لطفية الدليمي. 

ان الزمن عند الكاتبة هو زمنين أو ايقاعين، هناك الزمن بمعنى الايقاع، وهناك آخربمعنى الزمان، أي اللحظات التي يعيشها الانسان الكائن الحي، والمرتبطة بالحياة، واقعي وآخر خيالي. الزمن الاول دائما فرضي يعبر عن الماضي في متخيل الشخصية، أما الزمن الثاني فهو الحاضر أو الواقع المؤلم والذي تحاول الشخصيات الانثوية الهروب منه الى الماضي المتخيل والاجمل.. هروبا من الألم والخوف والرعب الذي تعيشه، تقول في احدى تجليات الخيال: ” عدت أبحث عن جسدي الذي تلاشى في كونشرت البيانو…. آه، انني لا اتوهم ولست أعاني من هلوسات، ولست أحلم، فأنا متيقظة، وأنا الآن بلا جسد ولا حجم وأكاد أطير شبه فقاعة أو ملاك باهت…”، لكن الكاتبة من خلال هذه المعاناة النسائية تعود بالماضي السحيق وما تحمله من مضامين من خلال صورة معلقة على جدار الغرفة:

“رأيتها تنظر الي حتى ظننت أنها تسخر مني وهي تراني بكل حواسها المتحفزة، بينما تحولت أنا الى عدم وفراغ، لقد انتهيت وبقيت هي تتراءى في المرايا وتتكاثر في الهوى الصاخب وتصرخ في الأزمنة.. تملكني الرعب وبدأت اعي محنتي، انني امرأة استحالت الى هواء، فماذا تفعل امرأة بلا جسد بحياتها”. 

ان ظلال الماضي والحاضر هي التي ترافق الكاتبة في “مسرات النساء” لتسكب ما بقي من آثار الواقع على سردها لهذه الحكايات في كتابة لم أستطع الهروب منها انما دفعتني لأكتب عنها وأتساءل: ما هي الحقيقة التي يبحث عنها العمل الابداعي؟ وهل في العمل الابداعي من حقيقة؟ وما الفعل الذي يربط في الكتابة الابداعية بين الخيال واللغة على صعيد الواقع العملي لديمومة الحركة الابداعية الثقافية في كتابة لطفية الدليمي.

ان العمل الابداعي يبحث عن حقيقة غير متعمدة حتى لا تفقد حداثتها كلما قدمت شيئا من الاحلام في الوقت الذي ولدت فيه أفكار هذه السرديات. ازاء هذا نرى لطفية الدليمي تتوغل في خلايا التجربة الانسانية المعاشة، حتى يصبح السرد الابداعي خاضعا لوعيها وبالتالي يصبح قادرا على خلق الحلم المجسد فنيا في مساحات لدى “مسرات النساء”، وتكون بالتالي نبوءة تبشر بتجاوز الواقع لمستقبل حياة كما تريدها ان تكون.    

وأذكر في نهاية المقال ما قاله “كلود مونيه” رائد المدرسة الانطباعية الفرنسية في الفن أن (كل الظلال بنفسجية)، ويقصد بالظلال أنها رمز للمستقبل الذي لا نعرف حدوده. 

 

  • لطفية الدليمي: روائية وكاتبة قصة ومترجمة 
  • من اعمالها الروائية:

_من يرث الفردوس

_بذور النار

_ضحكة اليورانيوم

_حديقة حياة

_سيدات زحل

_حديقة حياة

_عشاق وفونوغراف وأزمنة

من مجموعاتها القصصية:

_مسرات النساء

_اذا كنت تحب

_برتقالة سمية 

_مالم يقله الرواة

_موسيقى صوفية

_ممر الى أحزان الرجال

_البشارة

_التمثال

_عالم النساء الوحيدات

أما الاعمال الدرامية منها:

_مسرحية الليالي السومرية

هذا الى جانب العديد من الترجمات والدراسات النسائية قديما وحديثا وغيرها كثير من الكتابات.

 

      

اترك رد