منيرة مصباح
فلسطين المحتلة التي ما زالت حتى يومنا هذا تشغل العالم بسبب الصراعات الفكرية والدينية، وبسبب غياب الحق والعدل مع توحش القتل والابادة الجماعية في قتل الاطفال والنساء، ما كانت في يوم من الأيام وخلال عصور التاريخ الا ذات تطلعات عديدة من شعوب كثيرة أرادت السيطرة عليها لموقعها الاستراتيجي وأحيانا الديني هذا الى جانب مناخها المعتدل. وكل الشعوب الأخرى التي مرت بها لم تكن الا عابري سبيل أو مغتصبين لأجزاء من هذه الأرض الكنعانية التي كوّنت تاريخ هذه المنطقة.
والصهاينة في عصرنا الحديث لم يختاروها إلا لأنها ذات موقع استراتيجي يجعلها نقطة ارتكاز لجميع قوى العالم، ولأنها ملتقى القارات الثلاث “أسيا، إفريقيا، أوروبا”. هذا الى جانب ان أرض هذه المنطقة مليئة بالمصادر المعدنية وغيرها من الثروات التي تساند هذا العصر بكل تحولاته وتقدمه التكنولوجي. وفي النهاية هي المركز العسكري القادر على السيطرة على العالم.
هذا ما دفعني الى قراءة كتاب تاريخ فلسطين القديم للباحث الهندي ظفر الإسلام خان، حيث جاء الكتاب شاملا لتاريخ فلسطين القديم ما بين 1220 ق.م- 1359 م. قسم الكتاب الى عشرة فصول تضمنت حقائق تاريخية.
في الفصل الأول: تناول الباحث اسم فلسطين وحدودها وموقعها الجغرافي خلال عصور التاريخ والشعوب التي سكنتها، حيث يرجع الاسم الى الشعب الذي سكن السهول الشمالية والجنوبية من فلسطين وهم “الفلستينيون”. وتأتي أول إشارة لهذا الاسم “بلاستو” الذي أطلقه الملك الأشوري “أداد نيراري” حين أشار بهذا الاسم الى ساحل الشام الجنوبي الذي كان يسكنه الفلسطينيون.
في الفصل الثاني يشير الباحث الى ان الكنعانيين العرب هم سكان فلسطين القدماء الذين ينحدرون من شعوب الجنس السامي “العربي” التي كانت تسكن سوريا وفلسطين، حيث بدأوا بالتوافد في سلسلة من الهجرات، وكانت الهجرة الكنعانية هي أقدم تلك الهجرات وقد تضمنت أيضا الفينقيين الذين هم أيضا فرع من كنعان السامي، وقد توغلوا حتى اقصى الغرب من بلاد الشام. أما الشعوب التي كانت تسكن غربي نهر الأردن سميت بالأموريين أو العموريين وهم سبع قبائل منهم اليبوسيين الذين كان لهم مملكة قوية عاصمتها القدس وكان لهم درجة كبيرة من الحضارة في ذلك الوقت.
في الفصل الثالث تناول الباحث بداية دخول العبرانيين الى فلسطين قبيل العصر البرونزي، حيث كان يسكنها الفلسطينيون واليبوسيون وقبائل كنعانية أخرى بعد ان خرجوا من مصر. وكان يقودهم في الاحتلال الهمجي لفلسطين “يشوع”، حيث ارتكبوا أبشع الجرائم ضد السكان في ذلك الوقت من مجازر، كما أهلكوا كل ما مرّ أمامهم من رجل وامرأة وطفل وشيخ، حتى الحيوان لم يسلم منهم، وهذا يذكرنا بما حصل ويحصل في مدينة غزّة في عصرنا الحالي. ورغم كل هذا لم يستطيعوا احتلال كل أجزاء فلسطين بسبب وجود ممالك أخرى قوية من المؤابيين والادوميين لم يستطيعوا احتلالها وبقيت مستقلة.
أما أسباب احتلال العبرانيين لأجزاء من فلسطين يعود الى الانقسامات الكبيرة التي كانت تعاني منها العشائر الكنعانية وبالتالي أدى هذا الوضع الى استقرار العبرانيين بالتدرج، دون ان يكون لهم سلطان الا لفترات ضئيلة. ويستشهد الباحث برأي المؤرخ الفرنسي “مارك بلوخ” الذي يقول في كتابه “أرض المعركة”: لقد عيّنَ يشوع رقعة لقبائل لم تستطع ان تملأها.
في الفصل الرابع والخامس بدأ الباحث في تأريخ وجود العبرانيين في فلسطين وانقسامهم الى مملكتين ومن ثمّ دخول “نبوخذ نصّر الأول والثاني” الذي حطّم المملكتين وبعدها سباهم الى بلاد ما بين النهرين. ثم حاول العبرانيون العودة الى أرض فلسطين لكن تصدّى لهم في ذلك الوقت كل من الكوشيين والسومريين ومنعوهم من الاستيطان مرة أخرى في فلسطين.
في الفصل الخامس يقول الباحث ان العرب قد حكموا فلسطين قبل دخول الاسلام بثمانية قرون، وكان منهم الانباط الذين كانوا يسكنون الجزيرة العربية شمالا، وعاصمتهم البتراء، وكان يطلق اسم الانباط على كل الشعوب التي سكنت المنطقة الممتدة فيما بين سوريا والجزيرة العربية ابتداء من الفرات الى البحر الأحمر، وأثار البتراء القائمة الى الآن تثبت انهم كانوا ذوي حضارة عظيمة وسياسة فعالة في تاريخ البلاد.
ولا ينسى الباحث “ظفر خان” ان يذكر الثورة المكابية عام 167- 160 ق.م .
في الفصل السابع والثامن يقول الباحث “ظفر خان” ان الدولة العبرية لم تكن الا دويلة مشاغبة توسعية عنصرية، تعرقل نهضة شعوب المنطقة للاستيلاء على مواردها. كما يتناول الفترة التاريخية ما بين (206 – 739 م – 15 هجرية) أي من عهد قسطنطين حتى الفتح الإسلامي، وكيف ان العبرانيين انضموا الى الفرس في حربهم للدولة الرومانية لينتقموا انتقاما كبيرا من المسيحيين.
في الفصول الأخيرة من البحث تناول الكاتب المرحلة التاريخية الواقعة ما بين انتشار الإسلام والحروب الصليبية (639 م – حتى 1096 م أي 15 هجرية). كما ذكر كيف دخل عمر ابن الخطاب بسلام الى القدس وأبقى مفاتيح المدينة مع الرهبان المسيحيين الى غير ذلك من المتعارف عليه تاريخيا. وتابع المسلمون السيطرة على كل فلسطين حتى غزّة واجنادين وقسارية.
وفي النهاية يعرض الكاتب تاريخ الحملات الصليبية التي توالت على المشرق وعلى فلسطين بالتحديد ما بين (1099 – 1369 م) ويرجع سبب نجاح هذه الحملات الى الخلافات القائمة آنذاك بين الدولة العباسية والدولة الفاطمية، والى انقسام الامراء السوريين مما أتاح للصلبيين احتلال مدينة القدس وتأسيس المملكة المقدسة عليها. لكن بعد ان توحدت سوريا على يد قوة من الموصل سنة 1130م، وجاء كما يقول الباحث “ظفر خان” صلاح الدين وحّد سوريا ومصر واستطاع إعادة الأراضي الى أصحابها.
وبعد هذا الموجز لكتاب الباحث الهندي (ظفر خان) نرى ان فلسطين والمنطقة التي تحدها ما كانت الى مسرحا للصراعات الدولية كما هو الآن، رغم ان من سكنها عبر عصور التاريخ قبائل عربية وبعضهم كان على درجة عالية من الحضارة لأنهم كانوا أصحاب زراعة وتجارة منذ القدم، بعكس العبرانيين الذين كانوا أخلاطا من مجموعات غير منسجمة قامت على اعتاب الممالك الكبيرة تنتظر ضعفها للدخول اليها واحتلالها بالقتل والذبح والابادة ونهب القرى وتدميرها حتى تستطيع بسط سيطرتها.
وقد ذكرت فلسطين من قبل المؤرخ اليوناني القديم “هيرودت” في كتابه “التاريخ” عندما ذكر سوريا بان فلسطين هي المنطقة التي تقع بين فينيقيا ومصر، وهذا يثبت ان أرض فلسطين أرض عربية وان الكنعانيين هم اول من سكنها، كما وانهم شعب عربي سامي.
ولا يسعني في النهاية الا ذكر قصيدة الشاعر الراحل محمود درويش:
عابرون في كلام عابر
أيُّها المارّون بين الكلماتِ العابرة
احملوا اسماءكم وانصرفوا
واسحبوا ساعاتكم من وقتنا، وانصرفوا
وخذوا ما شئتم من زرقة البحر ورمل الذاكرة
وخذوا ما شئتم من صورٍ كي تعرفوا
أنكم لن تعرفوا
كيف يبني حجرٌ من أرضنا سقف السماء..
أيها المارُّون بين الكلمات العابرة
منكم السيف ومنَّا دمنا
منكم الفولاذ والنار- ومنَّا لحمنا
منكم دبابة أخرى- ومنّا حجر
منكم قنبلة الغاز- ومنا المطر
وعلينا ما عليكم من سماء وهواء
فخذوا حصتكم من دمنا وانصرفوا
وادخلوا حفل عشاء راقصٍ وانصرفوا
وعلينا، نحن، أن نحرس ورد الشهداءْ.
وعلينا، نحن، ان نحيا كما نحن نشاء!
أيها المارُّون بين الكلمات العابرة
كالغبار المُرّ مرّوا أينما شئتم ولكنْ
لا تمرّوا بيننا كالحشرات الطائرة
فلنا في أرضنا ما نعملُ
ولنا قمحٌ نربِّيه ونسقيه ندى أجسادنا
ولنا ما ليس يرضيكم هنا:
حجر… أو حجلُ
فخذوا الماضي، إذا شئتم، الى سوق التحفْ
وأعيدوا الهيكل العظمي للهدهد، ان شئتم،
على صحن خزف.
فلنا ما ليس يرضيكم: لنا المستقبلُ
ولنا في ارضنا ما نعمل
أيها المارون بين الكلمات العابرة
كدّسوا أوهامكم في حفرة مهجورة، وانصرفوا
وأعيدوا عقرب الوقت الى شرعية العجل المقدس
أو الى توقيت موسيقى مسدس
فلنا ما ليس يرضيكم هنا، فانصرفوا
ولنا ما ليس فيكم: وطن ينزف وشعب ينزف
وطنا يصلح للنسيان أو للذاكرة
أيها المارون بين الكلمات العابرة
آن ان تنصرفوا
وتقيموا أينما شئتم ولكن لا تقيموا بيننا
آن أن تنصرفوا ولتموتوا أينما شئتم ولكن لا تموتوا بيننا
فلنا في أرضنا ما نعمل
ولنا الماضي هنا
ولنا صوت الحياة الأول
ولنا الحاضر، والحاضر، والمستقبل
ولنا الدنيا هنا… والآخرة
فاخرجوا من أرضنا
من برنا.. من بحرنا
من قمحنا.. من ملحنا.. من جرحنا
من كل شيء، واخرجوا
من مفردات الذاكرة
أيها المارّون بين الكلمات العابرة




