منيرة مصباح
العلاقة بين الفرد ومحيطه الاجتماعي هي المادة الأساسية في السرد الادبي الى جانب الخيال الفردي للكاتب والمعطى التاريخي أحيانا بين الفرد ومجتمعه والتي تتصف بالواقعية الى جانب عزلة الفرد المبررة في اغتراب الانسان ووحدته وهجرته وانسلاخه في هذا العالم، وهي بالتالي المواضيع التي يتجه اليها الأدب الحديث والمعاصر، وأثر ما يسمى ( السوشيل ميديا) المفتوحة على الهواء الافتراضي في كافة انحاء الكرة الأرضية. وتبقى عزلة الاديب الاختيارية مهمة للكتابة لكن دون الابتعاد عمّا يدور حوله في عالم بدأ يدخل الربع الثاني من الالفية الثانية للمكان والزمان كما بدأ يدخل عالم الذكاء الاصطناعي.
الدكتورة والروائية لطيفة حليم التي أصدرت العديد من الروايات والكتب وانطولوجيا شاعرات المهجر، تطرح هذه القضايا في اعمالها العديدة، لكنني اخترت ان أكتب عن “كرونا” لأنها تناولت فيه موضوعا معاصرا شغل الكرة الأرضية وجعل البشر متساوين في عزلتهم بسبب الوباء الذي بقي مدة سنتين منتشرا مما أدى الى الحجر الصحي لكل البشر خوفا من الإصابة بعدوى ما يسمى “كرونا” وهي جرثومة قاتلة لم يعرفها العلم الطبي قبل عام 2020.
وقبل ان ابدأ بقراءة كتاب “كرونا” اعتقدت ان هذه رواية من الروايات العديدة للدكتورة لطيفة حليم، احداثها قد حصلت في زمن انتشار هذا الوباء في العالم.
لكن بدأت اتكشف أسلوب هذا السرد من بداية الاهداء الذي جاء بكلمات جميلة (الى صديقات أجمل العمر) وأحيانا بكلمات محزنة (الى الذي خطفته كرونا في غفلة وانا في منتريال)، ثم مقدمة الناشر وبعدها الاستهلال الذي قدمته الكاتبة، والذي جاء فيه: (هذه القطع السردية عن “كرونا” عشت احداثها.. كنت أكتبها على الفيس بوك يوميا، وبعد ان اختفت “كرونا” حاولت أن أنتقي بعضا منها واجمعها في كتاب، وذلك لانها تؤرخ لمرحلة من الرعب ما زالت آثارها ماثلة بين عائلتي وصديقاتي الذين أصابهم هول “كرونا”.
لطيفة حليم في سردها تمزج ما بين الواقع والرمز ما بين التراث والمعاصرة وما بين الماضي والحاضر واسقاط أحدهما على الآخر. كما نلاحظ دائما ان هناك جملا تبطن العديد من الأفكار الحداثية مثل تحرر المرأة، حين تذكر الجدة التي تنسج زربيَّة لتختزل في ملمسها الحرية (والزربية هي السجادة).
الكاتبة لم تستعمل زمن “كرونا” لتصنع رواية، كما فعل غيرها كثير من الكتاّب سابقا في العالم للكتابة عن مثل هذه الأوبئة القاتلة، منهم ما يستحضرني رواية الطاعون التي قرأتها منذ زمن بعيد وتأثرت بها، للكاتب الفرنسي ألبير كامو الذي ابرز في الرواية عادات الشعب الجزائري في منطقة من مناطق الجزائر وهو بالتالي دفعني لقراءة بقية أعماله التي أذكر منها الغريب والعبث وغيرهما، بينما لطيفة حليم كتبت بأسلوب حداثي جديد صورت العزلة الجسدية القسرية واستبدالها بالكتابة عن التواصل عبر الهواء الافتراضي مع صديقاتها الكثيرات وسجلت ما كان يدور بينهم من حوارات ترميزية أسقطتها على التراث والتاريخ والواقع الى جانب تناولها لقضية العصر والمستقبل وهي الذكاء الاصطناعي. لذلك نراها كثيرة التنقل ما بينهم لتضفي معان أرادتها في ابراز الفكر الحداثي والتطور المجتمعي الذي تمثله شخصية الحفيدة وهي تحمل لوح العقل الالكتروني “التفاحة”، وما بين الجدة التي تحاول الدخول الى هذا العالم الجديد.
ان كل فصل من فصول “كرونا” يحمل عنوانا لأسماء صديقات وأصدقاء او معارف أو أسماء كتب من التراث كانت قد قرأتها، لكن ما جاء تحت الاسم أو العنوان يحمل فكر وأراء الكاتبة والاكاديمية لطيفة حليم، واعتقد ان ذلك يعود للحداثة في السرد وهي اعلم الناس بها لأنها تدرّس الادب والنقد الحديث في الجامعة.
مثلا تحت عنوان “رقية ” تتكلم عن فلسطين وهي الحاضرة دائما في فكر الكاتبة وفي كافة أعمالها ورواياتها، لكن تبدأ هذا الفصل بمشاهدة فيلم عن اعدام امرأة حصل عام 1834 في المغرب، وتقول كانت فلسطين حرة ولا وجود لإسرائيل، وتليها جملة أخرى عن مخرج فلسطيني شارك حديثا في مهرجان “كان” بفلم عن فلسطين عام 1920 ونحن الان في الربع الثاني من الالفية الثانية. إذا العلاقة هنا بين التواريخ هي عصر “كرونا” ومجازر غزة كما مجازر بقية فلسطين سابقا حين احتلالها قبل قرن من الزمان تقريبا وبين زمن اعدام المرأة. هي إذا تراوح عن قصد ما بين الماضي والحاضر بالنسبة لفلسطين لتقول كيف استطاع هذا المخرج بفلمه ان يدحض مزاعم الاحتلال بان فلسطين ارض بلا شعب، تقول: فلسطين ستعود لشعبها كما عادت الجزائر بعد احتلال استمرّ أكثر من مائة سنة.
لكن تبقى كورونا هي المحرك الأول للأحداث التي تسردها لطيفة حليم في وقت البقاء القسري في البيت باستعمال وسائل التكنولوجيا الحديثة للتواصل مع العالم الخارجي وخاصة صديقات أجمل العمر اللواتي يرتّقْن الزربية المهترئة التي يعود عمرها الى مئة سنة مضت كما تعود هي الى المكتبة الالكترونية لقراءة التراث الإسلامي على لسان البخاري حديث رقم 588 “فجعلت المرأة تلقي قرطها”، بمعنى انها تقدمه كصدقة لزكاة الفطر. وأحيانا أخرى تعود الى ابن الجوزي الذي يمنع ثقب اذني الأنثى. وهذا المثل يبين الاختلاف بين الاثنين، وكيف اننا مازلنا نتبع الماضي التراثي في حياتنا الاجتماعية دون التفكُّر فيما يحدث في هذا العالم المعاصر، وتتساءل: من صنع “كرونا”؟ الله؟ الطبيعة؟ وتجيب على لسان احدى صديقاتها: “كرونا” علامة على السقف الذي وصلت اليه أوضاع القيم الكونية.
أما أنا فأقول ربما من صنع كرونا هو الزكاء الاصطناعي، لذلك علينا ان لا نتخلى عن كل التراث الإنساني خاصة التراث العلمي في كل المجالات لأنه هو الذي انتقل بنا الى الحداثة التكنولوجية في هذا العالم، وبالتالي الى تقدم وتطور العلوم الطبية بسرعة في اكتشاف اللقاح الخاص بالقضاء على هذا الوباء والحد من انتشاره.
ان لطيفة حليم تطرح افكارها الأدبية الحديثة في مجاز ادبي من خلال المقارنة ما بين الماضي والحاضر فالجدة تمثل كما قلت سابقا الماضي وتحاول الدخول الى الحاضر والمعاصر من خلال شخصية الحفيدة كنموذج يعكس عمليات اجتماعية أكثر تعقيدا ووضوحا في نفس الوقت، وهو بالتالي يعود الى المجتمع وفهمه لهذا النموذج الذي هو مجازا، وهذا لا يناقض الواقع او الواقعية الأدبية، فالمجاز حالة خاصة للنموذج يستعملها الكاتب المبدع.
لقد جاءت كتابة “كرونا” فاتحة خاصة للتواصل النسائي الادبي عبر الهواء الافتراضي عبرت فيه الدكتورة لطيفة حليم عن قدرة المرأة الدخول حقول الثقافة المتعددة والجادة وحدها مع نون النسوة، حيث أسست “غرفة صديقات أجمل العمر” في زمن كانت قصيدة (غرفة موغلة بالأحلام) تتشكل. ان حداثة لطيفة حليم تختلف عن الحداثات الأدبية السابقة لأنها تدخل عالم الحدث عالم الحاضر في سرعته وتحولاته مع عدم الثبات لاي يقين قائم في المجتمعات الإنسانية من حيث العمل والهوية والعلاقات مما يؤدي بالفرد الى محاولة تكوين ذاته دائما.
أما في عنوان الدمية التي تمتلكها الحفيدة، جعلتها الكاتبة حوارية بين الجدة التي تحكي للطفلة عن سرقة الصهاينة للأرض وبين الحفيدة التي تصرخ وهي تحاول النوم: دميتي سرقها صهيوني! الكاتبة تحيل الدمية الى أرض فلسطين.
وتجيبها بصوت منخفض: “انها هربت، تريد العيش في الواقع”.
هنا تمتلك نقل الواقع كما هو بكل عمقه دون الاكتفاء بالوصف الظاهري له وهي تهمس: قضية فلسطين قضية إنسانية… المستوطنون يمارسون شريعة الغاب الخ……
ولا تنسى متابعة الاحداث السياسية الخاصة بما يحصل في فلسطين فتكتب عن حادثة سجن جلبوع الذي هرب منه ستة أسرى وكيف ان الجدة شرحت للصغيرة سبب الهروب، تهتف الطفلة التي تمثل هنا ضمير الإنسانية الذي يصحو ثم ينام: أنا فلسطين، أنا حرّة.
ولا تغفل لطيفة حليم من ذكر بعض أسماء صديقاتها الفلسطينيات المغتربات اللواتي تعرضن للاعتقال قبل هجرتهن القسرية بسبب من آرائهن: “اعتدال من مونتريال، امتثال من أسلو، بيسان من كوبنهاغن، منيرة من شيكاغو، إنعام من الرباط، بثينة من الدار البيضاء، نور من طنجة، نادية من مكناس”. وتضيف وهي تشاهد عودة الأسرى الى السجن: السجن شكل جديد من المقاومة، الشمس تشع في سجن جلبوع.
لطيفة حليم تستخدم السرد الواقعي بهدف تحقيق الوحدة ما بين الإطار الفني والواقع لتعلن عن موقفها الخلاق على نحو يجعل القارئ يشعر بالمتعة، وبالتالي تدفعه للمشاركة في تغيير هذا الواقع في حوارات تأخذ منحى تداول الآراء في قضية من القضايا التي تتناولها في هذا الكتاب مما يساعد على تحقيق العلاقة المتبادلة في تكوين فكر جديد ينبعث من مضامين جديدة تدخلنا في عالم الحداثة من تقابل الآراء وانعكاسها وبالتالي لتوليد هذه المضامين.
الدكتورة لطيفة حليم: كندية من أصل مغربي تقيم بين الرباط ومنتريال، باحثة جامعية وروائية.
أعمالها المطبوعة:
- شاعرات المهجر دراسة أكاديمية
- دنيا جات رواية
- نهاران رواية
- نيران طرفي النهار رواية بطبعتين عربية والإنجليزية
- كرونا كتابة حداثية


