سلامة في مؤتمر “ماذا يمكن للعلوم الإنسانية أن تفعل” في اليسوعية: الوسيط أو الديبلوماسي من دون علوم إنسانية يسير في الظلام

 

شارك وزير الثقافة الدكتور غسان سلامة، في المؤتمر الدولي الذي دعت  اليه الجامعة اليسوعية في بيروت،  وأقيم في حرمها، تحت عنوان “ماذا يمكن للعلوم الانسانية ان تفعل”، في حضور رئيس الجامعة البروفيسور سليم دكاش، مديرة المعهد الفرنسي سابين سكورتينو وحشد من الشخصيات الأكاديمية واعضاء الهئية التعليمية والمهتمين .
وكان للوزير سلامة كلمة للمناسبة تضمنت تجربته الشخصية ودور العلوم الإنسانية في مسيرته الدبلوماسية والسياسية والثقافية.

ومما جاء في كلمة الوزير سلامة: “بعد سنوات طويلة من مراقبة وممارسة العلوم الإنسانية، توصلت إلى نتيجة واحدة: العلوم الإنسانية تعاني من مرض مزمن متكرر الانتكاس، فكل فترة من الزمن، تعود لتطرح على نفسها الأسئلة الوجودية ذاتها: ما جدوى وجودنا؟ هل ما زال لوجودنا معنى؟
هل سنتمكن من تجاوز المرحلة القادمة؟”

وقال: “عندما اجتاحت موجة الاقتصاد القياسي (الإيكونومتري) العالم في أوائل ثمانينيات القرن الماضي، وجدت العلوم الاجتماعية والإنسانية نفسها في موقع دفاعي للغاية، تتساءل بقلق: ماذا سيحل بنا الآن؟ وحين اندلعت ثورة المعلومات في تسعينيات القرن الماضي، تساءلت العلوم الإنسانية من جديد: ماذا سيكون دورنا في عصر الحاسوب، والإنترنت، والهاتف الذكي، وسائر الابتكارات التي جاءت مع الثورة الرقمية؟ هل سنختفي من الوجود؟ ثم مع انتصار الأيديولوجيا النيوليبرالية في أنحاء العالم، عادت هذه العلوم لتسأل نفسها: هل لا يزال هناك مكان للعلوم الإنسانية في عالم يهيمن عليه رأسمالية متوحشة”؟
أضاف: “ومؤخرا، مع الصعود الهائل للذكاء الاصطناعي وما أحدثه من تغيرات عميقة، تساءلت العلوم الإنسانية مجددا: ما هو دورنا في عصر “تشات جي بي تي” الذي يجيب عن الأسئلة قبل أن ننتهي من طرحها؟
باختصار، لقد فهمتم — العلوم الإنسانية مريضة، مريضة بمرض يعود مرارا وتكرارا: كل فترة، تشكك في وجودها. وأنا هنا لأقول لكم إنها مخطئة في ذلك، وإن عليها أن تتخلص من هذا الوهم”.
تابع: “سأبدأ باستطراد شخصي صغير. لقد كنت لسنوات طويلة أستاذا في العلاقات الدولية، ودائما كنت مقتنعا أن فهم العلاقات الدولية لا يمكن أن يتم من دون معرفة الحقائق المحلية. فمن يتحدث عن “الدولي” وهو منفصل عن “المحلي”، يغفل عن فهم دوافع الفاعلين الحقيقيين، ويجهل السياق الاجتماعي والبيئي الذي يتحركون فيه، ويتبنى نظريات جامدة حول “الدول” دون أن يتساءل أولا عن حقيقة تكوينها أو صعوبة نشأتها. وبالتالي، كنت دائما أنفر من الكتابات الأكاديمية في العلاقات الدولية التي لا تبالي بمعرفة الواقع الميداني للمجتمعات التي تتناولها”.
وقال: “أما في السياسة، فقد كان لي شرف الجمع بين دورين في آن واحد:
فحين أجلس على طاولة مجلس الوزراء، أكون في الوقت نفسه فاعلا ومراقبا. أناقش القضايا مثل سائر الزملاء، لكنني أراقب أيضا المشهد كما لو كنت غريبا عنه، أحاول أن أحتفظ بمسافة نقدية، وهذا بفضل تكويني في العلوم الإنسانية، الذي منحني القدرة على أن أكون داخل الجماعة، ولكن أيضا قادرا على مراقبتها وتحليلها. وهكذا، فإن العلوم الإنسانية تعمل في صميم حياتي السياسية”.
أضاف: “أما في حياتي الدبلوماسية – وهو عملي الثالث —-فلولا العلوم الإنسانية لما تمكنت من المضي قدما. تخيلوني مثلا في العراق، أو ليبيا، أو ميانمار، أو في أي ساحة أزمات خدمت فيها، أو حين كنت مستشارا للأمين العام للأمم المتحدة. كيف يمكن أن تتصرف في أزمة إذا كنت لا تعرف تاريخ البلد الذي نشبت فيه؟ كيف يمكنك أن تتوسط بين الأطراف إن لم تفهم نفسية المتحاربين ودوافعهم العميقة؟ كيف تفهم ديناميات الصراع إذا كنت تجهل البيئة الاجتماعية التي يعيشون فيها، وأدوات التعبئة التي توفرها لهم أو تحرمهم منها؟ ما قيمة حديثك عن “حل النزاع” إن لم تكن لديك حاسة أنثروبولوجية تساعدك على فهم الانقسامات الأولية داخل المجتمع؟ وكيف ستفهم طبيعة الصراع إن لم تكن تملك حدا أدنى من الفهم الاقتصادي يدرك المصالح المادية التي تدور حولها المعارك؟”
تابع: “باختصار، الوسيط أو الدبلوماسي من دون علوم إنسانية يسير في الظلام. يرى فقط أفعاله هو، ويكررها بلا وعي حتى تغدو بلا معنى. من تجربتي الشخصية هذه، أقول إن العلوم الإنسانية كانت هبة عظيمة منحني إياها القدر في مسيرتي المتعددة. ومن هذا المنطلق، أجرؤ على أن أقدم لكم ثلاث نصائح:

النصيحة الأولى: لا تخشوا الثورات التكنولوجية. قبل خمسين عاما، خاف الناس من اجتياح الإحصاء، واليوم يخشون الذكاء الاصطناعي. لكن التكنولوجيا ليست خصمكم، بل خادمتكم. إنها هنا لتساعدكم على أداء مهامكم في العلوم الإنسانية على نحو أفضل. استخدموها، روضوها، وضعوها في خدمتكم، فهي ليست هنا لتنافسكم، بل لتعينكم.
النصيحة الثانية: لا تعيشوا في أبراج عاجية — لأنها ببساطة غير موجودة.
أنتم في قلب المجتمع، ولأنكم كذلك، شاركوا معارفكم مع الناس.
لا تخسرون نزاهتكم إذا نصحتم الحاكم، وإن لم ترغبوا في ذلك، فانقلوا أفكاركم إلى المنابر العامة – سواء المادية أو الافتراضية. لكن لا تبقوا صامتين. لا تكتفوا بالحوار مع أنفسكم أو مع أقرانكم. اذهبوا نحو الرأي العام، نحو المجتمع، نحو مراكز القرار.

النصيحة الثالثة: فلنحاول جميعا أن نشفى من هذا المرض المتكرر. العلوم الإنسانية باقية، ولا شيء يمكن أن يحل محلها. قد تتحدى، قد تجبر على مراجعة أدواتها وأساليب بحثها، قد تحتاج إلى دمج مقاربات جديدة لم تعهدها من قبل، لكن لا أحد – ولا شيء – مكن أن يحل محلها. إذن، كفوا عن الاعتقاد بهذا المرض الوهمي المتكرر. أنتم أصحاء بالفعل”.

اترك رد