بدعوة مشتركة من جمعيّة النجدة الشعبيّة اللّبنانيّة (عكّار) وبيت الموسيقى في النجدة الشعبيّة اللّبنانيّة (عكّار) ومنتدى شاعر الكورة الخضراء عبدالله شحاده الثقافي، أُقيم حفل توقيع ثلاثة كُتُب” بَعدِك جَوّات عيوني يا سِت الدار” “مهاجر يقتله الحنين” “حكاية مهاجر” للأديب والشاعر اللّبناني الأستراليّ ميلاد نقولا على مسرح بلدية حلبا – عكّار.
مهّدت للحفل وأدارته الكاتبة سمر قرّة، فكانت البداية مع النشيد الوطني اللّبناني، ثم تعاقب على الكلام: تغريد عبد الفتّاح ممثّلة مدير عام بيت الموسيقى في النجدة الشعبيّة، الدكتور هيّاف ياسين، الأديبة المهندسة ميراي شحاده الحداد (رئيسة منتدى شاعر الكورة الخضراء)، الدكتور مصطفى الحلوة (نائب رئيس الإتحاد الفلسفي العربي)، الأستاذ كامل الشعّار، والمؤلّف الشاعر ميلاد نقولا الذي وقّع كتبه قبل الاحتفال وبعده. تخلّل الكلمات وصلات موسيقيّة مع: أشرف ياسين على آلة السطور، إيلي بشّور على آلة العود، أندرس الترس على آلة الرق.
وفي الختام، قدّمت عبد الفتّاح للأديب والشاعر اللّبناني الأستراليّ ميلاد نقولا درعاً تكريميّاً تقديراً لعطاءاته، كما قدّمت له المهندسة الشاعرة ميراي شحاده مجسّم شعار منتدى شاعر الكورة الخضراء؛ بدوره قدّم الفنان بلال الحلوة لوحات من أعماله إلى الشاعر نقولا وتغريد عبد الفتّاح وميراي شحاده.
في ما يلي كلمة المهندسة الشاعرة ميراي شحاده.
الهيئات الثقافية في حلبا والجوار
رئيس وأعضاء المجلس البلدي في حلبا والقيّمين عليه
أسرة بيت الموسيقى في جمعية النجدة الشعبية عكار
المنتدين الكرام
أهل الشعر ورسل الكلمة
المحتفى به الذي نتحلّق حوله اليوم الشاعر الصديق ميلاد نقولا
كيف أبدأُ كلمتي، وأنا المسحورة بكم وبضيافة الشعر والموسيقى، لاسيّما في طبيعةٍ ، أشجارُها تتكلّم وخُضرتُها تخطُّ دفاترَ في الهوى وأرصفتُها معبّدةٌ بالحب والحنين.
وإذ أقفُ بينكم وعلى مسرح بلدية حلبا، أشتمُّ عطرَ الحروفِ والألحانِ في صمتِ من رحلوا وغابوا في لجج التراب وغسق أغنيات الكون، فأرتعشُ من بركان ألفيّة ثالثة شَوَّهَتها وتُشوَّهها براثن الغربة ونزقُ السفر!! وشموع الاشتياق تذرفُ زيتَها على أدراجِ المنازل، في مساكب الورود…تُنادي لشريكةِ دربٍ طويلٍ “نيللي” من زيّنَت له الدار ثم رحلت ذات تشرين لتسكنَ أحشاءَ ذاك السحاب الوجيع!
يا أيّها المهاجر بين الحنين والأنين! بين ميلاد ذكريات وخدوشٍ على أرصفة الترحال!
ميلاد نقولا وحُزمة العمر تتكسّرُ أوصالُ حكاياها ساعة تغزوها الشجون من مروج طفولتك، من حفافي “ضهر الليسينية” وريفِ عكار ومن دالياتِ الشعر المصفّى في عنب الذكريات …وهديرِ الرحى الذي يدور بنا السبع دورات… يتمدّد تحت نعالنا، ينكُرُنا الثرى وتُنكِرُنا الحياة.. نحنُ جياعُ الأرضِ، لا ندري أين ننتمي…نخافُ البقاء ونشقى ساعة الغياب…وطنٌ محكومٌ علينا الرجوعَ إليه ولو في الأحلام…ولو خفتَ وهجُ الشبابِ نعودُ إليه، نروّضُ ريح اغترابنا ونعودُ نبكيها قصصًا وأشعارًا وسمفونيّات! نخيطُ الزوايا الأربع لمنازلَ من الماضي قد أقفرَ الحبقُ فيه ونطلي جدرانه بكرامة الحبر وشهقة الحب حيث لم نجد لنا كرامات في وطن عشقناه ونموت في عشقه كل مساء لننهض في كلّ صباح نسبّح باسمه مع فيروز والرحابنة “بحبك يا لبنان” ومع وديع: لبنان يا قطعة سما”! ونصلّي باسمه، نتوضَّأُ ثمَّ نكفُرُ…
ثم نعود لنسمع نفس الأخبار التي سمعتَها يومًا يا شاعرنا… التّي لم ولن تتغيّر…فقط تبدَّلَ شكلُ المذياع ومكياج مقدمّات نشرات الأخبار وكثُرَت المحطات والقنوات…يُخبرنك عن أحوالِ الطقس ولا يفقهْنَ كم من زمهرير يعصف في أروقة الفؤاد وكم من برقٍ ورعدٍ يكسوان الربيعَ في بلاد الاغتراب. من منّا لم تزأر في ربوعه أسودُ الغربة ووحشةُ الرجوع …
من منّا لم يشتهِ استراقَ ضوءِ القمر من على سطح بيت جدته … ومن منّا لم ترتعش في أبجديته وفي خاصرة لغته مُلوحةٌ ترشَحُ دمع الحنين!
فغَدَت مجمرةُ أحاسيسه محبرةً ترسمُ الماضي وتلوّنُ الحاضرَ وتثري مواكبَ الأحفادِ بوشوشاتِ المهاجرين. ليأتيَ الهزيعُ الأخير، وتستفيقَ وشائجُ الحبِّ من هجعتها…. ونخشى أن تزول الذكريات ونزول معها ونشيخ…فنكتبُ، نكتبُ الظلالَ ونراقص أطياف أمسنا، نطرّزها…نلونّها وكأنّها لم تكن كفنًا وجرحًا مفتوحًا أبدًا على جبين الأيام.
ميلاد نقولا، أتقنتَ هذا الوجعَ والرقصَ بين أروقتِه..وجعلتنا نشتاقُ لبنانَ رغم أننا فيه نشتاق للحريّة، للكرامة، للإنسان!
مباركةٌ هي إصداراتُك الثلاث…ومباركةٌ هذه الجراح التي لن تندمل طالما هناك شباب يعدو وراء الأفق في لهفة البحث عن هويّته…في البحث عن وطنٍ آخر، وطن فارغ من الأعياد وممتلئ بالهدايا والزخرفات!
ميلاد نقولا.. والندوبُ كثيرةٌ بين السطور لكنَّ إبداعاتِك جعلتها مواويلَ وصلوات..خمَّرتَها في عناق بين عتمة الغربة وضوء يلوّح من الماضي البعيد.
وطيبُ شعرك مراكبُ سرمديةٌ تُنشِدُ الحنين في مدّ وجزر يملأُ السنين…
مساكب وردك، يا طيب ريّاها
حبرُك زنبقٌ وياسمين
وصقيع الغربة أضحى
ربيعًا رغم الوجع والأنين
سيقال يومًا شاعرٌ من ربوع عكار
خاط جرحه ومشى في جلجلة السنين ..
والحلمُ موّالٌ لا ولم يخمد نبضه
ولو غبنا في سراديب من طين!
مثلَ الشهب…نعود يومًا بلحنٍ، بقافية
تروي حكايانا غصّةُ المطارات
نعود أو لا نعود
نحن هنا في عشق لبنان متجذّرون
نملأ السلال كواكب وغارًا
وبعض زيتون وعنب وتين!
ميلاد نقولا وحرفك ساطعٌ
كالضوء في سدرة العاشقين
لا سفرٌ ولا صورٌ ولا وترٌ
تختصرُ مجد حرفك الثمين!
ولمقلِ الغياب أقول:
هيّئوا أرائكَ للمُتعبين
ومقعدًا خجولًا
لشاعرٍ ضجَّت على موائده
نوارسُ فرحٍ
تغنّي
لوطنٍ حزين!


