صدور الطبعة الرابعة من ديوان “العندليب” لعبدالله غانم عن “منتدى شاعر الكورة الخضراء عبدالله شحاده الثقافي”

 

صدرت عن “منتدى شاعر الكورة الخضراء عبدالله شحاده الثقافي” الطبعة الرابعة من ديوان “العندليب” للشاعر عبدالله غانم، قدم لها الدكتور غالب غانم (رئيس مجلس القضاء سابقًا) بكلمة في  عنوان “العندليب… بعد خمسةٍ وثمانين عامًا”،  تلقي ضوءًا على الكتاب، جاء فيها:

“على امتدادِ هذه الإضمامةِ من الأوراق سيرافقُ القارئُ قصائد العندليب، الأيقونة من أيقونات الشعر المكتوب بلغةِ الحياة، وواضعُ حجارتِهِ الأبكار، والمحوّلُ في مجراه، والفاتح… وعلى امتدادِها، رغمَ ما هي عليه من ضآلةِ حجم، يُطلّ على عالم النّشر مرّةً رابعة ديوانُ الحبّ الخالد وعشقِ الأرض ووجدان الجماعة وأشواقِ الرّوح وتباريحها، بعد خمسةٍ وثمانين عامًا على صدور طبعته الأولى، بما هو عليه من فنٍّ نَضِر، وعفويّةٍ رقراقة، ونَقرٍ على أوتارِ القصيدة و”دقٍّ على صدرها” (التعبير الأخير مستوحى من “دقّت على صدري وقالت لي افتحو…” إحدى قصائد العندليب التي غنّتها فيروز بألحان الأخوين رحباني).

***

كانت الإطلالَةُ الأولى سنة 1939، بعد أن سمع عبدالله غانم نداءً عبقريًّا آتيًا من جهةِ “لغة الجدّة حاملة المغزال” (كما جاء في مقدّمة طبعة العندليب الأولى)، أي اللغة العاميّة أو الأهليّة أو الشعبيّة أو الدارجة أو القوميّة، أو… اللبنانيّة، وفقَ نُعوتِها المتلوّنة على أفواه شعرائها أو ريشات نقّادها. سَمِعَهُ فلبّاه. ومع هذه التّلبية أعلن، من جانبٍ أوّل، ولاءهُ الأصليّ للفصحى لأنّه من “سَدنَةِ مذبحها”. وحيّا، من جانب ثانٍ، الزّجلَ الأبَ والينبوعَ وساكنَ ريفِ الجبل وريفِ القلم، واستأذنهُ للانفصال عنه دونما استخفافٍ بموقعهِ في القلوب وفي خزائن التّراث. ذلك أنّ ثمّةَ وليدًا جديدًا سيعبُرُ الجسرَ الفاصل بين ضفّتهِ الرمّاحةِ واللّماحةِ وضفّةِ الشعر الخالص، حيثُ لا تبقى القصيدةُ ضحيّةً لشتيتِ مقاطعها ورتيبِ قوالبها، وتتسعُ لأيّ غرضٍ من أغراضِها… وحيثُ تصفو الجداول، ويفارقُ التّبرُ التراب، وينعتقُ التعبير من أثقالٍ فرضتها دواعي اللحظةِ وحدّةُ النّبرةِ ولياقاتُ المقام.

وكانت إطلالتُهُ الثانية بعد حوالى العشرين عامًا، حين أعادت نشرَهُ دار “مجلّة شعر” سنة 1958، وهي لم تكن لتقوم بهذه المهمّة لولا يقينُ مؤسّسها الشاعر يوسف الخال أنّ العندليب مَنسوجٌ على نولٍ من أنوال الحداثة، إنْ بالقياس إلى زمن صدوره الأوّل، أو بالقياس إلى زمنِ الشعر بالمطلق. وهو، المؤسّس الرّائدُ إيّاه، مَنْ أطلق هذا الحكمَ التاريخي على السّبْقِ الذي حقّقَهُ صاحبُ العندليب في هذا اللّون، بقولتهِ الطنّانةِ الوقع والبالغةِ الجراءة:

“كان إمامَ الشعر الزجلي في لبنان. صقلَهُ وطوّرَهُ وأدخلهُ محرابَ الشعر الحقّ. كلّ من جاء بعده إنّما اقتفى أثره فيه. ولسوفَ نقتاتُ من فتاتِ موائدهِ، وفتاتِ موائدِ تلميذهِ الأكبر (وهو يقصد ميشال طراد) وتلاميذِ تلميذهِ، إلى أن ينهض في هذا الشعر إمامٌ جديد يصقُلُ هو بدوره ويطوّر ويبدأ من حيث انتهى عبدالله غانم.” (من كلمة ألقيت لدى إحياء الذكرى الاولى لصاحب العندليب في بسكنتا، في 20/9/1959، ونُشرت في جريدة “الروّاد” بتاريخ 30/9/1959).

ثمّ انضمّ العندليب إلى ثمرات قلم صاحبه، مجموعةً في ثلاثة مجلّدات، شعرًا ونثرًا، قصصًا وأساطير، فكرًا نقديًّا أدبيًّا وفكرًا إصلاحيًّا رائيًا، فُصحى وعاميّةً، صدرت العام 1994 عن مكتبة صادر تمهيدًا للاحتفالات التي أُقيمتْ بمناسبة الذكرى المئوية الأولى لولادة الشاعر (تلتها الأعمال المسرحيّة الصادرة العام 2015 عن منشورات جامعة الروح القدس-الكسليك، ومنها “نتيجة الحلم”، المغنّاة اللبنانيّة الرائدة بلغة الحياة أيضًا).

ولكنّ ثمّة من ظلَّ يتوقُ إلى اقتناء العندليب، منفصلًا عن سواه من الآثار. فهو الأقربُ إلى القلب. وبينه وبين محبّيه أسرارٌ شاؤوها أن تتفتّقَ بلا شهود، وبلا رقباء، وبلا شركاء!.

***

منذ إصدارها الأوّل، شاعت قصائد العندليب شيوعَ البشائر المطيَّبة والأنسامِ المندّاة. حُفِظت عن ظهر قلب وطارتْ على الأفواه في بسكنتا-مسقط رأس الشاعر- وبعضِ قصباتِ الجبل. رحّبت الأوساط الأدبيّة والصحافيّة، اللبنانيّة والمهجريّة، بالحالّ الجديد في مغاني الشعر، بل بالفاتح. كان رشيد نخله الفاتح الأوّل، زمنيًّا، في ميدانِ الفنّ الزّجلي المتوجّه إلى ضفّةٍ جديدة، مع مقطّعات قاربت الشعرَ المصفّى. وكان عبدالله غانم الفاتح الأوّل، شعريًّا، مع رواسب نادرة من القوالب المكرورة. وهي الرواسب التي أقرّ بوجودها و “عَبَس بوجهها” (كما جاء في بحثٍ له بعنوان: الشعر اللبناني باللغة الشعبيّة، نُشر أصلًا في مجلّة “آفاق” التي كان يصدرها الشاعر أدونيس، ثم ظهر مع مؤلّفات عبدالله غانم الكاملة، النثر، المجلّد الأوّل، ص 109 وما يليها) وأسقطها من طبعةِ الديوان الثانية.

من شذراتِ الصحافة المهجريّة أنّ العندليب هو “عقدٌ فريد من الشعر العاميّ” (جريدة الرائد البرازيليّة، السنة العشرون، العدد 18، أيلول 1939)، وقد فتح فيه صاحبُهُ “فتحًا أدبيًّا خطيرًا…” (جريدة فتى لبنان، ساوباولو، العدد 6795، أيّار 1939) و”بلغ فيه الغاية وكاد يصل إلى النهاية” (جريدة الوطن البرازيليّة، 6 حزيران 1939). وأمام الوفير من ضروب الترحيب ومن وجوه التحليل التي واكبت العندليب بعد ظهور طبعته الثانية، نكتفي بذكر القليل القليل في هذا المقام، ومنه أنّ عبدالله غانم راح ينفض عن اللغة العامية “تراث الزجل ويجلوها لغةَ إشراقات تنبع من وجدان الشعب فتضيءُ واقعَهُ وتولّدُ أساطيرَهُ” (خليل حاوي، أعلام من المتن، منشورات مجلس المتن الشمالي للثقافة، ص 21 وما بعدها). وأنّه “أحد القلائل الذين حقّقوا لهذا الشعر انتصارات التحوّل من قابليّة الزجل اللبناني إلى رحابة الشعر الحديث” (غالي شكري، شعرنا الحديث… إلى أين؟”، منشورات دار المعارف بمصر، مكتبة الدراسات الأدبيّة، 46، سنة 1967). وقد خصّ ميخائيل نعيمه قصائد العندليب بعنايته في غير مناسبة، كقوله “وإذا بتلك المقطوعات تستهويني بما فيها من رشاقةٍ في المبنى، وسلامةٍ في المعنى، وبراعةٍ في التصوير، وأمانةٍ لروح اللغة العامية وتفهّمٍ لعبقريتها، ومقدرةٍ على اقتناص الخفيّ من ظلالها، والساطع من أنوارها وتوزيعِهِ توزيعًا لا يستطيعهُ إلّا ابنُ الفنّ الصحيح، والفطرةِ السليمة” (ديوان فوق الضباب لعبدالله غانم، منشورات مكتبة ريمون الجديدة، بيروت 1965، المقدّمة بقلم ميخائيل نعيمه، ص 7).

إنّ ثمّة، بعد العندليب، مَنْ صقل وطوّر، كما توقّع يوسف الخال. وثمّة مَن استحقّ أن يُنظرَ إليه كمحطّةٍ جديدةٍ من محطّات هذا اللّون الشعري. ولكنْ، لا سبيلَ إلى نكران محطّة العندليب، وإلّا انقطع التواصل، واختلّت المقاييس، وضاع الحقّ.

***

وإذ تصدُرُ الطبعةُ الرابعة من العندليب في سلسلة منشورات “منتدى شاعر الكورة الخضراء عبدالله شحاده”، وبهمّة رئيسته الشاعرة المهندسة السيّدة ميراي عبدالله شحاده، فما ذلك لابتهاجٍ باسمَيْ الأبوينِ العزيزين الأصيلين فحسب، بل كذلك للرابط الروحيّ المتّصل بالأدب الذي يجمع أبناءَهُ ولو اختلفت الأنساب، كما جاء شعرًا على لسان أبي تمّام… وكذلك، على الأخصّ، لأنّ العندليب قاومَ الزمن، ولا يزال على غضاضته بعد خمسةٍ وثمانين عامًا… وسيبقى غضًّا وجميلًا ومتحرّكًا ومحرّكًا إلى أمدٍ بعيد”.

***

لمناسبة إطلاق الطبعة الرابعة من ديوان “العندليب” ينطم “مركز عبدالله غانم  الثقافي- بسكنتا” و”منتدى شاعر الكورة الخضراء عبدالله شحاده الثقافي” ندوة يتكلم فيها: الشاعر حبيب يونس، الشاعرة ميراي شحاده، الشاعر هنري زغيب، المحامي رفيق غانم. يديرها الأستاذ أنطوان المدور ويتخللها مرافقة موسيقية للفنان ناصر مخول، السادسة مساء السبت 9 آب 2025، في “مركز عبدالله غانم الثقافي-بسكنتا”.

اترك رد