قصص مختارة من كتاب “أصوات من تيرا أوستراليس” للدكتور جميل الدويهي(4)

 

يتابع مشروع أفكار اغترابية دوره الفكري والحضاري، ويقدم باقة من القصص القصيرة، من بداية عهد الاستيطان، يضمّها كتاب جديد. في ما يلي مجموعة من القصص:

 ضيوف عند الأبورجينيّين

 

يتحدّث الأبورجينيّون بفخر واعتزاز عن تسامحهم، واستضافتهم للعديد من البيض الذين لجأوا إلى ديارهم طلباً للعون. وربّما لا يكون البريطانيّ جايمس موريل آخر أولئك الأوروبّيّين الذين تقطّعت بهم السبل، بعد غرق السفن التي كانوا على متنها.

كان موريل يحبّ المغامرة، فترك مدينة سيدني، في شباط 1846، وصعد إلى باخرة مبحرة إلى الصين، وعلى متنها اثنان وعشرون راكباً، وحمولة من الأخشاب. وبعد أكثر من أسبوع بقليل من الإبحار، اصطدمت الباخرة بشعاب مرجانية وتحطّمت.

كان لدى الناجين قليل من الماء والمؤن، فاضطرّوا إلى أكل الطيور نيئة، وشرب مياه الأمطار. واستطاعوا البقاء على قيد الحياة لمدّة أربعة أسابيع، ثمّ بدأوا يموتون واحداً وراء الآخر. واضطرّ الأحياء إلى استخدام أرجل الموتى لاصياد القرش.

بقي بضعة منهم فقط أحياء، بمن فيهم القبطان وزوجته، وراكب، وصبيّ صغير، وثلاثة من أفراد الطاقم، فأقاموا معسكرًا على الشاطئ ووجدوا الماء والمحار، لكنّ أحد البحّارة والراكب ماتا بعد ذلك بوقت قصير.

تمكّن الخمسة الناجون من الوصول إلى مخيّم لشعب بيندال، عند الشاطئ الشماليّ الشرقيّ لكوينزلاند. فقدّم الأبورجينيّون إليهم الماء والطعام.

بعد عامين فقط، مات الركّاب الباقون من حادث السفينة، فظلّ موريل وحيداً. وعاش بين مضيفيه، وتعلّم منهم كيفيّة جمع الطعام، وصيد الطيور، وعرف قليلاً من اللغة.

وكأنّ الأقدار لم تكتف بما تعرّض له البريطانيّ المسكين في مغامرته الفاشلة، فقد كانت أزمة أخرى، كنيزك هبط على تلك الناحية، فعلى حين غرّة وصل المستكشف البريطانيّ الفينستون دالريمبل، إلى المكان، فقتل أحد رجاله فرداً من القبيلة، فنأى موريل بنفسه، وانفرد للعيش قرب نهر. وكان يخشى أن يستهدفه البيض بالرصاص، ظنّاً منهم أنّه من الأبورجينيّبن، خصوصاً أنّ البيض أطلقوا النار على العديد من الرجال السمر.

اغتسل في النهر، لينزع السواد عن بشرته، ويبدو أبيض قليلاً. وبينما هو في الماء، داهمه رجال مسلّحون وهمّوا بإطلاق النار عليه، فرفع يديه وصاح بأعلى صوت:

لا تطلقوا النار عليّ، فأنا بريطاني… بحّار… كنت على سفينة غرقت، ووصلت إلى هنا.

عاش موريل مع السكّان الأصليّين لمدة 17 عاماً. وعندما أراد مغادرتهم، انهمرت الدموع من عينيه، وودّعهم معبّراً عن الحبّ الذي يشعر به نحو أصدقائه القدماء.

وماذا عن جايمس دايفيس؟ المنفيّ من غلاسكو إلى نيو ساوث ويلز في العام 1825، بعد اتهامه بسرقة عملات معدنيّة من كنيسة؟ فهل سمعتم بقصّة حياته من أصحاب الأرض الأصليّين؟

في أستراليا، أعاد السرقة، فحكم عليه بالسجن ثلاث سنوات. وكان الحاكم باتريك لوغان يعاقب المساجين بالجلد، ويجعلهم يرتدون ملابس قذرة، مكتوباً عليها رقم السجين، ليزيد من إذلالهم.

كره دايفيس تلك الحياة، وفي ليلة ليلاء، نجح في الفرار من سجنه،

وبينما هو هائم على وجهه في البراري، التقى بجماعة من السكّان الأصليّين، فحاول الاختباء، لكنّ الزعيم رآه، وناداه فوراً وهو يخرّ على ركبتيه:

ابني… هاتوه إلى هنا. لقد عاد ولدي.

-لست ابنك ولا أعرفك.

-بلى… هل نسيتني. أنا بامبي بامبي. والدك…

عبثاً أراد دايفيس أن يقنع الأبورجينيّ العجوز أنّه ليس واحداً من أفراد أسرته، فأخبره رجال من القبيلة أنّ بامبي بامبي، يعتقد أنّ ابنه الميت منذ مدّة قصيرة قد تجسد مرّة أخرى في هيئة رجل أبيض.

عاش جايمس دايفيس مع الأبورجينيّين أربعة عشر عاماً، وتتقّل بحرّيّة من قبيلة إلى أخرى، ووصل إلى أبعد من بريزبن. وأطلق عليه رجال القبائل لقب “دورام بوي”. ولم يعد إلى المجتمع الأبيض، إلاّ عندما علم بأنّ الحاكم لوغان قد مات.

لنذهب إلى حكاية أخرى، إذا كنّا غير مقتنعين بأنّ الحياة ممكنة، بل رائعة، عندما يلتقي فيها الناس على الخير والسلام. هي حكاية جون ويلسون، الذي جاء إلى أستراليا في بداية عهد الاستيطان، بعد أن أدين في بريطانيا بسرقة قماش من المخمل، لا تتجاوز قيمته عشرة قروش.

نزل صاحبنا على شاطئ بورت جاكسون في العام 1788، وبقي في السجن هناك سبع سنوات. وما إن خرج من خلف القضبان، حتّى قرّر الابتعاد عن سيدني، فقطع أميالاً طويلة، حتّى وصل إلى ديار الأبورجينيّين، وطلب منهم أن يبقى معهم. وأصبح واحدًا من أوائل الرجال البيض الذين يعيشون مع قبيلة أصليّة.

تعلّم اللغة، ولم يكن يرتدي سوى عباءة من جلد الكنغرو في الطقس البارد.

وفي عام 1797، اتخذ حاكم نيو ساوث ويلز جون هانتر، إجراءات ضدّ الرجال البيض الذين يعيشون مع القبائل، قائلاً إنهم يشجّعون المدانين والمحكومين السابقين الآخرين على فعل الشيء نفسه. فأرسل إلى أربعة رجال، من بينهم ويلسون، يطلب منهم العودة والاستسلام، وإلاّ فإنّه سيضطرّ إلى قتلهم. فعاد ويلسون حافي القدمين، وعلى جسده وشوم أبورجينيّة، وكان يرتدي فقط جلد الكنغرو.

وقرّر الحاكم هانتر العفو عنه. وطلب منه أن يساعده في تهدئة الخواطر لبعض المدانين الأيرلنديّين في المستعمرة الذين كانوا مهووسين بخرافة مفادها أنّ هناك عالماً جديداً ومثاليّاً، يمكن العيش فيه، وراء الجبال، لا يحكمه نظام العدالة البريطانيّ.

وأرسل الحاكم أربعة إيرلنديّين وواحداً من خدّامه، ومعهم ويلسون، للعثور على هذه المدينة الفاضلة الخياليّة، وعندما وصلوا إلى أحد الأنهار، على بعد 161 كيلومترًا جنوب غرب باراماتا، تقطّعت بهم السبل في الغابات، ولولا مهارات ويلسون في البقاء على قيد الحياة لما تمكّنوا من النجاة.

لم يمكث ويلسون طويلاً في الحياة المدنيّة، فتاقت روحه إلى البراري، وعاد إليها. فعاش مع مجموعة أخرى من الأبورجينيّين، وأدّعى أنّ زعيماً قبليّاً ميتاً قد حلّ فيه. لكنّ ذلك لم يحمه من الموت، عندما أراد الحصول على شابّة جذّابة من القبيلة. فأطلق عليه أحد أفراد القبيلة رمحاً، وأودى بحياته.

دعونا من عالم الرجال، ولنذهب إلى ما حدث للفتاة المدلّلة بربارة طومسون التي ولدت في اسكتلندا عام 1828، وجاءت مع والديها الثريّين إلى سيدني. وفي السادسة عشرة من عمرها، هربت مع البحّار الكابتن ويليام طومسون، إلى خليج موريتون في كوينزلاند.

وذات يوم، أثناء إبحار طومسون وزوجته الشابّة، إلى مضيق تورّيس، تحطّمت سفينتهما في عاصفة مدلهمّة.

غرق الزوج أثناء محاولته السباحة لطلب المساعدة، وأنقذ صيّاد سلاحف من السكّان الأصليّين باربرة، واصطحبها إلى جزيرة مورالوغ، وهي أكبر جزر المضيق. وفور وصولها، أعجب بوروتو، زعيم القبيلة بجمالها، وأدّعى على الفور أنّها جائزته القانونيّة.

اعتنت باربرة بأطفال الجزيرة، ولم يكن عليها أن تعمل بمشقّة كما النساء الأخريات، الأمر الذي أثار الغيرة، لكنّ أحد كبار السنّ ادّعى أنها تناسخ لابنته المفقودة. فعادت النساء لمعاملتها باحترام، وكانت تغنيّ لهنّ بلهجتها الاسكتلنديّة.

عاشت طومسون في القبيلة لمدة خمس سنوات، ومرّت في البحر القريب سفن بريطانيّة كثيرة، لكنّها لم تنجح في جذب انتباه البحّارة، لأنّها كانت تحت المراقبة عن كثب، من قِبل رجال بوروتو.

وذات يوم، أصيب بوروتو بالمرض. ومرّت سفينتان إنكليزيّتان قبالة الشاطئ، فلاحظ البحّارة دخاناً أسود يتصاعد من البرّ، فقرّروا التوجّه إلى الشاطئ على متن زوارق صغيرة. وما إن لامست أقدامهم اليابسة، حتّى ظهرت مجموعة من نساء القبيلة تتقدّمهنّ امرأة، تتحدّث باللهجة الاسكتلنديّة، وتقول: “أنا مسيحيّة، وأشعر بالعار”.

نقلها الرجال البيض على الفور إلى السفينة للتحدّث مع الكابتن ستانلي الذي وعد بإعادتها إلى سيدني.

وعندما اكتشف بوروتو أنّ “زوجته” قد هربت، مضى على متن  مركب ليلحق بالسفينة، وأخذ يصيح: عودي إليّ، وإلاّ فسأذهب إليك وأقطع رأسك… فاختفى صوته وسط هدير المحرّكات والأمواج.

على أنّ الرواية الأكثر إثارة، هي رواية ويليام باكلي، أشهر إنكليزيّ عاش مع السكّان الأصليّين في الأعوام الأولى لتأسيس أستراليا البيضاء.

وُلد باكلي عام 1780، وكان عامل بناء في سنّ المراهقة، ثمّ التحق بالجيش الانكليزيّ للقتال في الحرب ضدّ نابليون في هولندا، حيث أصيب.

وبعد عودته إلى بلاده، أدين بالحصول على قطعة قماش مسروقة، وحُكم عليه بالنفي لمدّة 14 عاماً إلى نيو ساوث ويلز.

بعد وصوله، أرسلته السلطات إلى ولاية فيكتوريا، ثمّ قرّرت ترحيله إلى تاسمانيا، فارتعدت فرائصه بسبب وجود معتقل بورت أرثر الرهيب هناك، وفرّ إلى الأدغال، مع مساجين آخرين.

لاحقت السلطات الفارّين، فقتل واحد منهم، واتّجه اثنان في رحلة خياليّة، قطعا خلالها أكثر من ألف كيلومتر للعودة إلى سيدني. أمّا توماس باكلي، فبقي في فيكتوريا، هائماً على وجهه في الأدغال، متسلّحاً برمح وجده في مقبرة للأبورجينيّين. وبعد أيّام قليلة، التقى بمجموعة من النساء القبليّات، فمضى معهنّ إلى مخيّمهنّ.

اعتقد أبناء العشيرة أنّ الرجل الأبيض روح متجسّدة لزعيم سابق، فأسكنوه معهم في المخيّم.

عاش عندهم لمدّة 32 عاماً كشيخ محبوب، وشارك في القرارات المتعلّقة بالحروب القبليّة. واتّخذ أكثر من زوجة من السكّان، وأنجب طفلة واحدة.

في عام 1835، أقام المستكشف جون باتمان معسكراً، تمهيداً لإنشاء العاصمة ملبورن. فسار باكلي مع مجموعة من رجال القبائل الذين يرتدون جلود الكنغرو ويحملون أسلحة بدائيّة، حتّى بلغوا معسكر باتمان ورجاله.

كان اللقاء ودّيّاً بين الطرفين، وقدّم رجال المستكشف الخبز للوافدين من القبيلة.

“أنت لا تتكلّم الإنكليزيّة جيّداً”، قال المستكشف لباكلي… فأجابه:

أنا بريطانيّ، لكنّني عشت مدّة طويلة مع هؤلاء القوم، فاعذرني إن كانت لغتي مكسّرة.

-وكيف جئت إلى هؤلاء القوم؟

-جئت… جئت… بعد أن غرقت السفينة التي كنت عليها…

-أنت تمزح… يبدو عليك أنّك تمزح… لو كنت ناجياً من سفينة، لكنت غادرت في غضون أيّام أو أسابيع، فالبلاد واسعة أكثر ممّا تظنّ.

لم يستطع بالي أن يمضي في الكذب أكثر من ذلك. فأقرّ بأنّه فارّ من العدالة، وخائف أن ينقله النظام إلى تاسمانيا…

-حسناً… هل تريد العودة إلى عالمك الأصليّ؟ أستطيع أن أتحدّث إلى السلطات… وأحصل على عفو لك.

وحدث ما وعد به المستكشف باتمان، فصدر عفو عن باكلي، وعيّنته الحكومة مترجماً. بيد أنّ الشوق عاد به إلى الأيّام الخوالي، فقاد بنفسه رحلة استكشافيّة إلى المنطقة ذاتها التي أقام فيها مع القبيلة، فرآه بضعة رجال ونساء وأطفال، فهرعوا إليه وتشبّثوا به، وكانت دموع الفرح تنهمر على وجوههم.

قفل باكلي عائداً إلى المدينة، وهو شديد التأثّر، وكان يتمنّى كلّ يوم أن يزور أهل القبيلة التي استقبلته، وصار اسمه مضرب المثل في أستراليا، حتّى اليوم، إذ يقول الناس لمن لا حظّ له: “لديك فرصتان: فرصة باكلي ولا شيء”. وهذا معناه أنّ لا فرصة في النجاة على الإطلاق.

 

امرأة قاطعة طريق

 

هل يجب أن يعتقد أغلبنا أنّ عمليّات السطو، وقطع الطرقات تقتصر فقط على الرجال، لأنّ لهم عضلات مفتولة وأجساماً قويّة؟

وهل صحيح أنّ تاريخ الاستيطان الأبيض لا يكتب شيئاً عن نساء عاتيات أيضاً، تركنَ بصمات نافرة، وخرجنَ على القانون في القفار والغابات؟

لدينا العشرات من قطّاع الطرق، والعصابات التي كانت تجوب الأنحاء، وشكّلت في الأدغال دولة مستقلّة، هي دولة الهاربين من النظام، بل أمّة مَن طاردهم النظام في الليل والنهار.

لم يكن هناك حدود لانتهاكاتهم الجسيمة، السطو على العربات المحمّلة، واقتحام المزارع، وسرقة الخيول والمواشي… والفرار من وجه العدالة حتّى إشعار آخر. وجميعهم تقريباً وقعوا في قبضة الأقوى عدّة وسلاحاً، فإمّا قُتلوا أو أعدموا، وتركوا وراءهم قصصاً مثيرة، أصبحت مواضيع لكتُب وأفلام ومسرحيّات.

كلّنا نعرف عصابة نيد كيلي، وإعدامه الشهير. والأخوين توماس وجون كلارك، وماثيو برادي، ومارتن كاش، وجو بايرن، وباتريرك دالي، وجون دان… والعشرات غيرهم… فلماذا لا نسأل عن السيّدات ماري كوكريل، وجيسي هيكمان، وماري آن باغ؟ وهل هنّ معفيّات من التدوين؟

ماري كوكريل هي الأقدم. عاشت في تاسمانيا، بداية عهد الاستيطان، وهي من السكّان الأصليّين. ولدت بعد أعوام قليلة من بدء الاستيطان الأبيض للبلاد. وعاشت مع عائلة كوكريل البيضاء، فحملت اسمهم. وعندما بلغت الخامسة عشرة من عمرها، التقت بمايكل هاو، وهو بريطانيّ في العشرينات من عمره، مدان عوقب بالإبعاد إلى أستراليا لارتكابه سرقة على الطريق. وبعد مدّة قصيرة، انضمّ مايكل وماري إلى عصابة وايتهيد سيئة السمعة.

واستخدمت ماري مهاراتها في الأدغال، لإرشاد العصابة في غابات تاسمانيا، والإفلات من المطاردة. لكنّ السلطة تغلّبت في النهاية، ووصل الجنود المدجّجون إلى مكان اختباء العصابة. فحاول أفرادها الفرار، ولم تستطع ماري اللحاق بهم أثناء الركض، فالتفت إليها مايكل وأطلق عليها رصاصة، لأنّه لم يكن يريدها أن تقع في الأسر.

نجت ماري من الموت، بعد معاناة من الإصابة، فقرّرت الانتقام من زوجها ورفاقه. وأصبحت تقود رجال الحكومة في البراري للعثور عليهم، وتمكّنت من الوصول إلى مخبإ مايكل، وشاهدت مقتله، فنالت عفواً كاملاً، لقاء تعاونها مع السلطات. أمّا هي فأصيبت بعد فترة بمرض، وتوفّت في العشرين من عمرها. ويتذكّرها قومها باسم “ماري السوداء”.

ولا تقلّ جيسي هيكمان قوّة عن سابقتها ماري. اسمها الأصليّ إليزابيت جيسي هانت. ولدت عام 1890 في بلدة كوركوار، نيو ساوث ويلز، باعتها والدتها إلى سيرك متنقّل عندما كانت في الثامنة من عمرها فقط. وفي سنّ المراهقة أصبحت بطلة رياضيّة، قبل أن تترك السيرك في عام 1913، وكانت حاملاً من صاحب السيرك، فأعطت ابنها الصغير إلى صديقة لتربيته، وتوجّهت إلى سيدني لتنضمّ إلى حياة الجريمة، فسرقت الماشية والثياب. واعتقلتها الشرطة مرّات.

وبالاعتماد على مهاراتها الهائلة في ركوب الخيل، والبقاء على قيد الحياة في الأدغال، أصبحت قاطعة طريق وسارقة مشهورة للماشية. ونجت مراراً من الاعتقال، بسبب براعتها في الفروسيّة، وعاشت في الكهوف والأودية العميقة، وجذبت شهرتها الرجال المحلّيّين فانضمّوا إليها، وشكّلوا عصابة “الدولارات الصغيرة”.

وبلغت شجاعتها درجة متهوّرة، فقفزت ذات مرّة من قطار متحرّك، هرباً من الشرطة.

تزوّجت قاطعة الطريق جيسي من بن هيكمان، وأنجبت منه طفلاً، قبل أن ينفصلا بعد أربع سنوات. وتزوّجت من رجل آخر يدعى جون فيتزجيرالد، وكان قاسياً، فأطلقت عليه النار وقتلته دفاعاً عن النفس.

وفي العام 1928، نجت من السجن، بعد أن أقنعت المحكمة بأنّ المواشي التي سرقتها ضلّت الطريق وانضمّت بالصدفة إلى قطيعها.

ونصل إلى حكاية المرأة الثالثة، من جيل قطّاع الطرق، فكأنّ سلسلة الروايات المشوّقة عن بداية عهد الاستيطان لا تنتهي فصولاً، أو لا تريد أن تنتهي، ما دام فينا كثير من الشوق لمعرفة المزيد. فمن هي أشهر قاطعة طرق في التاريخ الأستراليّ المعاصر؟

إنّها من غير شكّ ماري آن باغ. هذه المرأة التي شاهدت الكثير، وعاصرت وقائع تنوء بها الجبال.

ولدت في محطّة لتربية المواشي قرب غلوستر، في نيو ساوث ويلز. وكان والدها راعياً من المنفيّين إلى أستراليا، ووالدتها من السكّان الأصليّين. أرسلها والداها إلى مدرسة في باراماتا، ثمّ عادت إلى موطنها بعد عشر سنوات.

في الرابعة عشرة، تزوجت من إدموند بيكر، ومكثت معه عامين، ثمّ تزوّجت من جون بوروز، وانتقلت معه إلى باثرست. وبعد انفصالها عنه عاشت مع الجنديّ السابق جايمس ماكنالي، وبقيت معه حتّى التقت بمجرم يدعى فريدريك وارد، فذهبت معه.

ولم تمض مدّة قصيرة، حتّى اتّهمت السلطات وارد بسرقة حصان، وحكم عليه بالسجن في جزيرة كوكاتو النائية… ولا يُذكر كثيراً عن محاولات للهرب من تلك الجزيرة، ما عدا محاولة فريدريك وارد. وقد ساعدته خليلته ماري آن بالتأكيد.

كيف حدثت عمليّة الهروب؟

يحكّ القاضي في محكمة سيدني رأسه، ويسأل ضابط الشرطة الواجم أمامه:

هل تأكّدتم من أنّه هرب؟

-نعم سيّدي… تأكّدنا…

-هل فعل ذلك وحده؟

-لا. امرأة ساعدته… زوجته على ما نعتقد.

-كيف وصلت إلى الجزيرة حيث هو مسجون؟

-قد لا تصدّق يا حضرة القاضي أنّها سبحت من خليج سيدني إلى هناك؟

-غير معقول… كيف نجت من أسماك القرش؟

-لا نعرف… حظّها من السماء.

-وأنتم حظّكم من الجحيم أيّها المهملون لواجباتكم. كيف تصرّفت المرأة بعد ذلك؟

-كلّ ما نعرفه أنّها حملت إلى فريدريك منشاراً لقطع الحديد، ومصباحاً ليهتدي إلى شاطئ آمن… وغير مراقب في الليل.

-أحسنت. حفظت درسك. وما يفيدني كلّ هذا؟… إنّ فريديريك الآن طليق، وينشر الرعب والفوضى في كلّ مكان. لقد دعا نفسه “السيّد حزام البرق”… وعلمت أنّه انضمّ إلى شقيق له، وبضعة أشقياء. وهم يعيثون فساداً حول والغيت، وباثرست، نيوكاسيل. وقد وصلوا في غيّهم إلى كوينزلاند. وقيل لي إنّ زوجته ترافقه في حلّه وترحاله.

-ليس هذا فقط. بل هي يده اليمنى. تتجسّس وتراقب لتحميه من الجنود. وتزور القرى لتستطلع إذا كانت السلطات هناك.

-لماذا لا يعتقلونها إذن؟

-إنّها تشبه الرجال، وترتدي ملابسهم. وتنتعل جزماتهم، وتعتمر قبّعة تشبه الملفوف. وهي تجاهر بانتمائها إلى عصابة وارد، وتدعو نفسها السيّدة الكابتن.

لم تمض مدّة طويلة على ذلك الحديث المسجّل في ملفّات السلطة، حتّى ألقي القبض على قاطعة الطريق، وأحيلت عدّة مرّات إلى المحاكمة، تارة بتهمة التشرّد، وتارة السرقة. كان ذلك قبل وقت قصير من وفاتها جرّاء مرض، في وادي غولبرن.

وبعد ثلاث سنوات فقط، كان زوجها يحاول السطو على المسافرين قرب أورالا، فطارده رجال مسلّحون في الأدغال والتضاريس الوعرة، حتّى تمكّن منه رقيب يدعى ألكسندر ووكر. وانتهت بذلك أسطورة أخرى من أساطير الأعوام الأولى للاستيطان الأبيض. وظلّ الناس مدّة طويلة يعتقدون أنّ القتيل ليس “حزام البرق” فريدريك وارد، بل هو رجل آخر. حتّى كادت السلطات تقتنع بهذا الزعم. وهكذا الأساطير كلّها تسمعها وتعرف أنّها كذب، لكن لا قدرة لك على تكذيبها.

 

التمرّد على السفن

 

أصبح التمرّد على السفينة “باوتنتي” في تاهيتي حدثاً تاريخيّاً ملهماً، وتحوّلت القصّة الملحميّة إلى فيلم سينمائيّ شهير. وتبتعد تاهيتي عن أستراليا بضعة آلاف من الأميال. ولا نحسب أنّ عدوى التمرّد، قد وصلت إلى المستوطنين الأوائل هنا.

وليس غريباً أن يقْدم بعض المغامرين على محاولات للاستيلاء على السفن والفرار بها من تيرا أوستراليس، المنفى الذي يشبّهه البعض بالجحيم. ففي عام 1899 سيطر بحّارة شجعان على المركب الشراعيّ الضخم “إيثيل” الذي كان معدّاً لكي ينقل المعونات إلى صيّادي اللؤلؤ في أستراليا الغربيّة، ثمّ يعود إلى الشاطئ محمّلاً بالصيد. فقتلوا قائد المركب، وأبحروا إلى جزيرة سيلارو، حيث تحطّم المركب هناك، وحاولوا الوصول على زوارق صغيرة إلى الشاطئ، لكنّ السكّان الأصليّين لم يكونوا ودودين، فاضطرّوا إلى الهروب منهم، وجذّفوا بعيداً حتّى وصلوا إلى أندونيسيا.

وظنّ الهاربون من أستراليا أنّهم باتوا في أمان، وفوجئوا بأنّ السلطات الهولنديّة أجبرتهم على العودة إلى بيرث، حيث حوكموا على وجه السرعة وأعدموا.

وحكاية أخرى بطلها جون بورتر ورفاقه، تشبه قصص الخيال. فقد كان هؤلاء من المدانين المكلّفين ببناء السفينة “فريدريك”. وما إن فرغوا من بنائها، حتّى صعدوا إليها، وفرّوا بها في المحيط الهادئ، فوصلوا إلى تشيلي،.

غرقت السفينة هناك. وعاش مختطفوها في تشيلي لفترة قصيرة من الزمن، قبل أن تسلّمهم السلطات هناك إلى سفينة بريطانيّة، بعدما شك الحاكم في هويتهم. وكان الحكم عليهم بالسجن أربعة عشر عاماً.

لكنّ إحدى أشهر قصص اختطاف السفن، تبدأ عندما يخبر ويليام سوالو أنّ سفينة اختطفها هو، ومدانون متمرّدون، وصلت في رحلة أسطوريّة إلى اليابان، حيث واجهوا الساموراي، حاملي السيوف.

كان سوالو كاذباً مشهوراً،. ولديه خمسة أسماء مستعارة، يغيّرها ساعة يشاء، لكي ينجو من ملاحقته بتهم السرقة. ومن أشهر سرقاته كأس بيرة.

ويليام سوالو جاء من لندن إلى تاسمانيا في العام 1821. مدان يحمل الرقم 323. وبعد ثماني سنوات ، كان واحداً من مجموعة رجال اختطفوا السفينة “قبرص”، وهي سفينة إمداد أستراليّة، ووصلوا فيها إلى اليابان، حيث ألقي القبض عليهم، وأعيدوا إلى بريطانيا، فحوكموا بتهمة القرصنة.

ها هو سوالو يسرد وقائع الرحلة، أمام القاضي والمحلّفين، وجمهور من اللندنيّين المهتمّين بقصّة لا تختلف عن الخرافة.

“لقد عبرتُ خط الاستواء، وأبحرتُ شمالًا إلى خطّ العرض 38 درجة، وقصدت ساحل اليابان، وأنا في حاجة ماسّة إلى الطعام والماء. وكانت السفينة قد تداعت وأصبحت غير قابلة للإصلاح، وكادت كلّ أشرعتها تتقطّع.”

نظر الجمهور بعضهم إلى بعض، وساد قليل من الضجيج والاستغراب. وعندما هدأوا بعد لحظات قليلة، تجهّم وجه القاضي، وسأل:

هل قابلتم الساموراي؟

-نعم… أمضينا عندهم أسبوعاً.

-ولم يقتلكم أحد!

-كلاّ. لم يقتلنا أحد…

-أنت تروي حكاية لا يصّدقها بشر.

قال القاضي وهو ينظر إلى الحاضرين الذين بدا عليهم مزيد من السخرية. ثمّ سأل القاضي ضابط الشرطة:

هل لديكم معلومات عن هذا الرجل… أو أيّ سجلاّت تؤكّد الرواية التي أدلى بها، أو تنفيها؟

-نحن نعرف تاريخ هذا المتّهم، يا سيّدي. فقد كان محكوماً عليه بالسجن عدّة مرّات، لسرقة الأغنام. ونفته السلطات إلى أستراليا، فهرب منها مختبئاً على متن سفينة. وعندما أراد الالتقاء بزوجته، وجد أنّها تزوّجت من رجل آخر. وأبلغ الزوج الجديد السلطات عنه، فاعتقل مرّة أخرى، وأعيد إلى المستوطنة الأستراليّة. وهذه المرّة سيطر ورفاق له على الباخرة، وأبحروا إلى تونغا، ثمّ تاهيتي، فاليابان.

-كيف يقول إنّه مكث أسبوعاً مع الساموراي، والنظام هناك لا يتسامح مع من يخالط الأجانب؟

-إنّه يكذب في هذه النقطة فقط. أمّا كلّ ما ذكره قبل ذلك، فهو صحيح.

-أخرجوه من هنا. تأجّلت الجلسة.

كانت تلك الكلمات الأخيرة للقاضي، قبل أن يحدّد موعد الجلسة اللاحقة التي حكم فيها بترحيل سوالو مرّة أخرى إلى تاسمانيا، فبقي فيها حتّى وفاته بمرض السلّ.

ولا يزال الخبراء والمؤرّخون إلى الآن لا يعرفون إذا كان اللقاء مع الساموراي، حملة السيوف اليابانيّين قد تمّ فعلاً. والمؤكّد أنّ السفينة أصيبت بقذيفة مدفع أثناء رسوّها على الساحل اليابانيّ.

المؤرخ نيك راسل حلّل ما كتبه سوالو في مذكّراته:

“لقد فتحوا النار علينا… وأصابتنا قذيفة بين الهواء والماء”.

وقارن المؤرّخ بين كلام سوالو، وما كتبه المؤرّخ اليابانيّ، هماغوشي ماكيتا، عن ذلك الزمن: “أعطى قائد الساموراي ميما، أوامره بإطلاق النار، مباشرة على خطّ المياه، حيث السفينة راسية، وأصابت قذيفتان جسدها، فتضرّرت بقوّة”.

وقد لا يكون مستبعداً أنّ السفينة وصلت إلى كانتون في الصين. وكان اليابانيّون يحتلّون البلاد، فاعتقد سوالو أنّه ورفاقه الثمانية عشر قد بلغوا اليابان.

وخلال الاحتكاك مع اليابانيّين، حمل سوالو رسالة إلى قائدهم، الذي رفض تسلّمها قائلاً:

نحن لا نأخذ شيئاً من البرابرة. عد مع رسالتك فوراً.

وسيمضي وقت طويل، حتّى نعرف الحقيقة كاملة عن هذه الحادثة، فالراوي مشهور بكذبه، ورواياته الملفّقة، بيد أنّ العديد من الوقائع لا غبار عليها، وأهمّها أنّ السفينة “قبرص” قد عبرت فعلاً المحيط، وأبحرت إلى الشمال، بعيداً من عذاب النفي، لتصل إلى أرض نائية ومجهولة لدى الكثيرين من سكّان تيرّا أوستراليس، في ذلك الحين.

 

أبشع من الكاتراز

 

قد لا يتخيّل الإنسان سجناً أبشع من السجن الأميركيّ، الكاتراز، ما عدا سجناً واحداً يمكن أن نقتنع بسهولة، ومن غير جدال، أنّه أبشع معتقل في التاريخ، والهروب منه يعادل المستحيل.

ما تزال آثار “بورت أرثر” في جزيرة تاسمانيا قائمة إلى الآن. وتخبر حجارتها، لو نطقت عن أعتى الحرّاس، وأكثر الأسوار مناعة، وأقسى الظروف التي تخطر في بال إنسان.

تم إنشاء “بورت آرثر” حوالي عام 1830، كمستوطنة لقطع الأخشاب، وبعد فترة وجيزة، تحوّل الموقع إلى مكان للعقاب الثانويّ للمدانين الذين ارتكبوا جرائم خطيرة أثناء وجودهم في أرض فان ديمن – تاسمانيا.

منشأة مرعبة، وبعيدة عن البشر. محاطة بأشجار كثيفة، وتواجه المحيط الجنوبيّ. وللهروب منها، يجب السباحة في مياه عميقة باردة، تجوبها أسماك القرش. ولا يفصلها عن اليابسة سوى ممرّ ضيّق، لا يمكن عبوره إطلاقاً، لأنّه محروس بكلاب متوحّشة، موضوعة في براميل خشبيّة، ويراقبها حرّاس مسلّحون.

قلّة هم الذين فكّروا بالفرار من بورت أرثر. ووُصفت محاولاتهم بالمجنونة. وكانوا يفضّلون الأسر، والتعذيب، والجلد على الموت أشداق القرش أو الكلاب.

وكانت السلطات تفرض عقوبات فظيعة على النزلاء، كحرمانهم من الطعام والضوء، وتكميم الأفواه لإحلال الصمت العامّ والمطبق. واضطرّ كثيرون إلى الانتحار، لتفادي موتهم في الحياة.

وكان المساجين يقيمون في مجموعة من الأكواخ الخشبيّة، على الشاطئ الجنوبيّ المواجه للخليج. وتلك الأكواخ مسيّجة، ولها حرّاس يشرفون عليها ليل نهار. وتظلّ المصابيح مشتعلة طوال الليل في الخارج، فأيّ حركة يمكن أن يلاحظها الحرّاس، تكون مثاراً للشكّ والاستنفار.

وكانت السلطات تعتمد نظام المكافآت لمن يكشفون خططاً للهروب، فتحوّل الكثيرون من المدانين إلى مخبرين، بأجر مدفوع، هو الحصول على تسهيلات بسيطة لا تغني.

وعلى الرغم من كلّ ذلك، فقد تمكّن قاطع الطريق مارتن كاش من الهروب مرّتين من بورت أرثر. ففي المرّة الأولى رمى بنفسه في الماء، وسبح في مضيق “إيغل هاوك”، لكن ألقي القبض عليه بعد فترة قصيرة، وأعيد إلى السجن الرهيب. وفي كانون الأوّل 1842، سبح مجدّداً مع رفيقين له، جورج جونز، ولورانس كافاناه، في المضيق نفسه ولم يلاحظ أحد هروبهم.

إذن، هناك ثغرة في النظام، أو نقطة ضعف، توجد في أكثر الأشياء صعوبة، ويمكن استغلالها. هذا ما قاله الزعيم توماس والكر لرفاقه، بينما كانوا يتناقشون بأصوات خفيضة، بمنأى عن أعين الجنود. فقال واحد منهم:

لا تفكّروا بهذه الطريقة. فلن نخرج من هنا أحياء…

نظر إليه والكر بعينين حادّتين، ونهره:

أنت يائس، ولا تصلح لشيء. لماذا لا تعمل مع هؤلاء الحرّاس ضدّنا؟

-لا أقصد هذا. لكن أن نكون على قيد الحياة هنا، أفضل من الموت.

-يا لك من متخاذل!… على كلّ حال… لا تكن مخبراً… وغداً سأعرض عليكم خطّتي للهرب.

علم الكابتن أوهارا بوث، قائد معتقل بورت آرثر، بمؤامرة للفرار، فشدّد الإجراءات الأمنيّة على القوارب.

وأجّل السجناء الثمانية تواصلهم مجدّداً، إلى حين أن تهدأ الشكوك.

وبعد أيّام عرض والكر فكرته، فقال:

أنظروا إلى ذلك المركب. هو للمفوّض العسكريّ، يرسو تحت برج المراقبة. وبالقرب منه مراكب صغيرة. فأبعدُ من الحلم أن نستولي عليه في الليل…

-وماذا تقترح؟

-أقترح أن نتسلّل في النهار، ونصعد إلى مركب المفوّض بخفّة من غير أن يشعر بنا أحد…

-نحن كلّنا بحّارة… يمكننا أن نفعل ذلك. غير أنّ الحرّاس قلقون ولا تزيح أعينهم عن المراكب.

-لا وقت لدينا، ولن تتوافر فرصة أخرى… فلا تخافوا… لا بدّ أن يكون هناك غياب مؤقّت للحارس، فنستغلّ نحن تلك اللحظة، ونندفع إلى المركب.

وهكذا جرى. ففي وضح النهار وبهدوء وسكينة، أطلق المساجين قارب المفوّض، وصعدوا إليه، وجذّفوا في المياه جنوباً. وبمجرّد أن لاحظ الجنود سرقة المركب، أخذ قائدهم خمسة رجال في قارب ثان، وطاردوا الهاربين لمدّة خمس ساعات. وعلى بعد حوالي ثلاثين ميلاً من الشاطئ، نزل ضباب كثيف، ففقدوا رؤيتهم.

نحن في العام 1839، والمركب خشبيّ وبدائيّ، وينبغي أن يقطع رحلة تمتّد الأكثر من ألف ميل، في المياه الأكثر خطورة في العالم. ولذلك يصفها المؤرّخون بأنّها أعظم الرحلات في تاريخ أستراليا المعاصر.

وكان على الرجال الثمانية، بعد سنوات من الإدانة، عانوا فيها

الأشغال الشاقّة والجلد، أن يعرّضوا أنفسهم للبرود الشديد والجوع والخطر لأسابيع متتالية.

ونجحوا بسحر ساحر، في البقاء على قيد الحياة في البحر. ونزلوا على السواحل المجهولة بحثاً عن الماء والطعام، وما يسترون به أجسادهم الضعيفة، في طقس جنوبيّ يحكمه القرّ والزمهرير.

وكان قائدهم توماس والكر، الأكثر عزيمة وإصراراً على التمرّد والخلاص. وعلى الرغم من أنّ هواء البحر قد أثّر على هيئته وهيبته فإّنه كان يجالد، ويبرهن فعلاً أنّه قدوة للآخرين… وكم عوقب بالجَلد؟

تلقّى خمسين جلدة ذات مرّة، ومئة أخرى في مرّة ثانية، ومئة وخمسين في مرّة ثالثة… حتّى قيل إنّ هذا الرجل، ذا الشعر البنّيّ والعينين الغاضبتين، قد حظي بألف جلدة في حياته.

أمّا الآخرون، جون توماس، جايمس ووف الملقّب بموردخاي، جورج موس، هنري ديكسون، جون جونس، نيكولاس لويس، وجايمس كاونتي… فكلّهم في العقد الثالث من أعمارهم، شبّان مليئون عزماً وحيويّة، ولا يقلّون عن زعيمهم تصميماً ورغبة في حياة حرّة.

كانت مغامرتهم الجريئة تلك ثالث محاولة، بعد محاولتي مارتن كاش، للهروب من بورت أرثر.

أقفلت المنشأة المرعبة، في عام 1877، وما تزال جدرانها تنطق للزائرين، بأسرار مزعجة، وكوابيس مرعبة… قد لا يجرؤ مَن يملكون ناصية الكلام، على البوح بها.

 

اترك رد